كرسي العروي: في التّرجمة و التّأويل

بمناسبة تدشين” كرسي عبد الله العروي” بمدرج ” ابن خلدون” في رحاب كليّة الآداب محمد الخامس بالرّباط، وبالتّعاون مع معهد العالم العربيّ بباريس، قدّم المفكّر المغربي محاضرته الافتتاحيّة و الّتي تناولت موضوعات أقلّ ما يقال عنها أنّها خلافيّة، ملقيا بقضايا و إشكالات راهنية تحتاج منّا إلى مقاربات جديدة بنفس نقدي وإصلاحي معاصر.

في هذه الورقة سنسلّط الضّوء على أهمّ ما جاء في مداخلة العروي:

نهاية الدّولة الوطنيّة

استهلّ صاحب الإديولوجيا العربيّة المعاصرة، وسلسلة كتب المفاهيم، التّذكير بالأزواج المفاهميّة الّتي اشتغل عليها منذ عقود طويلة متسائلا عن راهنتيها اليوم وعن سبل إحياءها أو تجاوزها.

فقد ارتكزت هذه الأطروحات حسب “العروي” على مفهوم الدّولة الوطنيّة أو القوميّة. وهو ما أبرزه –بما يقتضيه سياق المحاضرة –  في ثلاثة نقط:

_ الدّولة الوطنيّة نراها اليوم تتفكّك وتنحل وتسلب من كلّ فاعلية ونفوذ، في مقابل إنتماء للعرق للقبيلة و المذهب. لا للدّولة كما تمثّلت في فرنسا الثّورية، فالمستقبل يبقى للسّلطة القبليّة أو الفيدراليات الهشّة.

_ قيمة ابن خلدون وإيلائه أهميّة قصوى لعملية التّدوين:  نقل الثّقافة الشفهيّة إلى ثقافة مكتوبة، وهو أساس علم العمران. مرجعا – العروي- أسباب تأخّرنا أنّنا توقفنا عند هذه النّقطة، دون أن ننتبه مثلا إلى أنّ اختراع الطّباعة بالنسبة للأوربيين أواسط القرن الخامس عشر كان بمثابة ثورة تدوينيّة ثانية، ونفس الأمر بالنسبة للآسيويين وقابلتيهم الكبيرة للتّحديث باختراعهم لآلة النّسخ. ففي عالم اليوم تستعيد الثّقافة الشّفوية قوتها بينما يعيش الكتاب أزمته الخانقة، فالثّورة المعلوماتيّة والرقميّة تعدّ لاحقة وتابعة زمنيا لثورة الطّباعة غير أنّها جاءت معاكسة لها وقضت على الكثير من نتائجها. فاختفت معها الإشكالات و العوائق المطروحة قبلا و الّتي اشتغل عليها المحاضر سنين طويلة باحثا عن حلول لها.

_ ثناء العروي في أطروحاته على واقعيّة وبراغماتيّة فكر ابن خلدون في مقابل طوبى الفقهاء و المتصوّفة، لكن اليوم ماذا يعني الواقع؟ هل هو المحسوس والملموس، ما يرى و ما يسمع.  ففي وقتنا الراهن اختفت الفوارق بين ما نرى و نسمع و بين ما هو غير موجود ماديا. في غياب حاسّة تسمح بالتّمييز التّلقائي بين المعقول و الموهوم، منتصرين للوهم ومتعلقين به في حالات كثيرة.  فما تعني الواقعيّة اليوم  -الّتي دعى إليها المحاضر في مؤلّفاته- في التّفكير في السّلوك و التّحليل و الإبداع؟

هذه النّقط تطرح اعتراضات صاغها العروي في ثلاث نقاط:

_الدّولة الوطنيّة والقوميّة لم تعد مقنعة أو مجزية، فما هو البديل؟ هل هو اللاّدولة، أم الدّولة الأمميّة كما تبلورت مع الفلاسفة في القرن الثّامن عشر الأوروبي.

_الأميّة الرقميّة أسوا من الأميّة الحرفيّة، فهل محو الأولى يعفينا من محو الثّانية أم أنّ الثّانية هي شرط للأولى؟ وبما أن الجواب يبقى مستعصيا

_ فهل سطوة  الواقع الإفتراضي اليوم هو من عمل العلم العقلاني التّجريبي؟ أم هو من عمل سحرة موسى؟

وهل المجتمع الغير الحداثي يمكنه أن يتصوّر عالما افتراضيا؟ هو الّذي خلق في الماضي أنماطا تلقائيّة للسّحر و الغرائب والعجائب، لكنّه وفي ظلّ انخراطه في الحداثة لم يبدع قصصا للخيال العلمي.

من الواضح أنّ إشكالات اليوم ليست هي إشكالات الماضي، غير أنّ المستجد اليوم كان وليد إطار الدّولة الوطنيّة والإنتاج الصّناعي والعقلانيّة الواقعيّة. وهو ما لا يمكن أن يفهم أو يتدارس في إطار النّقيض منها، أي اللاّدولة و العمران البدوي والعلوم الغيبيّة.

هذه التّناقضات والاعتراضات تساءل مشروع العروي بمجمله، بمثل ما تساءل واقعنا العربي المعاصر في كلّيته، وهو ما يستوجب علينا طرح مسألة الدّولة والثّقافة و الواقع، في قالب فكري ومنهجي جديد مستمد من حقول معرفيّة متعدّدة.

في التّرجمة

يسعى المترجم -حسب العروي-  إلى عدم إقحام ذاتيته فيما يترجم، أن يبقى وفيّا لأسلوب المؤلّف، مؤدّيا معناه كما هو في النّص/ الأصل. وهنا سيقدم العروي أمثلة للتّرجمة وسوءها، فيما يخص ترجمة بعض المفاهيم و المؤلّفات.

معتبرا أنّ الخطأ الكبير الّذي نقع فيه هو اعتقادنا أنّ هي عمليّة التّرجمة هي نقل لمرّة واحدة، بل الأمر على العكس من ذلك فلكي يأتي هذا الفعل – التّرجمة-  ثماره عليه أن يكون عمليّة مستمرّة. كما هو الحال في الغرب إذ لا يمرّ عقد إلاّ وتصدر للمؤلّفات المهمّة  (أرسطو مثلا)  أو حتّى مفاهيم بذاتها (الإليثيا مارتن هيدجر، أو إبيستيمي ميشيل فوكو) ترجمات جديدة، ممّا ينشأ عنها فلسفات جديدة وتصوّرات أجد.

إنّ التّفكير في نظر المحاضر هو تعالي وانفصال عن الأعيان و تعامل مع المعمم والمبهم والمتشابه، فنقل  ما هو مجرّد وعام مرتبط بالتّطور الحضاريّ والمجتمعيّ لكلّ ثقافة، ممّا يقتضي دائما نوعا من التّأويل للمعنى كفعل سابق على التّرجمة، وهو ما قام به الرّومان إبّان ترجمتهم للفكر اليوناني إذ صادفوا صعوبة في نقل الألفاظ اليونانيّة إلى لغتهم، وبالمثل هو  ما جرّبه المحاضر في ترجمته لـ”مونتسكيو أو روسو” إلى اللّغة العربيّة أو في نقله لـ”ابن خلدون” إلى الفرنسيّة.

وفي معرض حديثه عن آفة التّرجمة المرتبكة ضرب مثالا  بمفهوم  “laïcité ”  الّذي عرّب باللادينيّة عوض دنيوي، وهو ما قاد النّقاش العربي التّابع والنّابع عن هذه التّرجمة الخاطئة إلى متاهات بعيدة عن المعنى الأصلي كما يحضر في تاريخ الحضارة الأوروبيّة المسيحيّة.

وفي الختام، دعى المحاضر إلى عمليّة إصلاح شامل:  تربوي،  ثقافي ولغوي. و أن تكون التّرجمة (فرديا أو جماعيا)  عمليّة متواصلة وتأويل متجدّد ومستمر. مقترحا أن يكون الكرسي -الّذي يحمل إسمه-  تحت مسمّى “كرسي للتّرجمة و التّأويل”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق