الهندسة الاجتماعيّة لجسد المرأة* (ج1)

قراءة مشتبكة في كتاب ما وراء الحجاب الجنس كهندسة إجتماعية "لفاطمة المرنيسي".

  تمهيد:

سيبدو للقارئ الّذي يقرأ هذا النّص، أنّ بنيته المفاهيميّة تمتح بالأساس من معجم فوكوFoucault الإبستمي، إذ سيجد على طول امتداده مفاهيم من قبيل: البنيّة Structure، الخطاب Discourse، السّلطة Authority … هذه كلّها مفاهيم وأدوات أسعفتنا في مقاربتنا لموضوعة المرأة وخطابِها. لكن هذا الاستعمال، ليس حرفيا ولا نصوصيا، وإنّما يندرج ضمن عمليّة تأويليّة بامتيازٍ، فَلم نخترْ أدواتِ فوكو الإبستميّة لتحليل مقاربةِ المرنيسي بسبب عبقريّة فوكو ولا باعتبار مفاهيمهِ حلاً لمشكلتنا بالدّرجة الأولى. وإنّما الغرض من ذلك هو تأكيد مدى إسعاف هذه المفاهيمِ في تحليل هذه المقاربة، ومن جهةٍ أخرى في تأكيد سمةِ فكر الاختلافِ الّذي يرسخ راهنيته وحضوره في الخطاب الإنسانيّ. كما يقوم هذا النّص على قراءة متشابكة مع نص المرنيسي، فهو من جهة يقدم مدخلا عاما لتصوّرها في الكتاب، ومن جهةٍ أخري يشتبك ضمنيا مع أفكارها، ويمارس عملياتٍ نقديّة عدّة: التّحليل، الاستنتاج، التّمثيل، التّفكيك… وإذا كانت هذه بنيّة النّص الداخليّة، فإنّ بنيته الخارجيّة تتمحور في ثلاثة محاور أساس: المحور الأوّل يقدّم قراءة متشابكة، والمحور الثّاني، يعقد تصوّراً عاماً عن مَآزم الخطاب النّسوي، أمّا المحور الثّالث والأخير فهو عن رهانات الجسد في ظلّ بينة التّقليد- الاستبداد العربي.

على سبيل البدء؛

ينطلق الخطاب الجنوسي/النّسوي العربي من سياقِ تفكيك الذّهنيّة الاجتماعيّة عن المرأة وتمثّلاها.  وعن الهُويّة Identity الّتي تتمثّل هذا الخطاب، أي أنّ الخطاب الجنوسي العربي يسعى إلى الإجابة عن أسئلة من قبيلِ: كيفَ يتمثل الرّجل المرأة؟ وكيف يتمثّل حضورها؟  وما مساحة الإدراك التّأويليّة المتاحة بين الذّاتين؟

يقوم السّؤال الجنوسي على ممارسة حقّه في التّأويل بدونِ عوارض أو فواصل أو حواجزَ. أي منَ الحقِّ ذاتهِ الّذي يمارسه الآخر (الرّجل) بمسمياتٍ عدّة، هكذا يتحوّل الخطاب ابتداءً من لحظةِ الحقّ في التّأويل، خطاباً على قدرِ التّساوي الثّقافي، وخطاباً تأويلياً لكل الممارسات الدّينيّة، الاجتماعيّة، الثّقافيّة إلخ… بالتّأكيد أنّ هذا المقام يقتضي أوّلاً، وضعَ أسس بيذاتيّة، يصير فيه الحوار اعترافاً بالدرجةِ الأولى، لتلافي غيريّة Alterity متعاليّة، ومن هذا الأسّ ينفتحُ المعنى الأساس الّذي يلجُ منه أي خطاب تأويلي بابه الواسع، أي مجانبةُ التّفسيرِ الّذي يَسْجنُ الذّات في خطابٍ، ما فتئ يستعاد كلّ لحظةٍ وحين، وكأنّه خطاب يتعرّى من زمانيتهِ Temporality ومكانيتهِ الأولى.

إنّ الخطاب النّسوي/الجنوسي اليوم، لم يعد خطابا على الهامش، بل صارت له مقولاته وتصنيفاته وأحكامه، وبالتّالي؛ فإنّ هذهِ الصّيغة تدخله منطق الُمسألة والاشتباك مع مقولاتٍ وتأويلاتٍ تعارضه، بيدَ أنّ هذا الحق في التّأويل الّذي يضطلع به الخطاب النّسوي/ الجنوسي خصوصا في الجغرافيا العربيّة، يكتسي دلالتين أساسيتين:

  • الدّلالة الأولى: أنّ الخطاب النّسوي/الجنوسي لا ينتجُ مفاهيمه الذاتيّة (المنابع والأزمات الاجتماعيّة).
  • الدّلالة الثّانية: الخطاب النّسوي/الجنوسي لم يخرج من الثّنائيات الّتي تأزم خطابه، وبالتّالي فهو في الغالب الأعم ردّة نسويّة على مآلات الذّهنيّة الذّكوريّة.

وإذا كانَت هاتين الدّلالتين أحد مآزق الخطاب النّسوي/الجنوسي في العالم العربي، فإنّ الفكر العربي المعاصر هو بذاتهِ، يساهم في تثبيت هذهِ الوضعيّة، بإقصاء المرأة من اهتماماته الكبرى ومن جملةِ تفكيره، هذه الوضعيّة المكرسة تُخفي وضعاً مأساويا أخراً في طبيعة الفكر العربي الّذي يعلي من قيمة خطابات مثل: العقل، العلمانيّة، الحداثة والتّحديث، دون أن يعي أن شرط تحقيق مثل هاته الخطابات بحقولها المختلفة، إنّما هو بالأساس وليد تصوّر متشابك مع المرأة وخطابها.

1-القراءة المشتبكة:

  • عتبة أولى:

تمثّل فاطمة المرنيسي قياسا إلى جيلها، المرجع الأول والأساس للخطاب النّسوي/الجنوسي في المغرب غداة الاستقلال، وإذا كانَ خطابُها يمتاز بالممارسة السّوسيولوجيّة والتّحليل النّظري، فهي تمارس في كتابها “ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعيّة”، دورا مماثلا، أي النّزوع إلى المزاوجة بين هذين الفعلين، غير أنّ هذه الممارسة على المستوى النّظري، تؤكّد تصوّرا مفاده أنّ الخطاب الجنوسي العربي، لا زال يرزح تحتَ ثنائيّة الذّكورة والأنوثة كما أشرنا آنفاً، وكأنّ الإشكاليّة تكمن في هذه الثّنائيّة، وفي مسألة الجنوسة Gender باعتبارها مأساتنا الأولى، صحيح أنّ العالم العربي يعاني من أزمات عدة من أهمّها بنيّة الاستبداد -التّقليد، الّتي تكرس هذه الأزمة وتزيد في مأساتنا جميعاً.

حينما تنطلق فاطمة المرنيسي في نقد التّراث واستعمالاته وانعكاساته الاجتماعيّة-الثّقافيّة الماضيّة والحاضرة، فإنّها تنسى مسألة مهمّة، وهي أنّ النّص (التّراث) ليس له داخل أو خارج، بقدرِ ما له علاقات تتفاعل في الخلف، وتؤسّس مداخل أو مخارج تخضع لمقتضيات الحال والزّمان والمكان.

تستنفذ كلمة الحجاب أغراضها مباشرة عند نضوب المعنى في دلالات التّغطية والسّتر، في حين أنّ الدلالة السّيميائيّة للكلمة تمارس سحرا أنثروبولوجيا وتاريخيا في التّراث العربي، فللحجاب أكثر من دلالة سيميائيّة لا سيّما أنّه مشير أساس ومكون للعنوان، يتقاطع مع التّشكلات الاجتماعيّة باعتبارها هندسة اجتماعيّة بالدّرجة الأولى. أي باعتبار هذه التّشكلات تتجاسر مع ثقافة الحجب والتّغطيّة والمنع، ومن هذا المنطلق تعمل فاطمة المرنيسي على قراءة مجمل الآي والأحاديث النّبويّة ومجموع تصوّرات الفقهاء والمفسرين في التّراث الإسلامي للحياة الجنسيّة للمرأة في الإسلام وتشكّلاتها. أي الآليات الّتي تَطور بها الخطاب عن المرأة في الإسلام. فحينما تعقد مقارنة (المرنيسي) بين الغزالي وفرويد، عن الحياة الجنسيّة، فإنّ الاستنتاج بعد سلسلة من العرض يأتي في هيئة انتصار ضمني لتصوّر الغزالي، الّذي يجعل من الحياة الجنسيّة للمرأة والرّجل، على قدرِ المساواة وبعيدة عن كل الحجب الثّقافيّة، الّتي تعلي من شأن الرّجل في هذه العمليّة، تقول المرنيسي عن الغزالي: ” يوصي الإمام الغزالي باللّذة الممهدة للاتّصال الجنسي معترفا بأنها لصالح المرأة أساسا، وأنّ من واجب المؤمن اشباعُها”[1].

هذا الاستنتاج يصل الحياة الجنسيّة للمرأة والرّجل بالمجتمع، باعتبار المرأة في الإسلام –حسب الغزالي- هي من تضمن صحة المجتمع وعدم انحرافه، أي أنّ المحافظة على الحياة الجنسيّة للمرأة واشباع رغباتها وحمايتها (حجابها)، يُجنب وقوع المجتمع في الرّذائل والانحرافات[2]. هكذا تستنج المرنيسي من خلال مقارنتها بفرويد، الذّي يظل فهمه للحياة الجنسيّة للمرأة قاصرا ومقتصرا على الاختزال الجنسي للمرأة ككائن منفعل في الممارسة الجنسيّة، وهذا بالتّأكيد كما تستنج المرنيسي أنّ المرأة تُعطى هنا بعداً بيولوجيا يتجسد في كون الرّجل فاعلاً (قوي) والمرأة (مفعول بها) مقهورة/ ضعيفة في الممارسة الجنسيّة، إذ يتم تعبئة مجموعة من الآليات لضبط هذه الممارسة، وهذه الصّورة لا تشمل التّراث فقط وما يتصل به من آثر ومرويات بل حتّى بالثّقافة الشّعبيّة، إذ تظل المرأة دائما تحتَ طائلة الضّبط والاستثمار.

وبالموازاة مع هذه الرّؤية يتناسل تصوّر آخر صادر، عن بنيّة التّراث حاملة لمضامين من قبيل: “المرأة شيطان”، “المرأة فتنة،” الّتي تكرّس ممارسةً تراتبيّة في المجتمع إذ تظلّ المرأة قياسا إلى الرّجل، في مرتبة ثانيّة وفي الظلّ، أي في منطقة الحجاب The viel، هذا المعنى أيضا توصلت إليه المرنيسي حين اعترفت بأنّ الغزالي رسخ هذه اللّحظة في وعي المسلمين[3]، ولربّما يحفل المخيال العربي الإسلامي بهذه الصّور، إذ نجد ألفة يوسف تؤكّد على هذه الصّورة قائلة: ” إنّ سلوك الفقهاء الدّيني ذكوري يحتفي بالرّمز ويؤكّد خضوع البشر لسلطانه، وإنّ متعة الفقهاء قضيبيّة تقوم على لمّ شملِ الأمّة ضمنَ رؤيّة واحدة هي جوهر المجموعة وعمادها”[4]. يكتفي هذا التّصور الأحادي بممارسة الضّبط على المرأة، خصوصا توجسه من جسدها، الذّي يجب أن يبقى في منطقة الحجاب.

إنّها رَقابة على الحياة الجنسيّة للمرأة كما تؤكّد ذلك المرنيسي قائلة: “لقد هدفت البنيّة الأسرويّة في الإسلام الجديدة الّتي شكّلت ثورة على تقاليد الجزيرة العربيّة ما قبل الإسلام، إلى إقامة بنيّة أسرويّة ترتكز على سيادة الرّجل وانفراده بالمبادرة فيما يخص الزّواج والطّلاق. فالتّعدد والطّلاق وتحريم ارتكاب الزّنى وضمانات الأبوة، كلّها مؤسّسات ساهمت في تسهيل الانتقال من البنيّة القديمة الّتي كانت ترتكز فيها الأسرة على نوع من حقّ المرأة في تقرير مصيرها، إلى البنيّة الجديدة التّي ترتكز فيها الأسرة على مبدأ سيادة الرّجل”[5]. كم يلخص هذا الشّاهد طبيعة البنيّة والخطاب الّذي يمارس على المرأة باسم ثقافة الحقوق، إذ لا يجري الأمر على هذه الصّيغة إلاّ إذا كانت ثقافة ما تخشى المرأة، أي بإدخالها منطقة الحجاب.

تؤكّد المرنيسي أنّ الممارسات الجنسيّة تجاه المرأة في العصر الجاهلي، كانت تعطيها الحقّ في التّملك وفي الرّفض والقبول، وهو ما يؤكّده جملة المؤرخين المتقدمين، بيدَ أنّ هذه الصّورة تتغيّر بتغير الزّمان، إذ عمل المؤرّخون المحدثون[6] على تجسيد صورةَ المرأة التّابعة وراء الحجاب والظّل، رغم المكانة الّتي أفردها الإسلام للمرأة، إذ بنى على مجموعة من القيم الّتي كانت قبل مجيئهِ، وتعتبر أنّ الممارسة الجنسانيّة في الإسلام ذكوريّة[7] بامتياز، ساهمت في نضوجها ورسوخها مجموعة من العوامل الثّقافيّة والاجتماعيّة المتظافرة مع بنيّة الإسلام الداخليّة (أسس الإسلام)، برغم هذا التّحليل الذّي ينسجم مع أغراض المرنيسي في الكشفِ عن تشكيل البنيّة الجنسانيّة في الإسلام وتأثيراتها المباشرة والغير المباشرة على التّصورات المعيشة في عالمنا اليوم، تبدو –في تقديري- غير منسجمة لا من جهة فهم النّصوص المستشهدة بها والمبتورة من مجموعة من السّياقات، في محاولة اغفال تفاعلات النّص وَفق سيرورة مركبة، ومن جهة أخرى في طبيعة الرّبط بين زمنين منفصلين من جهتي الزّمان والمكان، رغم البقاء التّاريخي للنّصوص، وفي تقديري أنّ النّص كنصّ لا تظهر تأثيراته وتفاعلاته إلاّ بالقدر الذّي تتواصل فيه امتداداته البنيويّة، من هذا الاعتبار لا يمكن أن نسقط اعتبارات الماضي على الحاضر، رغم وجود مشيرات ودلالات ذلك، إلاّ أنّها رواسب، سرعان ما ينفصل عنها المجتمع بالقوّة والفعل. لأنّ النّص هو النّص ما دمنا لم نمنح له هبة ما.

  • عتبة ثانية:

المنحى السّوسيولوجي في النّص يأخذ أيضا بعدا آخراً، خلال استحضار المعطيات الّتي تبرز بصفة جليّة حركيّة الممارسة الجنسانيّة في المجتمع المغربي الحديث، وكما أشرنا من قبل، فإنّ معطيات المرنيسي تتجاوب مع تغيرات المجتمع المغربي، فطبيعة أي انتظام اجتماعي؛ الحركة والسّيرورة، بيد أنّ المثير في هذه المعطيات أنّ هذه الحركيّة تخضع للرّقابة والضّبط والتّحكم خصوصا في الحياة الجنسيّة للمرأة، ما يجعل الممارسات الجنسيّة في المجتمع دائما في منطقة الحجاب، وهنا يتحوّل أي سلوك متصل بالمرأة مع الرّجل والرّجل مع المرأة في منطقة معزولة وهامشيّة، تتقمّص بالأساس دورا مركبا ما بين الصّراع والهيمنة المعلنة أو المخفيّة بينهما.

كلّ الأشكال والممارسات الاجتماعيّة، للحياة الجنسيّة في المجتمع المغربي، تخضع لمنطق الحجاب، سواء في الحضر أو البدو، وهذه صورة مشتركة بين المنطقتين، الاختلاف حادث في الدّرجة والمستوى لا في النّوع، من هنا تأكيد المرنيسي أنّ هذه التّشكلات الّتي يعيشها المجتمع، هي سليلة بنيّة تراثيّة، وهذا هو المنطق الحاكم في الحجاب، الّذي يعمل على الفصل، والتّقسيم، والتّمييز، والتّحديد، بين الجنسين، إذ يعملُ على “التّمييز الجنسي، إحدى القواعد التّقليديّة الّتي ينطبق عليها ما ذكرناه. ويترتّب عن الفصل بين الجنسين المنع المطلق لكلّ لقاء بين الرّجال والنّساء الذّين لا تربط بينهم قرابة أو زواج، وتقسيم مجموعة المكان الاجتماعي إلى قسمين: الأمكنة الخاصّة بالرّجال ومن جهة المكان الخاصّ بالنّساء من جهة أخرى وهو المنزل” [8]. هذه الهندسة الاجتماعيّة المعتمدة بنيويا في المجتمع المغربي، تعتمد نظاما نسقيا محدّدا بدءا بعلاقة الزّوج والزّوجة، باعتبار علاقاتهما محددة سلفا، أي مرتهنة إلى بنيّة التّقليد الّتي تمارس سلطتها في الخلف، وتحدّد الأدوار والعلاقات، والحقوق والواجبات، لكلا الجنسين اللّذين يعيشان في سرديّة وثنائيّة محضة، وهذا ما يجعل من الآسرة عبارة عن مجال لإعادة بنيّة السّلطة والتّسلط، لأنّ البنيّة[9] توجههما وتشرطهما، خصوصا الابن الّذي يرتهن في علاقته بزوجته، إلى نظام راسخ ماديا ومعنوياً، فالأم هي سلسلة من البنى الّتي يتمّ إعادة إنتاجها في كلّ المراحل، لذا لا مناص من تغيير البنيّة، إذا ما كانت علاقات القوى وعلاقات الإنتاج ترسخ طبيعة هذه العلاقة، ويكون الأمر عسيرا أيضا، إذا أدخلنا في الاعتبار طبيعة البنيّة ثقافيا وسياسيا، إذ تعمل هذه البنى على مأسسة السّلطة في أجزاء دقيقة من بنيّة المجتمع، فالسّلطة هنا غير محصورة في بنيّة سياسيّة مؤسّسة على قواعد ونظم، كما لاحظ فوكو من قبل، بل هي مجموع الآثر الّذي يتوزّع في كافّة أنسجة المجتمع[10]، وعليه؛ فإنّ بنيّة الآسرة في المجتمع المغربي، هي بنيّة سلطويّة بالأساس، تخشى من عامل ينازعها هيمنتها.

إنّ بنيّة التّقليد تفرض شروطا، لا يجب تجاوزها لأنها بالتّنشئة تنتمي إلى معجم المحرم والمحظور، لهذا تتأسّس علاقتنا الدّائمة على التّراتبيّة[11]، لأنّها من صميم البنيّة التّقليديّة، أي أنها في منطقة الحجاب الّتي تفسر طبيعة توزّع المكان كتعبير عن صدور السّلطة، وهنا تبرز العلاقة بين السّلطة والهندسة الجنسيّة في المجتمع، فالمكان هو مجال ضمني للتراتبيّة الاجتماعيّة، ولطبيعة الممارسة الّتي تؤطّر الجنسين، فكلّما حضرت المرأة، إلاّ واحتدم الصّراع بينها وبين الرّجل على المستوى المادي أو الرّمزي، فمن جهة باتت المرأة تسعى إلى اقتحام حجاب الرّجل، وبالتّالي؛ فإنّها تنافسه على مكانه الأصلي نتيجة عمليّة التّحديث في المجتمع، ومن جهة أخرى فإنّ جسد المرأة على المستوى الرّمزي يشكل قلقا وحرجا للرّجل، بل حتّى للمرأة في وضعيتها الإغرائيّة وقد أكدّ هذه الممارسة بحقّ مصطفى حجازي قائلا: ” قانون المجتمع في أشد وجوهه قمعا، منقوش منذ الطّفولة على جسد المرأة، في حركيّة هذا الجسد، وتعبيراته، ورغباته. جسد المرأة المختزل إلى بعده الجنسي، هو عورة يجب أن تستر وتصان وتحمى. وهو قبل ذلك ملكيّة الأسرة ومن ورائها المجتمع، أسرة الأب في البداية، ثمّ أسرة الزّوج فيما بعد. ليس للمرأة سلطة على جسدها”[12].  تترسخ هذه النّظرة والممارسة للمرأة باعتبارها شأنا طبيعيا، ينقل مباشرة إلى مجال الحجاب الّذي يعدّ بحقّ المكان الحقيق بالمرأة، ولعل بنيّة الاستبداد والتّوزيع السّلطوي للمكان[13]، هو من يساهم في التّحديد الّذي يترسّخ عبر الزّمان.

ج- عتبة ثالثة:

عملت المرنيسي في الفصل الأخير، على تفكيك البنيّة التّقليديّة الّتي يحظى بها كلّ من الرّجل والمرأة، إبّان الاستعمار وما بعده، وفي تقديري أنّها وضعت يدها على الجرح، فمشكلة المرأة الأولى، ليست في علاقتها بالرّجل، بقدر ماهي مشكلة مع البنيات التّقليديّة-الاستبداديّة، الّتي تؤخّر وضعها كامرأة وتضعها في حيز الحجاب The viel.

إنّ البنيّة التّقليديّة- الاستبداديّة لا تضع المرأة في الاعتبار إلاّ باعتبار وجودها مرهون بالتّبعيّة للرّجل، فالمساهمة الاقتصاديّة للمرأة لا يعتبر حقّا من حقوقها الأساس[14]، لذا فالبنيّة التّقليديّة تدعم حضورها فقط، كمكون اجتماعي يضمن الأمن والأمان الجنسي في المجتمع، واذا ما انزاحت المرأة عن مجالها، لتظهر في أماكن نشطة وعمليّة، فإنّ المخيال التّقليدي يمارس دوره على الرّجل والمرأة معا، فالمرأة في هذا المستوى معرّضة لضروب المضايقة بل والعدوانيّة الفرديّة أو الجمعيّة، والرّجل الّذي ترك حريمه للظّهور، سرعان ما ينساق لمفهوم الشّرف والطّهارة[15]، إذ يؤسّس هذان المفهومان الهندسة الجنسيّة برمتها، بل إنّ حيز الحجاب كمنطقة اجتماعيّة للمرأة يجعلان من الشّرف والطّهارة، أساس النّجاح العائلي، ولربّما الوجودي في أحايين كثيرة.

    إنّ الهندسة الاجتماعيّة للجنس، ساهمت بشكل كبير في ترسيخ بنيّة الاستبداد، وحولت الفروقات الجنسيّة بين الرّجل والمرأة إلى صراع، وحوّلت هذا الصّراع إلى تنافس ظاهره الحقوق والواجبات، وباطنه استمرار بنيّة التّقليد- الاستبداد، ومجال كبير لإعادة إنتاج نفس الممارسات ولو باسم الحداثة والتّحديث، فالخلاصة الّتي يمكن أن نصل إليها: بالرّغم من الانخراط الاجتماعي، السّياسي، الثّقافي في حياة التّحديث بكلّ مظاهرها، إلاّ أنّ هذه البنى، مازالتّ تمارس دورها التّقليدي الرّاسخ، وهو ما يعيد ممارسات البنيّة العائليّة في المغرب، ولو تغيرت أو تطورت بعض أشكالها إلاّ أنّ البنيّة راسخة وحاضرة باستمرار.

*******

[1] فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعيّة، تر: فاطمة الزهراء أزرويل، لبنان-بيروت، المركز الثّقافي العربي، الطبعة الرّابعة 2005)، 28. استعملنا هذه التّرجمة لتنويه الرّاحلة بها، ولعدم عثورنا على النّص الأصلي.

[2] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 29.

[3] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 36.

[4] ألفة يوسف، ناقصات عقل ودين فصول في حديث الرّسول (مقاربة تحليليّة نفسيّة)، (تونس، دار سحر للنشر والتّوزيع الطبعة الثّالثة)، 10.

[5] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 54.

[6] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 57.

[7] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 74.

[8] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه 93.

[9] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 144.

[10]  جوديث غيفيل، معجم فوكو، باريس، منشورات اليبسيس 2008)، 107- 108. حسب الباحثة المتخصصة في الدارسات الفوكويّة جوديث غيفيل Judith Revel، في كتابها معجم فوكو Dictionnaire Foucault، فإنّ فوكو يعتبر أنّ السّلطة ليست ذلك التّنظيم المنسجم والظاهـر أو حتى المادي والملموس والمعروف بتنظيمه، بل السّلطة منتشرة ودقيقة وغير منضبطة لنسق ما.

[11] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 149- 150. “إن الرّمزيّة الجنسيّة انعكاس وتعبير عن العلاقات التّراتبيّة التّي تبنين النّظام الإسلامي، حيث إنّ تقسيم المكان الاجتماعي إلى مكان منزلي ومكان عام تعبير عن علاقة سلطويّة وتراتبيّة. فالهندسة الاجتماعيّة في بلادنا العربيّة تقسم العالم إلى عالمين فرعيين: عالم الرّجال، الأمة الذّي يرادف الدّين والسّلطة، وعالم النّساء الذّي يمثل مجال الحياة الجنسيّة والأسريّة.

[12] مصطفى حجازي، التّخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجيّة الانسان المقهور، (بيروت- المركز الثّقافي العربي، الطبعة العاشرة 2011) 214.

[13] فاطمة المرنيسي، مرجع سابق،169.

[14] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 182.

[15] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه، 184.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This