لينين الرملي.. المبدع مُنَاوِشًا السلطة / شريف الشافعي

لربما ليست هناك مسافة لغوية بعيدة بين المناوَشَة والمناوَأة، فالحالتان من حالات عدم الاتفاق مع الخصم، ومنازلة العدو من بُعد تارة، ومن قرب في أحوال أخرى، لكن استحضار مفردة “المناوِش” هنا لتوصيف علاقة المبدع بالسلطة، بما فيها من شد وجذب، وكياسة ودبلوماسية، ووعي وتحوّط، وربما حذر أحيانًا لضمان توصيل الرسالة النارية اللاذعة وتخطي مقص الرقيب الشرس، يبدو أدق وألصق بالمثقف المستقل من نعته بصفة “المناوِئ”، التي ربما هي أقرب للتعبير عن السياسي المُعَارِض مثلًا على طول الخط، أو المحارب باندفاع أهوج في معارك غير عقلانية.

في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، توطدت بمصر صناعة هي الأردأ في ذلك الوقت لتفريخ مثقفي السلطة على غرار شعراء البلاط الناعمين بالحظوة في الخلافات الإسلامية، وتمكنت ماكينات الميديا من رفع الكثيرين من أنصاف المواهب ومعدوميها إلى أعلى المناصب الإدارية، وأُهْدِيَ إلى بعضهم لقب “الأديب الكبير” مثلما كان يُنْعَم على المُقَرّبين من الوالي العثماني بالباشوية، والمقابل بالطبع: الولاء التام من المثقف للسلطة حد التدجين، وتحويل كل ما يتعلق بالتنوير والتثقيف والإبداع إلى الطاعة والتمرير والتفسير والتبرير والتغطية والتدليس، وهو ما أطلق البعض عليه “حظيرة الثقافة”.

وفي ظل مناخ سياسي هزلي، وأحزاب كرتونية، وتيارات إيديولوجية ممزقة، ندر انخراط المثقفين والمبدعين من غير المتحالفين مع السلطة في كيانات جماعية عاملة، باستثناء بعض حركات اليسار، والجماعات الدينية، التي أفرزت عددًا من اللاعبين في ميادين الأدب والنقد والفلسفة والفكر السياسي، لكن نشاطهم الحركي العضوي كان أكثر وضوحًا وتأثيرًا من إنتاجهم الإبداعي، الذي لم يكن في مقدمة اهتماماتهم، وَمَنْ أخلص منهم للكتابة الفنية الذاتية في وقت لاحق فقد تخفف بالضرورة من انخراطاته الحزبية والسياسية.

في ضبابية هذا المشهد الوعر، يُحتسب لذلك العهد الغابر ما لم يعد قائمًا في الوقت الراهن، وهو السماح بنشوء نموذج المثقف المستقل، وظهور ذلك المبدع القوي المتحقق، المقيم على أرض الوطن، والقادر في الوقت نفسه على المناوَشَة، كحل وسطي للتعبير بقدر مقبول من الحرية، والتصدي للأقلام الانبطاحية المتوافقة مع كل ما يحدث من إخفاقات وهزائم وانسحاقات على أرض الواقع.

وقد حظيت هذه الأقلام باحترام ونجاح كبيرين، لما شكلته من مصداقية وأمانة في الطرح، وما تسلحت به من حيادية ونزاهة واستغناء، وتمكنت بالفعل من الخوض في محاذير وتابوهات عديدة، مستغلة هامش الحرية المتاح، وحيل الكتابة الكثيرة من إسقاطات ورموز وأقنعة، لتفادي القمع والسيف الرقابي، بدون الوقوع في فجاجة المعارضة السياسية الزاعقة، المستعدية للقبضة الأمنية الباطشة.

الكاتب لينين الرملي، الذي توفي قبل أيام، تحديداً في 7 شباط/فبراير 2020، عن 74 عاماً، شكلت أعماله المسرحية والسينمائية والتلفزيونية وجهًا ناصعًا في منظومة هذا الاتجاه المشاغب المشاكس، الذكي في انتقاداته السياسية وسخريته الاجتماعية والإحساس بنبض الشعب في أزماته الحقيقية ومعاناته اليومية تحت وطأة القهر والفقر والممارسات السلطوية والحكومية الخاطئة والفاسدة. وسواء كانت نوافذ النور الضيقة مفتوحة في ذلك الوقت بقوتها الذاتية المجردة ومن تلقاء نفسها، أو أنها كانت مدعومة ضمنيًّا بفضل تغافل مقصود من السلطة لتحقيق قدر من التنفيس تفاديًا للغضب الشعبي الانفجاري، ففي الحالتين يبقى الحصاد الثريّ الذي أفرزته هذه النوافذ هو الأمر الأهم، فأعمال كُتّاب ومخرجين وتشكيليين ورسّامي كاريكاتير من أمثال لينين الرملي وأسامة أنور عكاشة ووحيد حامد وأحمد رجب وعاطف الطيب وبهجت عثمان ومصطفى حسين وغيرهم قد أسهمت بالفعل في تعزيز الوعي وتغذية الحس الاحتجاجي وتوجيه الجمهور إلى المطالبة بحياة أفضل، كما مثّلت بشكل من الأشكال قدرًا من الضغط على أصحاب القرار في أوقات حرجة.

ما تميز به إبداع لينين الرملي، وسط زمرة المستقلين وأصحاب الرسائل الانتقادية والدعاوى الإصلاحية، أن صوت الفن لديه في المقدمة، ففي إطار الكوميديا تبقى الضحكة بطلة أولى للعمل، وما هو سياسي واجتماعي في المقام الثاني، وربما في الخلفية أو الهامش، أو خارج البرواز تمامًا.

لم يفعل لينين ذلك بدافع الخوف، وإنما إعلاء لشأن الجمالي الفني في عمل إبداعي في الأساس، فالمنبرية بلا شك مقبرة لأي عمل مسرحي أو سينمائي أو تليفزيوني، ولذلك لم يكن غريبًا أن يكون صاحب الأعمال التي يصفها نقّاد محنّطون بأنها أعمال هادفة من قبيل مسرحيات “وجهة نظر” و”تخاريف” و”الهمجي” و”أنت حر”، وفيلم “الإرهابي”، هو ذاته صاحب فيلم “بخيت وعديلة”، ومسلسل “حكايات ميزو”، اللذين يراهما النقاد المحنّطون أنفسهم في منزلة أدنى (وفق حكم القيمة البائد)، أو في خانة الأعمال التجارية.

هذه الازدواجية تخص هؤلاء النقّاد، ولا تخص لينين الرملي، فالرجل لم يدّع في أي من أعماله ذلك الالتزام المزعوم ببنيان مسرحي رصين، داخل العلبة الإيطالية التقليدية أو خارجها، ودراما تشريحية متطورة في السينما والتليفزيون، وأفكار ومعالجات وثيمات مركّبة متعمقة، لكن صاحب مسرحية “سك على بناتك” ومسلسل “هند والدكتور نعمان” وفيلم “الرجل الذي عطس” هو في سائر مؤلفاته راسم ضحكة مصرية بسيطة بريئة أولًا وأخيرًا، وإلى جانبها قد يمرر بخفة ورشاقة مضامين اجتماعية وسياسية من أجل تعرية بعض الحقائق ووضع اليد على أمراض وأزمات كائنة وكامنة، من أجل المساعدة في تجاوزها وحلها.

إن عناوين وشعارات من قبيل “لا تكذب” و”لا تفتن” و”لا تخن” في مسرحية “الهمجي” مثلًا ليست هي القيمة بطبيعة الحال، فهي أمور معروفة بالضرورة حتى لأدنى شرائح الجمهور تعليمًا، لكن قيمة المسرحية، وأعمال الرملي عمومًا الموجهة إلى جمهور عريض غير نخبوي، تتجلى في تلك التفاصيل والمواقف والمفارقات التي تتفجر من خلالها الكوميديا والدراما المتصاعدة المتنامية، وتتبلور مسوّغات الانتقاد الاجتماعي والسياسي، والتقويم الإنساني، على نحو يبدو عفويًّا، ومنبثقًا من قلب الشخصية المصرية العادية “مش مهم يكون عندك نظر، المهم تكون عندك وجهة نظر”، كما في مسرحية محمد صبحي “وجهة نظر”، التي يمكن تأويلها في إطار سياسي، وقد أدى نجاح هذه الثيمة إلى تعاون استمر طويلًا بين لينين وصبحي.

هذه القابلية للتفسير المتعدد سمة أخرى إيجابية في بعض أعمال لينين الرملي، فهناك مستويات للتلقي، جميعها حقًّا متاح وغير متعالٍ، لكنْ من حق درجات الوعي الأرقى قليلًا أن تستشعر انفرادها بلغة خطاب أخصب في حمولتها، كتلك اللمحات والإسقاطات السياسية والتاريخية والترميزية في مسرحية “تخاريف” مثلًا، خصوصًا في فصلها المتعلق بالحاكم المستبد و”شعبه المهاوِد”، أي الخانع إلى درجة الموات، فهذا الحاكم وإن اتخذ سمت النازي هتلر، فإنه محليّ التعبئة وفق شواهد أخرى احتوتها السخرية السوداء في واحد من أبرز أعمال الرملي.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق