في التّأسيس الهراقليطي لمفهوم “اللّوغوس”

على الرّغم من أن ّفيثاغورس اعتبر نفسه فيلسوفا وكان من أوائل القائلين بهذا اللّفظ، إلاّ أنّه غالبا ما يشار إلى كلّ المفكّرين السّابقين عن سقراط بأنّهم حكماء طبيعيون وليسوا فلاسفة، فما علَّة ذلك؟ ما الّذي يميّز الفكر الطّبيعيي عن الفكر الفلسفي؟ بتعبير آخر ما هي الشّروط الّتي تجعل من خطاب ما خطابا فلسفيا؟ وهل استوفت الحكمة الطبيعيّة هذه الشّروط؟

تشير  كلمة “الحكمة” في الاستعمال التّداولي لدى يونانيي القرن السّادس قبل الميلاد إلى “وحدة العلوم”، فالرّجل الحكيم -حسب هؤلاء- هو  الّذي لديه القدرة على طرح الأسئلة بصدد العلل والطّبيعة وغاية العالم والانسان، وحقيقة الوجود الإلهي وتنظيم المدينة وتدبير السّلوك…فضلا عن قدرته على إيجاد الحلول لكلّ المشاكل الّتي يمكن أن تطرأ على حياة العامّة. إلاّ أنّ التّأمل العميق الّذي مارسه الحكيم قاده إلى معرفة أنّ الحكمة ليست معطى مسبقا ولا هي معرفة فطريّة أو عفويّة، على العكس من ذلك، إنّها تحتاج إلى البحث المستمرّ، من ثمّة أصبحت الحكمة محبّةً، أي سعيا دؤوبا نحو التّوصل إلى حقيقة الأشياء، حيث تواضع الفيلسوف عن وصف ذاته بالحكيم، إذ أصبح –فقط- محبا للحكمة، أي باحثا عنها، فماذا يعني إذن البحث عن الحكمة؟

يتحدّد مفهوم الحكمة في معجم لاروس Larousse للفلسفة بأنّها توحيد المعرفة النّظريّة بممارستها العمليّة، أي اقتران الفكر النّظري بالممارسة التطبيقيّة، فالحكيم ليس من يمتلك معرفة خالصة، بل من يسعى إلى العيش وفق هذه المعارف والتّصرُّف على نحوها، بحيث يصير هو نفسه شاهدا على الحقيقة، فهذه الأخيرة لا تعبِّر عن نفسها كمضمون معرفيٍّ فقط، بل تنكشف كنمط عيش وسلوك، وبالتّالي فإنَّ الحكمة في مستواها التّأسيسي ضمن التّقليد اليوناني هي “العيش في انسجام مع الكون، بحيث تكون السُّلوكات خاضعة لنفس القوانين الّتي تخضع لها الظّواهر الطبيعيّة”.

إنّ هذا التّعريف يطرح أهمّ الأسباب الّتي جعلت من الفكر الطّبيعي مجرَّد فكر عقلاني حول الكون، ولا يرقى إلى درجة التّفكير الفلسفي كما سيتبلور لاحقا مع المرحلة السقراطيّة، فالحكماء الطبيعيُّون، جعلوا من هاجس إضفاء النّظام على الكون مهمّتهم الأولى، لكّنهم لم ينتبهوا إلى ضرورة إضفاء النّظام على الذّات الإنسانيّة من خلال فهم طبيعتها ووضع قواعد سلوكها، من هنا يمكن فهم هذا التّركيب المفهومي “الحكمة والطبّيعة” أي ذلك النّمط من المعرفة المكتفي بفهم نظام الكون، دون توجيه التّأمل نحو الإنسان ذاته.

من جهة ثانية، إذا كانت الفلسفة هي البحث عن الحكمة، فإنّ هذه الأخيرة ليست فقط معرفة عقلانيّة حول الظّواهر الفزيائيّة، بل هي أيضا تَعلُّم للفضيلة  Vertu. إنّ الفلسفة هي التّفكير  في تجارب الوعي الإنساني، أي البحث عن ماهيّة الوجود الإنسانيّ ومعناه، بهدف وضع النّظام الأخلاقي/السّياسي الّذي سيجعل من الذّات منسجمة ومتماهية مع نظام الكون، فإذا كانت المهمّة الأساسيّة للحكمة الطبيعيّة هي إرجاع الظّواهر المتعدّدة إلى وحدة Unité، فإنّ مهمّة الفلسفة هي البحث عن سبل تدبير الشّأن العامّ داخل المدينة، بحيث تخضع العلاقة بين الأفراد إلى أشكال من التّنظيم تجعلها مندمجة داخل نظام محدّد، بتعبير آخر، إذا كانت مهمّة الحكماء هي إضفاء النّظام على فوضى الكون، فإنّ مهمّة الفلاسفة هي إضفاء النّظام على فوضى الكون والإنسان معا.

