في التّأسيس البارمينيديّ لمفهوم “الوجود”

ظهرت المدرسة الإيليّة منذ بداية القرن الخامس ق.م بمدينة “إيليا” الّتي تقع في جنوب إيطاليا، أو ما كان يسمّى باليونان الكبرى، وهي مدرسة تضمّ ثلاث شخصيات أساسيّة: بارمنيدس، زينون الإيلي، وميليسوس؛ وتشترك هذه الشّخصيات جميعها في إنكار الخبرة الحسيّة كوسيط نحو الحقيقةـ وتعتبر أنّ الوسيط الفعلي لكلّ معرفة ممكنة هو الاستدلال القائم على المعايير الرّياضيّة الّتي تشترط الوضوح والضّرورة في العمليات البرهانيّة، كما أنَّها أكَّدت على وجوب وضع التّعريفات (Les définitions) كتحديدات ماهويّة  وأنطولوجيّة لمواضيع المعرفة. ولقد أثَّرت الإيليّة أيَّما تأثير فيما لحقها من مذاهب واتّجاهات داخل الحكمة الطّبيعيّة نفسها، فضلا عن الأنساق الفلسفيّة الكبرى مع أفلاطون وأرسطو ثمّ المدارس الهيلينيّة (الإبيقوريّة والرّواقيّة، والشُّكاك)، ويعتبر بارمنيدس المؤسّس الفعلي لهذه المدرسة وواضع الأسس الّتي تنبني عليها الرّؤيّة الايليّة للوجود والمعرفة، أمّا زينون الإيلي فقد اشتهر بممارساته الجدليّة وانتقاداته السجاليّة لأطاريح القائلين بالتّعدد والحركة. فما هو الخطّ المنهجي الّذي اتبعته هذه المدرسة؟ وما هي أسس خطابها حول الوجود؟ وما هي مُخرجات التّفلسف الإيلي؟

لم يبحث فيلسوف الميتافيزيقا والوجود، بارمنيدس Parménide، في الوجود من حيث تجلياته الحسيّة على مستوى أشياء الطّبيعة، بل بحثَ فيه بوصفه فكرة مجرّدة، إذ تحدَّث عن فكرة الوجود من حيث كمالها في العقل وعدم قابليتها للتّجزيء، لذلك عندما يطابق بارمنيدس بين الفكر والوجود، فإنّه يعمِّق الفجوة الفاصلة بين الأفكار كما هي موجودة في العقل وبين تجلّيات هذه الأفكار كما هي موجودة في الطّبيعة، بمعنى آخر، يمكن رؤية الحركة في الطّبيعة ورؤية الأشياء توجد وتنمو ثمّ تفنى، لكنّ التّفكير من داخل العقل في استقلال عمّا يرد على الحواس يقود نحو إثبات استحالة الحركة واستحالة الانتقال من الوجود إلى العدم. يترتّب عن هذا الإقرار حدوث الانفصال بين ثبات الوجود بوصفه كليّة عقليّة، وتغيّر أشياء الطّبيعة بوصفها جزئيات حسيّة، فكيف يمكن فهم هذا التّعارض بين ثبات الوجود في الفكر وتغيّره في الطّبيعة؟ كيف يمكن الحفاظ على الانسجام بين التّصورات الميتافيزيقيّة للوجود والتّصورات الطّبيعيّة حوله؟

تنبني نظريّة الوجود لدى بارمنيدس على الطّرح التّالي: “الوجود موجود، واللاّموجود غير موجود”؛ يتحدّث الرّجل هنا عن الوجود باعتباره مطابقا للفكر، ذلك أنّه لا يكتفي برفض أشكال المعرفة عبر المحسوسات الجزئيّة، بل يقرّ أنّ مسلك المعرفة اليقينيّة هو الفكر وحده؛ لذلك تشكّل نظريته انطلاقة تأسيسيّة لمبحث الأنطولوجيا، من حيث هي “الحدس المباشر للوجود المطلق، والّذي لا يتمّ إلاّ كفعل أوّلي مباشر للعقل ومستقلّ عن الاختبار الحسّي”[1]، وهو ما يعني حدوث التّطابق بين المبدأ الأنطولوجي ومبدأ المعرفة، أي تساوي تحديدات الكينونة بتحديدات الفكر، لكن بأي معنى يمكن فهم عبارة “الوجود موجود واللا ّموجود غير موجود”؟

يقتضي الفهم الفلسفي لهذه العبارة في سياقها الإشكاليّ ضرورة الرّجوع إلى قصيدة بارمنيدس “في الطّبيعة”، الّتي يتحدّث فيها عن رحلته نحو الكشف عن الحقيقة، ومسالك الظّفر بها، إذ تنطلق القصيدة بترحيب إلهة النّور بالمسافر (بارمنيدس) الباحث عن الحقيقة، حيث تذكّره بالمحن الّتي رافقته طيلة سفره إلى أن وصل إلى بوابة النّور الّتي تفصل بين النّهار واللّيل، بين الباطن والظّاهر، بين المعرفة والجهل، مشيرة إلى الأوهام الّتي تخترق الآراء السّائدة والحواس، وتجعل من المعرفة اليقينيّة مسألة مستحيلة، ومن ثمّة تدعو الإلهة إلى ضرورة تجنب طريق الحسّ والمعرفة عبر المعتاد، مؤكّدة على ضرورة بناء المعرفة بواسطة الاستدلال بالبراهين والحجج؛ من هنا سوف يتمّ تقسيم القصيدة إلى مسلكين: مسلك الحقيقة، ومسلك الرّأي. أمّا مسلك الحقيقة فإنّه يقرّ بأنّ الوجود موجود ولا يمكن أن يكون إلاّ موجودا، وصفات وجوده أنّه لا تنطبق عليه قاعدتا الكون والفساد لأنّه كامل من جميع الجهات وثابت، واحد ومتّصل، لا علّة له ولا سبب[2]، ولأنّ انتقاله بين الكون والفساد، معناه الخروج من دائرة الوجود نحو العدم ثمّ العكس، في حين أنّ اليقين العقلي يثبت استحالة انبثاق الوجود من اللاّوجود، فضلا عن ذلك، لا يقبل الوجود الانقسام أو التّعدد لأنّه كلّ متجانس وممتلئ، فالتّعدد هو نتاج للانقسام، والانقسام يستدعي الحركة، والحركة تقتضي فراغا تتمّ فيه، وتفترض نقصا في الوجود يسعى إلى الاكتمال، لكن الوجود كامل لا يحتاج إلى حركة تكمله، مثلما أنّه امتلاء مطلق لا يوجد فيه الفراغ الّذي يسمح بإمكانيّة حدوث الحركة، إنّه وجود مطلق يحدّ ذاته بذاته.

هكذا يصبح الوجود لدى بارمنيدس دائرة تتساوى فيها الأبعاد من المركز، ويتطابق فيها الفكر مع الوجود، إذ لا وجود خارج الفكر مثلما أنّه لا فكر خارج الوجود. ومن هنا يتمظهر الموقف الجذري الّذي يتّخذه بارمنيدس إزاء الوجود بوصفه كاملا بذاته ومكتملا لذاته، غير قابل للقسمة أو الحركة، غير خاضع للكون أو الفساد، لأنّ خاصيته الأساسيّة هي الاتّصال التّام غير القابل للتّوقف أو الانقطاع، فهو وجود ليس له بداية أو انتهاء، ولا يخضع لعوامل النّشأة أو التّلاشي، هكذا يقود المسلك الأوّل من قصيدة بارمنيدس نحو إقفال الفكر على ذاته، وتدشين التّقابل الأوّل بين عالم التّعقل وعالم الإدراك الحسّي، وتصبح الحقيقة رهنا بعالم الفكر القائم على الضّرورة وعدم التّناقض. إنّ بارمنيدس عندما يطارح قضيّة الوجود في استقلال عن الحسّ، فإنّه ينقل الحكمة الطّبيعيّة من مرتبة الكوسمولوجيا المعنيّة أساسا بالبحوث الفيزيقيّة الحسيّة، إلى درجة الأنطولوجيا الّتي تعتمد على النّظر في الوجود من خلال مبادئ العقل ومقولاته القبليّة.

صحيح أنّ الاشتغال المعرفي الّذي قام به بارمنيدس لم يكن مدركا لطبيعة الأدوات العقليّة الّتي يعتمدها، وأنه بصدد توظيف آليات جديدة سوف تطبع خصائص التّفكير المنطقي إلى يومنا هذا، وأنّ أرسطو هو من سيتولى مهمّة التّقعيد لوسائل التّفكير الاستدلالي، لكنّ الممارسة التّأمليّة البارمنيديّة خصوصا، والمندرجة تحت إطار المدرسة الإيليّة عموما تكشف عن استعمال واسع النّطاق لمهارات الاستدلال والاستنباط والجدل، وهي ممارسة سوف تقود نحو  التّأسيس لمفهوم الضّرورة الوجوديّة أي الطّبيعة الجوهريّة والدّاخليّة والأساس المطلق للوجود، الّذي يجعله هو هو، كما ستنحو باتّجاه التّأسيس للبرهان الجدلي القائم على الانطلاق من مقدّمات معيّنة ثمّ التّوصل إلى نتائج تتخذ درجة صدقها من خلال قياس درجة تماسكها الداخلي، وهو ما سيعمل أفلاطون على تطويره من خلال اعتماده على تقنيتي الحوار الجدلي والاستدلال الاستنباطيّ.

على أنّه إذا كان المسلك الأوّل يقود إلى الحقيقة المطلقة المنبثقة من بين ثنايا التّأمل الاستدلاليّ والتّفكير داخل حصن الفكر نفسه، وبالتّالي التّوصل إلى تأسيس نظريّة أنطولوجيّة حول الوجود ذات أساس ميتافيزيقي خالص، فإنّ المسلك الثّاني من القصيدة يفضي إلى تأسيس المعرفة على الرّأي، وهنا ينتقل البحث البارمنيدي من التّفكير أنطولوجيًّا في الوجود إلى التّفكير  كوسمولوجيا في الكون، فإذا كان المسلك الأوّل ينبني على فكرة وحدة الوجود وثباته وانغلاقه على ذاته وتَعَقُّله من خلال الفكر وحده، فإنّ المسلك الثّاني يتّخذ اتّجاها مخالفا، وكأنّ الرّجل يضع نظامين من أنماط المعرفة، فمن جهة هناك المعرفة القائمة على الفكر والّتي مؤدّاها الثّبات والكمال واللاّتناهي، ومن جهة أخرى هناك المعرفة القائمة على الحسّ والّتي مؤدّاها نشأة الكون من خلال نظام الثّنائيات المتناقضة: النّور في مقابل الظلام، والنّار في مقابل التّراب، والرّطب في مقابل الجافّ…بحيث يمكن القول أنّه بالقدر الّذي ينفصل بارمنيدس عن النّموذج المعرفي الّذي وضعه الحكماء الطّبيعيون الأوائل من خلال رفضه للحركة والتّغير والصّيرورة وإرجاع الظّواهر إلى أسطقسات معينة، بالقدر  نفسه أيضا الّذي يتعمّق فيه ارتباطه بهذا النّموذج عندما ينظر إلى الكون من زاوية التّفسير الحسّي والتّجريبيّ القائم على الملاحظة الإمبريقيّة وتفسير الظّواهر الطّبيعيّة من خلال مكوّناتها نفسها.

بتعبير آخر  في مقابل هذه الوحدة العقليّة Unité rationnelle الّتي وضعها بارمنيدس من داخل بنيّة الفكر، يتراءى الوجود الفعلي أمام الحسّ المشترك بكلّ مظاهره المتنوّعة وعناصره المتغيّرة وتفاعلاته المتعدّدة، لذلك كان لزاما على الرّجل أن يفكّر في الوجود الفعليّ ليس من جانب الفكر وحده، بل أيضا من جانب الامتداد الظّاهري للأشياء، وأن يسير على نهج الحكماء الطّبيعيين مساهِما في بناء تصوّر طبيعي للكوسموس، ومن ثمّة سوف يضطر بارمنيدس إلى وضع نموذج طبيعي ينسجم مع مقتضيات نظريته حول الوجود. هكذا سوف يلجأ إلى إحداث التّوازي بين فكرة الوجود المجرّد، والامتداد الفعليّ الحسّي لهذا الوجود، أي القول بوجود ثنائيّة قطبيّة بين عناصر الطّبيعة، فهناك العناصر الّتي تحيل على الوجود (النّور، النّار، الحرارة…)، وهناك العناصر التي تحيل على اللاّوجود (الظّلام، التّراب، البرودة..,)، ومن ثمّة تصبح أشياء العالم مكوّنة داخل بنيّة ثنائيّة منفصلة عن بعضها غير قابلة للتّآلف.

وإذا أمكنت المقارنة بين هراقليط وبارمنيدس سنجد أنّ الأوّل قد أقام مبدأ التّغير على صيرورة الأشياء من ذاتها نحو ضدّها، أمّا الثّاني فإنّه سوف يقيم مبدأ الثّبات على الإيجاب والسّلب المنفصلين عن بعضهما تمام الانفصال، فالنّور إيجاب سلبُه الظّلام، ولا يمكن لهذا الأخير أن يتحوّل إلى ضدّه، يقول نيتشه في هذا السّياق: “إنّ عالمنا العيني كان يُقسَّم بنظره [ أي بارمنيدس] إلى نطاقين منفصلين: نطاق الصّفات الإيجابيّة ذات السّمات النّاريّة الواضحة، النّاريّة، الخفيفة الرّقيقة، الفاعلة…ونطاق الصّفات السلبيّة وهذه الأخيرة إنّما هي تعبّر في الواقع عن نقص وغياب الصّفات الأخرى الإيجابيّة، وهكذا وصف النّطاق الّذي تنقصه الصّفات الإيجابيّة بأنّه مظلم، ترابي، بارد، ثقيل، سميك…وبدل صفات «إيجابي» و«سلبي» استعمل العبارات الثّابتة «وجود» أو «لا وجود»”[3].

بناء على ما سبق، يمكن القول إنّ المستفاد من محطّة المدرسة الإيليّة هو مساءلتها لأسس المعرفة في حدّ ذاتها، ذلك أنّه عندما يزعم بارمنيدس وجودَ مسلكين للحقيقة، فإنّه يطرح قضيّة المنهج المؤدّي إليها، بمعنى أنّ الإشكاليّة هنا هي إشكاليّة إبستمولوجيّة بالدّرجة الأولى وهو ما يحسَب للرّجل الّذي تمكّن من مخالفة تيّار التّفكير الّذي اتّبعته المدرسة الأيونيّة إذ تمكّن من التّفكير في اللاّمفكَر فيه وبذلك كان بارمنيدس المؤسّس الفعلي لمبحث الإبستمولوجيا؛ وعندما يفصل بين الفكر  والحسّ فإنّه يرفع الأوّل إلى درجة التّجريد المتعالي والمفارق، وينزل بالثّاني إلى مرتبة المحايث والإجرائي، وبالتّالي فإنّه يضع نظامين من البحث، كلّ منهما مستقل عن الآخر: نظام المعرفة الحسيّة الاستقرائيّة التّجريبيّة، ونظام المعرفة العقليّة الاستباطيّة المنطقيّة، كما يؤسّس لمذهبين سوف يظلاّن متعارضين على مدى تاريخ الفلسفة، يتعلّق الأمر  بمذهب المثاليّة Idéalisme، ومذهب الواقعيّة Réalisme.

إنّ المدرسة الإيليّة سوف تبصِم على تاريخ الفكر الغربي كلّه بأنّه تساءل بالدرجة الأولى حول الكينونة، ثمّ طابقَ بين هذه الكينونة والإدراك في سعي إلى تملُّكِ المعنى والسّيطرة على الوجود، يقول هايدغر: “إنَّ البصمة الّتي تلَقَّتها كينونة الفكر الغربي تكمن بالضّبط في كون هذه الكينونة قد ظلَّت محدَّدة من خلال ما يُدركه الفكر كإدراك، أي إدراكه للكائن في كينونته. يقول بارمنيدس ÷ولكنَّ نفس الشّيء هو الإدراك، وكذلك ما من أجله يكون (يوجد)×. إنّ الفكر من حيث هو إدراك يستمدّ ماهيته من كينونة الكائن”[4].

********

[1]  الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، المجلد الثاني، مرجع سابق؛ ص191.

[2]  المرجع نفسه، ص207.

[3]  نيتشه، الفلسفة في العصر الإغريقي، مرجع سابق، ص67.

[4] هايدغر: التّقنيّة – الحقيقة – الوجود، ترجمة: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثّقافي العربي، 1995، ص202.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This