المرأة في حكم التّاريخ

لا يمكن معرفة حال المرأة اليوم إلاّ بعد معرفة حالها في الماضي. تلك هي قاعدة البحث في المسائل الاجتماعيّة، فإنّنا لا يمكننا أن نقف على حقيقة حالنا في أيّ شأن من شؤوننا، إلاّ بعد استقراء الحوادث الماضية والإلمام بالأدوار الّتي تقلّبت فيها، وبعبارة أخرى: يلزم أن نعرف من أيّة نقطة ابتدأنا؛ حتّى نعلم إلى أيّة نقطة نصل؟

ذكر شيخ المؤرّخين (هيروديت) أنّ علاقات الرّجل بالمرأة كانت متروكة إلى الصّدفة. ولا تفترق عمّا يشاهد بين الأنعام. وكان الشّأن إذا ولدت المرأة ولدًا أن يجتمع القوم متى وصل الولد إلى سنّ البلوغ، وينسبوه إلى أشبه النّاس به. وهذه العادة كانت معروفة —أيضًا — عند القبائل الجرمانيّة وعند العرب في الجاهليّة.

وقد جاءت روايات السيّاح المعاصرين لنا مؤيدة لما جاء به التّاريخ؛ فإنّ جميع السيّاح الّذين طافوا بلاد (تايتي) وجزائر (مركيز) وغيرهما من أقاليم أستراليا وزيلندا الجديدة، وبعض بلاد الهند وأفريقيا، ذكروا أنّ الزّواج غير معروف في تلك البلاد.

ولا خلاف في أنّ المرأة الّتي هذه حالها، تعيش مستقلّة، تعول نفسها بنفسها، مساوية للرّجل في جميع الأعمال، بل لها من المزيّة عليه أنّ نسب الأولاد في الغالب بها وحدها، فالمرأة في هذا الدّور الأوّل هي ذات الشّأن في الهيئة الاجتماعيّة، وربّما كانت تشترك في الدّفاع عن قبيلتها مع الرّجال، ويدلّ على ذلك ذكر وقائع الفارسات في التّواريخ القديمة، ووجود عادة منتشرة إلى الآن في بعض البلاد، تقضي بتجنيد النّساء كما تجنّد الرّجال، ومن هذا القبيل أنّ ملك (سيام) كان له عدد من النّساء عَهِد إليهنّ بحراسته، وكان الملك (الداهومية بها نزن) الّذي استولى الفرنساويون على بلاده من بضع سنين، خمسمائة جندي من الرّجال وخمسمائة من النّساء.

ولما ودّع الإنسان بداوته، واتّخذ وطنا قارّا، واشتغل بالزّراعة وجد نظام البيت، ومن أهمّ ما ساعد على تشكيل العائلة، أنّه كان لكلّ عائلة معبودٌ خاصّ بها تختاره من بين أسلافها، كما كان جاريا عند اليونان والرومان والهنود والجرمانيين، وكما هو جار إلى الآن عند الأمم المتوحّشة، وله بقيّة في بلاد الصّين، وكانت العائلة تقدّم القربان إلى آلهتها، فكان هذا باعثا للرّجل على استبقاء ذريّة تقوم بتأدية الخدمات الدينيّة.

وترتب على دخول المرأة في العائلة حرمانها من استقلالها؛ لذلك نرى رئيس العائلة عند اليونان والرومان والجرمانيين والهنود والصّينيين والعرب مالكا لزوجته، وكان يملكها كما يملك الرّقيق بطريق الشّراء، بمعنى أنّ عقد الزّواج كان يحصل على صورة بيع وشراء، وهذا أمر يعلمه كلّ مطّلع على القانون الرومانيّ، وذكره المؤرّخون، ورواه السيّاح المعاصرون لنا، يشتري الرّجل زوجته من أبيها فتنتقل إليه جميع حقوق الأب عليها. ويجوز له أن يتصرّف فيها بالبيع لشخص آخر. فإذا مات انتقلت مع تركته إلى ورثته من أولادها الذّكور أو غيرهم.

وممّا يتبع هذه الحال أنّ المرأة لا تملك شيئا لنفسها ولا ترث وإن يتزوج الرّجل بعدة نساء؛ لأنّ الوحدة في الزّواج تفرض المساواة بين الزّوجين في الحقوق والواجبات.

ثمّ خفّت صولة الرّجل على المرأة نوعا بتأثير الحكومة، فردت إليها حقّ الملك كلّه أو بعضه، وحقّ الإرث تامّا أو ناقصا على حسب الشّرائع، ولكنّ حماية الحكومة للمرأة لم تبلغ في أيّ بلد من البلاد إلى حدّ أنّها سوّت بين الرّجل والمرأة في الحقوق، فالمرأة في الهند كانت مجرّدة عن شخصيتها الشّرعية، وعند اليونان كانت النّساء مكلّفات بأن يعشن في الحجاب التّام. ولا يخرجن من بيوتهم إلاّ عند الضّرورة، وعند الرّومان كانت المرأة في حكم القاصر، وفي مبدأ تاريخ أوروبا عندما كانت خاضعة إلى سلطة الكنيسة والقانون الرومانيّ، كانت في أسوأ حال، حتّى إنّ بعض رجال الدّين أنكروا أنّ لها روحا خالدة، وعرضت هذه المسألة على المجمع الّذي انعقد في ماون في سنة ٥٨٦ فقرّر بعد بحث طويل ومناقشة حادة أن المرأة إنسان، ولكنّها خلقت لخدمة الرّجل.

وكان من الضّروري أن تعيش تحت قوامة رجل وهو أبوها قبل زوجها، ثمّ زوجها بعد الزّواج، وأحد أبنائها إذا مات الزّوج، وأحد أقاربها من الذّكور أو أقارب زوجها إن لم يكن لها أولاد، ولا يجوز لها في أيّة حال أن تتصرّف بنفسها، وكانت غير أهل للشّهادة في العقود، ولا للوصاية على أولادها القصَّر، ولا لأن تكون حكما أو أهل خبرة، وشوهد في بعض ولايات سويسرا أنّ شاهدة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد، ولا تزال آثار هذه الأحكام باقية إلى الآن في كثير من مماليك أوربا؛ ذلك لأنّ مبدأ تشكيل الحكومة كان على صورة العائلة. والحكومة الّتي تؤسّس على السّلطة الاستبداديّة لا ينتظر منها أن تعمل على اكتساب المرأة حقوقها وحريّتها.

هذا الضّرب من الحكومة الاستبداديّة هو أوّل حكومة سياسيّة ظهرت في العالم، وقد اضمحل ثمّ زال بعد أن أقام أجيالًا في البلاد الغربيّة، وحلّ محلّه النّظام الدستوري المؤسّس على أنّ الحاكم ليس له حقّ على الأشخاص ولا على الأموال إلاّ ما تفرضه القوانين.

ولكنّه لا يزال سائدا في الشّرق بعامّة، حيث نرى سكّان الصين والهند وبلاد العرب والتّرك والعجم خاضعين إلى سلطة حكومة لم تتغيّر عمّا كانت عليه من آلاف من السّنين.

وليس هنا محلّ البحث عن الأسباب الّتي وقفت بهذه الجمعيات الشّرقيّة عند حدّ العجز عن التّخلص من الاستبداد المزمن الّذي حرمها التّرقي في المدنية، وحصر حركاتها في مدار واحد بدون أن تنتقل من مكانها، وإنّما يهمّنا هنا أن نثبّت أمرًا يتعلّق بموضوعنا وهو:

وجود التّلازم بين الحالة السّياسيّة والحالة العائليّة في كلّ بلد؛ ففي كلّ مكان حطّ الرّجل من منزلة المرأة، وعاملها معاملة الرّقيق حط نفسه وأفقدها وجدان الحريّة. وبالعكس في البلاد الّتي تتمتّع فيها النّساء بحريّتهنّ الشخصيّة، يتمتّع الرّجال بحريّتهم السّياسيّة، فالحالتان مرتبطتان ارتباطا كليا.

*****

المصدر:

قاسم أمين: المرأة الجديدة، مطبعة الشّعب، مصر، 1911.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق