الرواية التي أربكت الكتّاب الأميركيين..هل نكتب فقط عما نعرفه؟ / شادي لويس

أكتب فقط عمّا تعرفه! الحكمة الرائجة في نصائح الكتابة، لا يضاهيها انتشاراً، سوى النصيحة المعاكسة: أكتب فقط عمّا لا تعرفه، عن المجهول، ما يتحدى حدودك ويحتاج إلى استكشاف.

ترد الكاتبة الأميركية جانين كامينز على الضجة التي أثيرت حول رواياتها “التراب الأميركي” الصادرة هذا العام: “كنت أتمنى أن يكتبها شخص آخر، لونه أغمق مني”. والرواية التي تدور أحداثها حول معاناة امرأة مكسيكية في هروبها إلى الولايات المتحدة، نالت استقبالاً حافلاً في البداية، من النقاد ووسائل الإعلام، اختارتها أوبرا وينفري لناديها للكتّاب، ووصل مديح المذيعة الشهيرة للكتاب، إلى ملايين الأميركيين بفضل برنامجها. لكن، بعد أيام قليلة، تتابعت العروض السلبية الغاضبة للنقاد على جانبي الأطلسي، فالرواية المعنية بتصوير معاناة المهاجرين غير الشرعيين، وُصفت بـ”بورنو المعاناة”. أما الكاتبة الأميركية التي لا يربطها بأميركا اللاتينية سوى جد ثري من بورتوريكو، فنُقد تصورها لبطلتها الرئيسية، بوصفها “مكسيكية ترى المكسيك بعيني سائح أميركي”. ووقّع 140 كاتباً أميركياً، بياناً يطالب برنامج “أوبرا” بالتراجع عن ترشيح الكتاب للقراءة، وشكل عدد من الكتّاب اللاتينيين جماعة باسم “الكرامة الأدبية” للتصدي للرواية. أما دار النشر، فاضطرت لإلغاء جولة ترويجية للكاتبة، بسبب تهديدات وصلتها، وقدمت اعتذاراً عن استخدامها أسلاكاً شائكة كديكور في حفلات التوقيع الأولى.

ووصل الأمر أن مكتبات سحبت الرواية من الأرفف، واتخذت مكتبات أخرى خطوة أكثر توازناً، كوضع الكتاب في نوافذ العرض، إلى جانب أعمال تتناول الموضوع نفسه لروائيين أميركيين من أصول لاتينية أو أميركيين لاتينيين، أو توجيه نسبة من أرباح المبيعات لصالح منظمات تساعد المهاجرين غير الشرعيين.
سيكون “التراب الأميركي” بلا شك كتاب العام الصادر بالإنكليزية، لا بسبب جودته، بل بفضل الضجة التي ثارت من حوله والمناخ السياسي العام، والمحتدم في الولايات المتحدة. فكما يقول خبراء التسويق بانتهازية متبجحة قليلاً: “لا دعاية سلبية، الدعاية أياً كانت هي دعاية جيدة”. ويعيد هذا، فتح اسئلة متداولة من قبل حول الكتابة. فأن يكتب السود وحدهم عن السود، مقولة ذات حدّين، تعني أيضاً أن يكتب السود عن السود فحسب، والمهاجر عن الهجرة حصراً، وهكذا. لكن الأمر لا يتعلق بدرجة لون الكاتب، كما يوحي رد كامينز، وإن لعب اللون دوراً هنا. فالكتّاب ذوو الأصول اللاتينية، المعترضون على كتابها، يحتجون على الطريقة التي تدار بها سوق النشر. فهل سينال أي منهم عقداً بستة أصفار مثل ذاك الذي حصلت عليه كامينز؟ لكن درجة اللون ليست كل شيء، فغالبية الانتقادات لم تتعلق بالكاتبة أو أصولها العرقية، بل بمحتوى الكتاب، المليء بالتنميطات العنصرية والصور المشوهة المهينة الرائجة والسطحية، ويدفع هؤلاء بحكمة بديلة: “أكتب عن أي شيء، لكن أكتب جيداً”.

إلا ان معيار الجودة وقياسها، وتحديد النمطي والمشوه والمهين، ليس بالسهولة الذي يبدو عليه. لدى كامينز دفوع مقنعة، فزوجها من أصول أيرلندية قضى عشر سنوات من إقامته في الولايات المتحدة كمهاجر غير شرعي. أليست هذة نافذة حميمية وشخصية جداً للكاتبة، إلى تلك الخبرة المعاشة؟ وربما ترى شخصية الرواية الرئيسية، بلدها، بعيني سائح أميركي فعلاً، لكن الكاتبة في الحقيقة أميركية، وترى العالم بعينين أميركيتين أيضاً في الأغلب، وتكتب لجمهور أميركي في معظمه. المفارقة الساخرة من نفسها هنا، أن تنميطات كامينز تبدو أصيلة تماماً، وصادقة في تطابقها مع رؤيتها للعالم. فـ”التراب الأميركي” في النهاية، مثلها مثل أي عمل أدبي، ليست عن المكسيك أو معاناة مهاجرة مكسيكية، بل عن الطريقة التي ترى بها كاتبة اميركية بيضاء كل هذا، بنوايا حسنة جداً وتنميطات وسطحية كاشفة إلى أبعد حد.
مقالات قد تهمك

شاهدوا واسمعوا ما يقوله شباب “الخندق الغميق” لديما صادق

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق