تساؤلات فلسفيّة في الكونيات (ج2)

بانطلاقنا من فرضيّة العوالم أو الأكوان المتعدّدة، سيكون كوننا الّذي نعيش فيه ليس سوى نسخة من النّسخ الاحتماليّة اللاّمتناهيّة للعوالم الّتي في معظمها لا توجد مواصفات تؤهّلها لاحتواء حياة، وعندها يصبح سؤال: لماذا هذا العالم؟ لا معنى له، لأنّ كلّ العوالم الأخرى الممكنة هي بالفعل موجودة. لقد جاءت نظريّة أفريت في تعدّد الأكوان كحل نظري رياضي للألغاز النّاتجة عن النظريّة الكموميّة لاسيّما مبدأ عدم التّعيين عند هايزنبرغ وما بات يسمى بالتّراكب الكمومي للجسيمات الّذي ينهار بمجرّد رصدنا له بانهيار دالته الموجيّة، فالجسيم يكون وفقاً لذلك في كلّ الحالات الممكنة حتّى يتمّ رصده، فاقترح أفريت أن ما يحدث عند الرّصد ليس انهياراً للاحتمالات أو التراكبات الكموميّة، بل إنّ كلّ تلك الاحتمالات تحدث بالفعل، ولكن في أكوان أخرى موازيّة متفرعة عن كوننا وهي موازيّة لعدد احتمالات ظهور الحالة المرصودة.[1] وبالتّالي وضع تصوّراً نظرياً لحلّ المفارقة الشّهيرة لقطة شرودنغر، فوفق أفريت العالم ينقسم إلى كونين: يكون في أحدهما القد ميّت، وفي الآخر حيّ. اقتراح خصب رغم أنّه يؤدي لتساؤلات كبيرة منها أن عدم قدرتنا على الاتّصال بتلك الأكوان ألا يعني عدم وجودها أصلاً؟ ومتى تكوّنت هذه الأكوان بالضّبط وكيف يمكنها أن تتكوّن بهذه السّرعة؟ وأي منها الكون الأصلي، والكون التّابع؟….  ما دفع للكثير من العلماء رفض هذه النظريّة قبل أن تعيد إحيائها من جديد نظريّة الأوتار الفائقة الّتي أثارت بدورها تساؤلات فلسفيّة لا تقلّ إشكاليّة عن نظريّة الأكوان المتعدّدة. وقد تمخض عن النسبيّة الخاصّة واحدة من أصعب المشكلات الفلسفيّة الّتي طرحها العلم عن الوضع الأنطولوجي للكون، مفادها هل الكون ثلاثي أم رباعي الأبعاد؟ في الواقع إنّ التضمينات لكون رباعي الأبعاد تكون عميقة جدّاً بالنسبة إلى عدد من القضايا الجوهريّة مثل الصّيرورة الزمانيّة، انسياب الزّمن، الإرادة الحرّة، وحتّى الوعي. ففي كون زمكاني رباعي الأبعاد (يسمّى عادة بالكون الكتلي) تُعطى التّواريخ الزمنيّة الكاملة لجميع الأجسام الفيزيائيّة ككيانات مكتملة رباعيّة الأبعاد (أنابيب كونيّة للجسم) لأنّ جميع لحظات الزّمن لا تبدأ في التحقق واحدة تلو الأخرى لتصبح اللّحظة “الآن” ولكنّها تشكّل البعد الرّابع للكون، وبالتّالي تُعطى جميعها دفعة واحدة، حيث يقول الفلكي الانكليزي الشّهير إدينغتون:” في مخطّط محدّد تماماً يُنظر إلى الماضي والمستقبل على أنّهما قابعان في خريطة وضعت لهما، يتاح الكثير لاستكشاف الحاضر بقدر الأجزاء البعيدة في الفضاء، الأحداث لا تقع، إنّها ببساطة تكون هناك، ونحن نمر عليها”. وبالتّالي إذا ما فُهمت الصّيرورة الزمانيّة وانسياب الزّمن بالطّريقة التّقليديّة، كربطها بأجسام ثلاثيّة الأبعاد وكون ثلاثي الأبعاد يصمد خلال الزّمن، فلن يكون هناك صيرورة، ولا انسياب زمن، ولا إرادة حرّة، بل العالم سيتحوّل إلى جملة من الأحداث الزمكانيّة رباعيّة الأبعاد. إنّ تضمينات النسبيّة هذه هي الّتي طرحت ما قد يكون أكبر تحد فكري واجهه الجنس البشريّ في أي وقت مضى.[2] فهي نظريّة انطلقت من أساس مخالف لكلّ ما تعوّد عليه الحسّ العامّ خلال مسيره التّكيفي التّطوري على كوكب الأرض، فقد تكيّفت أدمغتنا على تصوّر محدّد نسبي أرضي قائم على هندسة إقليديّة في أبعاد ثلاثة، لكنّ هندسة النسبيّة لاإقليديّة وكون مينكوفسكي فيها هو رباعي الأبعاد ما يتمخض عنه من نتائج منها: أوّلاً: يكون تعريف التّزامن بالضّرورة اصطلاحياً، وهو ما يفسّر المعنى العميق للحركة المُفرغة، ذلك أنّه لتحديد ما إذا كان الحدثان متزامنين نحتاج إلى معرفة سرعة الضّوء في اتّجاه واحد بينهما، ولكن لتحديد سرعة الضّوء في اتجّاه واحد بينهما ينبغي أن يكون الحدثين متزامنين!. وثانياً: لا توجد صيرورة موضوعيّة ولا انسياب زمني موضوعي. وثالثاً: لا توجد إرادة حرّة بمفهومها العام: ذلك أنّ مفهوم انسياب الزّمن يحمل معنيين مختلفين تماماً في الكونين ثلاثي الأبعاد ورباعي الأبعاد. في كون ثلاثي الأبعاد، يكون لدينا انسياب الزّمن الموضوعيّ العادي والعالمي، حيث تنقسم الأحداث بموضوعيّة إلى ماضي وحاضر (الآن) ومستقبل، لكن في كون مينكوفسكي رباعي الأبعد، فإنّ جميع الأحداث متساوية الوجود وبالتّالي لا تكون منقسمة موضوعياً إلى ماضي وحاضر ومستقبل.فلا وجود لآنيّة عالميّة في الزمكان، الوجود لا ينساب هنا موضوعياً وبالتّالي لا وجود لآنيّة محليّة. فإذا كان الزّمن الموضوعي في عالم ثلاثي الأبعاد تكون فيه لحظة حاضرة متميّزة، يكون الأمر في الزمكان رباعي الأبعاد مختلف، إذ تكون جميع أحداث الأنبوب الكوني لجسيم متساوية الوجود، وبالتّالي لا وجود لحدث متميّز يدّعى “الآن” للجسيم. [3] الحدث الكوني إذا يكون متمحور زمكانيا بشكل كامل في الكون الزمكاني وبالتّالي لا انسياب لزمن موضوعي ينتقل من حالة لأخرى، إنّ كون مينكوفسكي يجعل من الإرادة الحرّة مسألة مستحيلة لأنّ كلّ شيء موجود بشكل كلي دون خيارات تحدّد الانسياق الزّماني والصّيرورة، أمّا وعيي في عالم الثّلاثي الأبعاد فهو لا يدرك إلاّ لحظة الآن دون أن يستطيع إدراك ووعي الكيان الكامل لوجودي في الاستطالة الكونيّة في الزمكان رباعي الأبعاد. وهنا مكمن المفارقة الرّائعة. ورابعاً: هناك حاجة لمفهوم الوعي، على أنّه كيان يجعلنا على درايّة بأنفسنا وبالكون فقط عند لحظة “الآن” من زمننا الحقيقي. للتّوفيق بين النّتيجة الرئيسيّة النّاتجة عن النسبيّة الخاصّة الّتي تقضي بأنّ الواقع الخارجي هو كون رباعي الأبعاد أبدي الوجود، وبين الحقيقة المأخوذة من خبرتنا بأنّ إدراكنا لأنفسنا وللكون يكون فقط عند اللّحظة الحاضرة. وإحدى الطّرق لتجنب مواجهة هكذا تحدّي هي أن نتّفق مع الرّأي القائل بأنّنا يجب أن نقبل بالنظريّة النسبيّة، ولكن ينبغي ألاّ نصدر آراء ميتافيزيقيّة بشأن طبيعة الزمكان. لكنّ مثل هذا الرأي يتجاهل تماماً حقيقة أنّ تحليل التّأكيد التّجريبي لنتائج النسبيّة الخاصّة يبين بوضوح أنّ التّحدي موجود.[4]والواقع أنّ تصوّر النسبيّة عن كون لا يبالي بالإرادة الحرّة هو أمر إشكالي بقدر ما هو معقول. بل لعلّ إشكاليته تكمن في مدى معقوليته، فكيف مثلاً يمكن للمرء القول بأنّ للكائن إرادة حرّة؟ وإذا صادف المرء كائناً فضائياً، كيف يمكنه القول فيما إذا كان مجرّد إنسان آلي أم أن لديه عقلاً خاصاً به؟ إنّ سلوك الإنسان الآلي سيكون حتمياً تماماً، بخلاف الكائن ذي الإرادة الحرّة، هكذا يمكن من حيث المبدأ أن يكتشف الإنسان الآلي أنّه الكائن الّذي يمكن التّنبؤ بكلّ أفعاله، ولكن هذا صعب للغاية، فنحن لا نستطيع حتّى أن نحلّ بالضّبط معادلات ثلاثة جسيمات أو أكثر تتفاعل فيما بينها، ولأنّ كائناً فضائياً في حجم الإنسان سيحتوي على حوالي ألف تريليون تريليون جسيم، فحتّى لو كان هذا الكائن إنساناً آلياً، فسيكون من المستحيل حلّ المعادلات والتّنبؤ بما سيفعله، ولهذا سيكون علينا أن نقول أن أي كائن معقّد لديه إرادة حرّة، وذلك ببساطة لعدم قدرتنا على إجراء العمليات الحسابيّة الّتي تمكننا من التّنبؤ بأفعال هذا الكائن.[5]