على أنّ التّفكير في مفهوم الحكمة لم ينبثق بشكل أساسي إلا مع  هراقليط الّذي جعلها مطابقة للجانب الفكري من اللّوغوس، ذلك أنّ ما يميّز هذا الرّجل عن سابقيه الّذين طرحوا سؤال أصل الكون هو أنّه فكَّر في الطّبيعة من داخل القانون والمبدأ، وليس من خلال العنصر، بتعبير آخر، لم يكن الهاجس الأوّل لهراقليط هو إرجاع العناصر الطبيعيّة المتغيرّة إلى عنصر طبيعي واحد، بقدر  ما كان يستهجسه أساسا البحث عن القانون الّذي يجعل من الأشياء تتغير  ولا تستقر ّ على وضع واحد، لذلك مع هراقليط سوف يصبح السّؤال الأساسي للفكر الطبيعيّ هو التّالي: “ما هو القانون/اللّوغوس الّذي يجعل من الوجود وجودا منتظما؟”

يتحدّد مفهوم اللّوغوس الهراقليطي بأنّه القانون العامّ الّذي يحكم ظواهر الكون ومبادئ الفكر، ويتّخذ هذا القانون مستويين أساسيين: الأوّل مستوى المبدأ الكوني Logos-cosmos، والثّاني مستوى المبدأ الفكري Logos-Phronesis، معنى ذلك أنّ اللّوغوس بوصفه مبدأ كونيا هو مصدر وجود أشياء العالم ومبدأ صيرورتها الّذي يضفي عليها التّرتيب والنظّام، إنّه الوحدة الّتي تحتوي كلّ الأشياء رغم تغيراتها وتناقضاتها؛ ويتمّ التّوصل إلى معرفة اللّوغوس الكوني من خلال إعمال الفكر، أي الإعراض عن كلّ أشكال المعرفة المزيفة والشّائعة الّتي تنبني إمّا على الشّهادة المتغيّرة للحواس أو على مسارد الخيال ومجاز اللّغة، بدلا عن ذلك، يقتضي التّعرف على اللّوغوس الانطلاق من المبدأ الفكري، أي التّأمل الحدسي والإصغاء لعناصر الطّبيعة في تعبيرها عن الصّيرورة، وانتقالاتها بين الوجود والعدم؛ هكذا يمكن الانتقال من مستوى رؤية الأشياء الجزئيّة والمبعثرة في ظاهرها، إلى مستوى التّأمل الفكري في وحدة الكون وتناغمه، فالفكر بالنسبة لهراقليط منفصل تماما عن الكون، لكن السّعي وراء تحصيل المعرفة الحقيقيّة من خلال المزاوجة بين الحكمة النظريّة المرتبطة بالأفكار  والحكمة العملية المرتبطة بالسّلوك، يجعل من مسألة إحداث الوحدة بين الفكر والكون أمرا ممكنا؛ على هذا النّحو  يمكن إحداث الاتّصال بين الإنسان والطّبيعة، وبالتّالي تطابق نظام الفكر مع نظام الكون ضمانا لمبدأ وحدة اللّوغوس.

إنّ ما يميّز الفكر  الهراقليطي هو تمفصله بين الفكر  الفزيقي المؤسَّس على النّظر في الكوسمولوجيا من خلال عناصرها، والفكر الميتافيزيقي الّذي دشَّن لميلاد البحث الانطولوجي حول الوجود، وتسمح الفكرة القائلة بأن تغيّر أشياء الكون يمسّ كيفيّته دون كمّه، بإثبات وحدة الكون من داخل صيرورته، فانتقال الأشياء من حالة معينة إلى حالة أخرى لا يعني تعدّد الموجودات، بقدر ما يعني انتقالها من شكل للوجود إلى شكل آخر، وهو ما يفيد أنّ الكون إذ يتضمّن مبدأ الصّراع الجدلي بين الأشياء المتناقضة فإنّه في الوقت ذاته يظلّ محافظا على وحدته، ويشبه هراقليط ذلك بالطّريق الّذي يظلّ هو هو في الصّعود كما في الهبوط، على الرّغم من تناقضهما. هكذا تصبح نظريّة الوجود في الفكر الهراقليطي قائمة على مبدأ التّدفق الدّائم L’écoulement perpétuel، الّذي يجعل من الأشياء في تغيراتها وتنقلاتها بين الوجود والعدم خاضعة للانسجام الطّبيعي الخفي الّذي لا يمكن للحواس أو التّمثلات الشّائعة أن تدركه، فالتّناغم الحقيقي والأسمى يتواري خلف اللا ّتناغم الظّاهر  للحسّ.

بناء على ما سبق، يتحدّد مفهوم اللّوغوس الهراقليطي وفق ثلاثة مبادئ تشكل أسُس نظرته الكوسمولوجيّة، أوّلها أنّ الصّراع الّذي يحكم المتناقضات إنّما ينتج عنه الانسجام بين الظّواهر والتّناغم بين الأشياء لأنّه صراع محكوم بالقانون وليس الفوضى، فالتّوتر القائم بين المتناقضات لا يعني حدوث التّنافر بينها بقدر ما يعني أنّها تشكِّل وحدة كلية؛ وثاني المبادئ هو إقرارُ الرّجل بالصّيرورة المستمرّة الّتي تحكم كلَّ شيء، وفي هذا الإقرار  تأتي شذرته الشّهيرة: “نحن لا نستحم في النّهر مرّتين”، أي أنّ الماء الّذي اندلق عليك في اللّحظة الأولى لن يندلق عليك في اللّحظة الثّانية، ويستفاد من ذلك أنّ الموجودات محدَّدة بثلاث خصائص أساسيّة، أنّها خاضعة لمبدأ التّناقض، وتسري عليها مقتضيات التّغيُّر فهي تتحرّك وتنمو  وتتحوّل وفق مسار  الانوجاد ثمّ الفساد، فضلا عن كونها موجودات زمانيّة، أي أنّه لا يمكن تصوّر وجودها خارج التّدفق الخطي المستمر  للزّمن؛ وأمَّا ثالث المبادئ فإنّ الصّراع بين الأضداد ليس مسألة نشازٍ أو شكلا من أشكال الشّر في الوجود، إنّه التّجلي العادي للكون وحالته الطبيعيّة، تلك الحالة الموسومة بالعود الأبدي للنّار  بعد كلّ مسارات تحوّلها إلى الماء والتراب والأثير، على اعتبار أن تعرُّض النّار إلى الرّطوبة يحوِّلها إلى ماء، وأنّ تعرُّضها إلى الجفاف يحوِّلها إلى تربة. هكذا تصبح طريق الوجود هي نفسها في الذّهاب كما في الإيّاب، في الصُّعود والعلوّ كما في الهبوط والدُّنو،

إنّ التّأمل الفاحص للفكر  الهراقليطي يكشف عن مكامن الجدّة في تطوّر الفلسفة ما قبل السقراطيّة، حيث سيتمّ تجاوز النّظرة الطبيعيّة الخالصة للكون من خلال العناصر/الأسطقسات، فإذا كان طاليس قد أرجع أصل الكون إلى الماء، بينما أرجعه أنكسيمانس  إلى الهواء وأنكسمندر إلى الأبيرون Apeiron، فإنّ الأهميّة القصوى لهراقليط تكمن في جعله من قضية الأسطقس الأّول مسألة ثانويّة بالقياس إلى معرفة القانون الّذي يحكم تغيّر الأشياء، وهنا ينتقل هراقليط من التّفكير  فيزيقيًّا في الكوسموس إلى التّفكير  ميتافيزيقيا في الوجود، أي إبدال العناصر الطبيعيّة للكون (ماء، هواء، تراب، نار…)، بمفاهيم ميتافيزيقيّة (التّناقض، الوجود، الصيرورة، العدم…) على اعتبار أنّ الخاصيّة الأساسيّة لهذه المفاهيم هي الكليّة والتّجريد الذّهني.

إلاّ أنّ إدخال مفهومي الصيرورة/التّغير إلى حقل المعرفة سوف يؤدّي إلى ميلاد أزمة اليقين، فالمعرفة اليقينيّة تقتضي بالضّرورة ثبات المعارف، وبالتّالي كيف يمكن قبول مبدأ تغيّر الوجود ومبدأ ثبات  الوحدة الفكريّة، وفي نفس الوقت تكون المعرفة ممكنة اليقين؟ فضلا عن ذلك، إنّ القول بخضوع الأشياء في تغيّرها للجدل الطّبيعي، أي حركة الذّهاب والإيّاب بين الوجود والعدم، سوف يفضي إلى أوّل أزمة معرفيّة من داخل العقل ذاته: كيف يمكن للوجود أن يصدر عن العدم المطلق؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق