يومنا ومكاننا

أذكر أنّه كان يوما شتويا باردا، كان المكان مكاننا، بمشرب المعهد، كنت أنتظرك، وكنت أحتمي من لسعات الصّباح الأولى بوشاح صوفي متين. صباح القرجاني له رونق خصوصي. داخله تحلم، تحزن. تفكّك أركان حبّ لم يكن. تشيّد قصّة حبّ جميلة بشخصيات وهميّة. تفكّر في عرض لم تبدأه بعد. دائما ما كنت أشبه العروض بالزّمن الّذي يلفّ ويدور حولك. آخر عرض لي كان حول الشّعر العربي القديم. من أين ألج الموضوع والقصائد تطرق ذاكرتي الواحدة تلو الأخرى. أحفظ الشّعر أحيانا وأحيانا أخرى أخيّر أن أقرأه من الدّيوان. الدّيوان كالإعصار. داخله، تستطيع أن ترسم صور الحبّ، أن أتخيّلك وأنت آت، أن أرسم على حاف كوبك آثار أحمر شفاه. دواوين الشّعر كأكواب القهوة معك، لا تنتهي أبدا.

صباح شتوي بارد، ينفذ البرد إلى العظام ويتّقد القلب دفئا. كنّا نخيط سويّة وشاحا أكثر غلظة. كان الزّمن بيننا سيفا من صوان مسنون. وكنّا أشبه بنملتين في زمن ناء، وكان الوشاح أشبه بنسيج العنكبوت. كنت أخبرك دائما أنّني أحبّ الصّحاري البعيدة والشّمس والضّمأ والوهج. أحيانا كثيرة، وأنا أحدّثك عن البداوة الّتي أحبذها، كنت أنحو نحو شاعر صعلوك أو مغمور. أعرض لك بيتا أو أكثر من شعره. كنت لا تحب الشّعر القديم أمّا أنا فكنت أبحث بين ملامحك عن شيء يجعلك تنبذ شعر القدماء. أحيانا أخرى، يبتلعني الصّمت مثلما ابتلعني المكان. كنت أودّ لو أنّني أشرح لك كلّ الأفكار. أن أقول لك إنّ حبّ  المكان أتعبني، وأنّني أرغب في التّجرد من كلّ ما أحبّه تردّد صوتك مرّة ومرّتين: وأنا؟

خيّم الصّمت. صار الصّباح البارد دافئا فجأة. وصار قلبي قلب نملة صغيرة. لقد شعرنا سويّة أنّنا أصغر من الحياة الّتي قذفنا إليها. كنّا نملتين نحوك النّسيج ونبتسم. دعوته على كوب قهوة آخر بالطّرف الآخر من قلبي، مشرب الدّار.

الصّباح هناك، صباح آخر بنكهة أخرى وطعم آخر. الوجوه تتغير وطعم القهوة أيضا يتغير. جلستي أيضا تتغير. أشبك يدي ببعضهما البعض، ألف ساقا على ساق وأتأمّل العالم.

العالم في الصّباح غريب. كلّ يتأمّل في الكلّ. المكان صغير هنا صغر النّملة. وكنت أبتسم أمامك وأمام الجميع على نحو طفولي. يطوق وجهك وجهي. تمتزج رائحتي برائحتك. تمتزج رائحتنا برائحة القهوة. بهدوء، حدّثتك دون مقدّمات عن مجيء أمّي اليوم فتردّد صوتك مرّة ومرّتين: زهرتان بيوم واحد؟

الورود الّتي أهديتني إيّاها، مازلت أحتفظ بها، أسقيها بماء قلبي مع كلّ يوم. خجلك وأنت تهديني زهرة من حديقة الدّار كان باديا تفضحه يدك المرتعشة. كان بودي أن أمسكها بقوّة كما أمسك بيد أمّي دائما. لكنّك لم تكن هي. أنت، شخص آخر قد زعزع كلّ النّدوب العميقة الّتي بداخلي، كسرت كلّ القوانين الّتي رسمتها: القوانين تشوّه الوجود البشري!

أغبط الّذين يدخنون سيجارة ويتفرّسون السّماء، كيف يمتصّون العالم مرّة واحدة ويتقيؤونه فجأة هكذا. العالم يكسرنا، يسجننا، ينفينا. داخله، أفكر كيف سألج عرض الشّعر القديم فأبتسم على نحو طفولي. داخله، أفكر في طفولتي السّعيدة، في سنتي المرحلة التحضيريّة، في المناظرة. كيف كلّفني النّجاح ثمنا باهضا. ليس بالهين أبدا أن تبتعد عن أقسام المعهد.

داخله، أبحث عن البقع السوداء داخلي. أعرض نفسي للشّمس حتّى أتخلص من كلّ ما يلطخني، عن تراكمات سنوات الاضطهاد والبحث. لم أكن أعلم عم أبحث! عنّي أم عنك؟

أنت حبيب قديم، أدعس على قلبي كلّما امتزجت رائحة القهوة برائحتك. قلت لي يوما: النّدوب العميقة، ستتحوّل إلى أصفاد لا تنطفئ أبدا. النّدوب وقادة.

تتحدّث وكأنّك شاعر مغمور، بزمن آفل، ومكان غير مكاننا.. –

حينها فقط، أدركت كيف ألج العرض، كيف يتحدّث الشّعراء وكيف تبنى القصيدة، بيتا ببيت، ندبة بندبة..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This