وفي كتابه حول النسبيّة الخاصّة والعامّة الّذي صدر سنة 1916، وضع أينشتاين فكرته الجريئة (الكون متناه لكنه غير محدود) ليقلب بذلك تصوّراتنا عن الهندسة الإقليديّة المستوية اللاّمتناهيّة إلى هندسة منحنيّة، وبتلك الفكرة أراد أن يكون العالم أكثر معقوليّة، فهو كون متناه (مثل سطح كرة) لكنّه لا يعرف حدوداً (مثل سطح كرة أيضاً) ولنا أن نعرف تأثير هكذا فكرة في حلّ ما كان يعتبره البشر لغزا مقلقا. فهم يخافون من الاصطدام بمكان ما بحدود معينه لا يمكن تخطيها، مكان يحبسوا فيه أمام عالم علوي مقدّس لا يمكن بلوغه، كما يخشون أيضاً من فراغ ممتدّ لانهائي لا معنى له، لقد طرد أينشتاين هذين الخوفين (لا حدود للكون المتناهي).[6] وهكذا تصوّر عن زمكان متناهي لكنّه غير محدود “كتصوّر دائرة باعتبارها خطّ منحني يصل بعضه البعض ليشكل فراغاً محدوداً لكن دون أن يكون له حدود أو حافة” يكون السّؤال “أين نحن” بلا معنى طالما لم يكن هناك حد خارجي للزمكان؟ فالفضاء ذاته ليس له معالم، وحتّى في المناطق الأكثر بعداً تكون الّسمة العامّة للكون تشبه المنطقة المجريّة المجاور، وعلى هذا المقياس لا يكون لمفهوم ” الأين ” معنى واضح، لأنّنا نستطيع تحديد موقعنا بالنسبة إلى بعض الأشياء المجاورة، كالشّمس أو مركز المجرّة، لكنّه خلال الكون ككلّ لا يوجد مكان مفضل يمكن تحديد مواقع الأشياء من خلاله، والموقف هنا يكون أشبه بالوقوف على رقعة دائريّة مخططة بالمربعات، يمكنك أن تعطي معنى لمدى بعدك عن أقرب ركن لك في المربع، غير أنّ وضعك العامّ على الرّقعة يعدّ تصوّراً بلا معنى.[7] وحقيقة أنّ الزّمن ليس ثابتاً أو كونياً، لكنّه مرن وقابل للانحناء، تهدم العديد من المعتقدات البديهيّة، فإذا استطاع زمني أن يسبق زمنك بسبب حركاتنا المختلفة أو أوضاع الجاذبيّة، فلا يعود هناك ثمّة معنى للتّحدث عن “الآن”، فالسّؤال عمّا يكون عليه الزمن على نجم نيوتروني هو بلا معنى، فالزّمن نسبي تماماً، فمن وجهة نظر مرجعيتنا، يجري الزّمن بمعدّل منتظم، فمهما تحركّنا أو تغيّرت معايشتنا للجاذبيّة سوف يبدو الزّمن طبيعياً بالنّسبة لنا، بيد أنّ التّأثيرات الغريبة تظهر عندما نقارن الأزمنة بين نظامين مختلفين، عندها سنجد أنّ كلّ إطار إسناد له مقياسه الزّمني الخاصّ به، الزّمن ليس مطلق إذاً بل يختلف بين مرجعيّة وأخرى.[8]

يقول عالم الفلك الأميركي روبرت كيرشنر في كتابه ” من كون منظم إلى كون غريب الأطوار :يا له من كون باذخ غريب الأطوار، بغية أخذ كلّ الأدلّة بالاعتبار يلزمنا كون ذو مادّة معتادة ويلزمنا فوق ذلك مادّة مظلمة بثلاث طرق مختلفة على الأقلّ، ويلزمنا قدراً من الطّاقة السّالبة المظلمة الّتي دفع ضغتها السّلبي الطّور المبكر من تضخم الكون إلى الأمام، ويلزمنا طاقة مظلمة أطول عمراً بكثير مسؤولة عن التّوسع الكوني المرصود حالياً، ولعلّه من الحماقة من حيث المبدأ الاعتقاد بهذا الخليط الباروكي من قبل العقل السّليم، بيد أنّ القياسات ودلالتها الواضحة ترغمنا على ذلك. والحقائق مجتمعة ترغمنا على الاعتقاد أنّ الطّاقة المظلمة هي السّائدة في الكون. طاقة لا نعرف عنها شيء تحوّلت من فكرة جنونيّة إلى عنصر أساسي في النّظرة الحاليّة للكون “. وبالّتالي تحوّلت افتراض أينشتاين الّذي ندم عليه إلى قاعدة أساسيّة ليس لتوسّع الكون وحسب، ولكن لتمدّده المتسارع باطّراد، لكن يبقى السّؤال الإشكالي ما طبيعة هذه الطّاقة المظلمة (طاقة الفراغ)؟. في الواقع كلّما ازدادت معلومات الفيزيائيين عن الكون، كلّما قل فهمهم وصعبت مهمّتهم في جمع وتركيب كلّ التّفاصيل في بناء واحد متماسك.[9]

ومع ذلك، هناك بعض الفيزيائيين غير مقتنعين في وجود ما يسمّى بجاذبيّة المادّة الكونيّة (والطّاقة الكونيّة) المظلمة الّتي تشكّل نحو 85 بالمائة من كتلة الكون الّتي لم نعرف شيئاً عنها حتّى الآن، وهو موقف مشابه لموقف بعض الفيزيائيين من فكرة وجود الكوارك كأساس تكوين بنيّة المادة، ذلك أنّ فكرة إرجاع الواقع المادي كلّه إلى جسيم الكوارك، وهو بالأصل غير قابل للملاحظة (لا يمكن عزله) كان أمراً صعباً على العديد من الفيزيائيين، إلاّ أنّه وعلى مدار السّنين، كلّما أدّى نموذج الكوارك لتنبؤات صحيحة أكثر وأكثر خفتت تلك المعارضة. وبنفس المنحى، نجد لو أردنا الانتصار لهؤلاء القلّة بموقفهم من وجود المادة المظلمة فيتوجّب علينا ببساطة أن نعدّل قوانين نيوتن. وقد يأتي ذلك اليوم كما حدث سنة 1916 عندما أجرى أينشتاين إعادة تشكيل الجاذبيّة لتناسب الأجسام ذات الكتلة الهائلة. وكان أينشتاين قد أظهر لنا أنّ الزّمن ليس سوى وهم، ويوضّح بعده تيبول دامور أنّه يجب أن نتخلّى أيضاً عن الوهم – الأكثر رسوخاً – لواقع وحيد، فالكون عبارة عن تراكب أحداث تاريخيّة مختلفة من تشكّل كلّ المادّة، إنّه تعدّد أكوان. إنّ الافتراض العادي في علم الكون هو أنّ الكون له تاريخ محدّد، ويستطيع المرء أن يستخدم قوانين الفيزياء لحساب طريقة تطوّر هذا التّاريخ بمرور الوقت، وهو ما يسمّى بالمقاربة الكونيّة “من أسفل لأعلى”، لكن يجب أن نأخذ في اعتبارنا الطّبيعة الكموميّة للكون كما تعبّر عنها محصلة فاينمان في أنّ الكون يحمل كمومياً كلّ التّواريخ الممكنة، ولهذا فإنّ مقدار احتمال أنّ الكون هو حالة خاصّة الآن، يتمّ الوصول إليه بإضافة الإسهامات من كلّ التّواريخ الّتي تفي بشروط اللاّحديّة، وتنتهي إلى الحالة محلّ البحث. بمعنى آخر، لا يجب على المرء في علم الكون أن يتتبّع تاريخ الكون من أسفل لأعلى، لأنّ هذا يفترض أنّ للكون تاريخاً واحداً له نقطة بداية محدّدة، بل يجب أن يتتبّع التّواريخ من أعلى لأسفل أي بالعودة من الزّمن الحاضر إلى الوراء، ستكون بعض التّواريخ محتملة أكثر من الأخرى، وسيسيطر على المحصّلة بشكل طبيعي تاريخ واحد، هو الّذي يبدأ بخلق الكون، ويبلغ أوجه في الحالة قيد البحث، لكن سيكون هناك تواريخ مختلفة لحالات الكون المحتملة المختلفة في الوقت الحاضر، وهذا يقودنا إلى رؤية مختلفة تماماً لعلم الكون، والعلاقة بين السّبب والنّتيجة، فالتّواريخ الّتي تسهم في محصّلة فاينمان ليس لها وجود مستقل، لكنّها تعتمد على ما يتمّ قياسه، ونحن نخلق التّاريخ من خلال ملاحظتنا، بدلاً من أن يكون التّاريخ هو الّذي يخلقنا.[10]

وبالمقابل، فإنّ البحث عمّا يسمّى ” نظريّة كلّ شيء ” في الكون تستدعي ضمنا أن يتحوّل الكون إلى مجموعة من البراهين العقليّة المنطقيّة الاستنتاجيّة الّتي يمكن من خلالها تفسير كلّ شيء، وهو الأمر الّذي دعا إليه أفلاطون وديكارت. لكن فكرة المنطقيّة الرياضيّة قد تستدعي مشكلاتها. فمن المعروف أنّه لا بدّ من تأسيس الرّياضيات على مجموعة من البديهيات ولو أنّه من الممكن استنباط نظريات الرّياضة بدون نظام البديهيات، فإنّ البديهيات نفسها لا يمكنها ذلك إذ لا بدّ أن نقوّمها ونحكم عليها من خارج النّظام، والمرء في ذلك يستطيع تخيل نظماً عديدة ومختلفة للبديهيات الّتي تقود بدورها إلى طرق منطقيّة مختلفة. وهذا يقودنا إلى مشكلة نظريّة ” جودل ” الّتي وفقاً لها يصبح ممكناً بصفة عامّة أن نبرهن على تماسك البديهيات من خلال نظام البديهيات نفسه، وإذا كان ممكناً إظهار التّماسك فإنّ نظام البديهيات لن يكون مكتملاً، بمعنى أنّه من الممكن وجود عبارات رياضيّة حقيقيّة لا يمكن إثبات صحتها من خلال هذا النّظام. إنّ نظريّة لكلّ شيء يتوجّب عليها ليس فقط شرح كيفيّة مجيء كوننا للوجود، ولكن لماذا هو نموذج للأكوان الّتي يمكن أن توجد؟ ولماذا هناك مجموعة واحدة من القوانين الفيزيقيّة. وهذا هدف يبدو في الواقع خادع ووهمي ينعكس في مدى تمثيل نماذج الرياضيات لكوننا. وبما أنّ المخلوقات تنتمي لهذا العالم الفيزيقي أي متضمّنة فيه، فإنّنا لن نكون قادرين على الحكم على اختيارات البديهيات في هذا النّموذج، ولا قوانين الفيزيقا المتعلّقة والمتواصلة مع البديهيات.[11]ومع ذلك فإنّ كلمة فوضى، أو شواش، الّتي طغت على الحديث العلمي لا سيّما من وسائل الإعلام، بتأثير مباشر من الفيزياء، لا تصف في الواقع أيّة بلبلة أو اختلاط أو شكيّة لا أدريّة، وإنّما تشير إلى أّن وقائع الأشياء تفيد بأنّ المنطلقات المتماثلة تقريباً لا تؤدّي إلى نتائج متشابهة بشكل حتمي،  وقد اقترح الفيلسوف كارل بوبر فكرة عدم النّظر إلى الكون على أنّه يمثل ساعة متقنة الدّقة، بل على أنّه مكون زمكاني أشبه بالغيمة، وكلّ شيء فيه يسير فيزيائياً بشكل صحيح بالتّأكيد، ولكن النّتيجة يمكن أن تخرج بطريقة مختلفة للغاية، دون أن تطغى الاعتباطيّة على الأمر، إنّه أشبح بالتّنبؤ بحالة الطّقس (كلّ شيء يسير وفق قوانين الطّبيعة، ولكن لا يمكن التّنبؤ بدقّة بما سيحدث).

خاتمة

كتب ماكس بلانك قائلاً:”إنّ الفيزياء الحديثة تبهرنا بطريقة تثبت حقيقة الرّأي الوارد في العقائد القديمة الّذي يقول إنّ هناك حقائق خارجة عن نطاق حواسنا، وهناك مشاكل تشكل فيها هذه الحقائق دوراُ أكبر بالنّسبة لنا وستكون أغنى من كنز معرفي قد يصادفنا في عالم التّجربة”.[12]

*******

المراجع والحواشي:

[1] نيل تايسون: عن هذا الكون الفسيح، مرجع سابق، ص 112.

[2] فيسلين بتكوف: النسبية وطبيعة الزمكان، ترجمة: محمد أحمد فؤاد باشا، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1 2018، ص 209.

[3] فيسلين بتكوف: النسبية وطبيعة الزمكان- مرجع سابق، ص 281.

[4] فيسلين بتكوف: النسبية وطبيعة الزمكان، المرجع نفسه، ص 35.

[5] ستيفن هوكنغ: التّصميم العظيم ، إجابات جديدة على أسئلة الكون الكبرى، مرجع سابق، ص 210.

[6] ارنست بيتر فيشر: سحر الكون، تاريخ مختلف للعلوم الطبيعية، مرجع سابق، ص 38.

[7] بول ديفيز: القوى الأربع الأساسية في الكون، مرجع سابق، ص26.

[8] بول ديفيز: القوى الأربع الأساسية في الكون، المرجع نفسه، ص 53.

[9] ارنست بيتر فيشر: سحر الكون، تاريخ مختلف للعلوم الطبيعية ، مرجع سابق، ص 125.

[10] ستيفن هوكنغ: التّصميم العظيم، إجابات جديدة على أسئلة الكون الكبرى، مرجع سابق، ص 167.

[11] بول ديفيز: الاقتراب من الله، بحث في أصل الكون وكيف بدأ، مرجع سابق، ص 190 – 191.

[12] نيل تايسون: عن هذا الكون الفسيح، ترجمة: قيس قاسم العجرش، دار سطور، بغداد، ط1 2017، ص 31

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق