ضحايا بتهمة البهجة / ملاذ الزعبي

كان جلال أكثر فتيان الحي خفراً وحياء، وأقلنا إقداماً على الشقاوة، وأقلنا حيلة كذلك، تعكس قلةَ حيلته أعذارُهُ الواهيةُ التي كان يسوقها كي لا يشارك في غزوات سرقة الصبّار والأكدنيا والتوت:«أنا بضل هون وبراقب الوضع». وجلال الخجول هذا، كان في الوقت نفسه الابن الأكبر للأستاذ سليم، أحد أشهر أساتذة مدارس الأونروا في درعا وأشرسهم. الأستاذ طيب القلب لم يكن يعرف تهاوناً مع الطلاب، وكانت الأحاديث تُتناقل عن يده التي ترتفع عالياً قبل أن تهوي بالخيزرانة على يد مرتجفة مبسوطة لطالب مذنب، فيما كانت مشيته في ساحة المدرسة كافية وحدها لتبث الرعب في أفئدة طلبة مجتهدين وكسالى على حد سواء. لكن الأستاذ سليم، العائد محملاً بأكياس نايلون تحوي حاجيات المنزل اليومية كان، على غير ما جرت عادة رجال الحارة، يلقي علينا سلاماً حاراً وكأننا نظراء له من الرجال «السلام عليكم.. شلون الشباب»، وكنا نحن الفتية الذين لم يشتد عود مراهقتهم بعد نسعد بهذه التحية الحارّة ونقابلها بمثلها من مواقعنا على جانب الطريق.

لكن نجله الأكبر، كما سبقت الإشارة، لم يعرف كثيراً من هيبة والده، وكأن مهمة «الابن الأكبر» بدت أكبر من مقاسه، تزيد من تعقيدها شقيقة كبرى حاضرة اجتماعياً ومتفوقة دراسياً. سأشعر نحوها بانجذاب عابر لمراهق، بينما ستتوطد أواصر صداقة مع جلال ببطء حال دون سرعتها فارقٌ في العمر بلغ عامين، وفروق السن الضئيلة هذه تبدو كبيرة وشاسعة كلما صغر سنك، وهامشية وتافهة كلما تقدم بك العمر؛ فابن العاشرة ليس كابن الثامنة، لكن ابن التسعين قد لا يتميز كثيراً عن ابن الثمانين. سأتشارك مع جلال اهتماماً بالأفلام والمسلسلات «الأجنبية» كما كنا ندعوها، والتي دأبت على بثها قناة الأردن الثانية، اهتمام لم يتشاركه معنا كثيراً فتيان الحي الآخرون، وفيما ستعرف كرة القدم رواجاً أوسع قليلاً بين شبان الحي وفتيانه، فإنني تشاركت مع صديقي الفلسطيني- السوري هذا إعجاباً متقداً بمنتخب الأرجنتين، وغراماً أكثر اتقاداً بنادي إي سي ميلان الإيطالي. وكلاهما، المنتخب والنادي، ليسا في طليعة الفرق المفضلة آنذاك، في حقبة ما قبل ليونيل ميسي وبداية تراجع زخم الدوري الإيطالي.

نايف، الشقيق الأصغر لجلال، على عكس ذكر العائلة البكر، كان أكثر حيوية وإشعاعاً، وذا تألق في كرة قدم الحواري وعلى مقاعد الدراسة. قبل إكمال القليل من هذه السيرة لا بد من مزيد من سياق عائلي: فسليم (أبو جلال) ومحمود (أبو باسل) نجلا اللاجئ الحيفاوي العم أبو راشد الشيخ قاسم (نايف الكبير الذي سُمّي نايف الصغير على اسمه) تزوجا من سناء وليلى، وهما أيضا شقيقتان فلسطينيتان. وبدا أن ثمة إيقاعاً ما في تواتر إنجاب الأبناء لدى هاتين العائلتين: دفعة أولى متزامنة ضمت ابنة كبرى لسليم وابناً أول لمحمود، تلتها بعد ثلاث سنوات تقريباً دفعة ثانية ضمت ذكراً بكراً لسليم إلى جانب وسيم الابن الثاني لمحمود، وكذا دفعة ثالثة شملت ابنة ثانية لسليم وابناً ثالثاً لمحمود، ودفعة رابعة أزهرت أوائل التسعينيات نايفاً لسليم وسناء وزاهراً لمحمود وليلى.

هكذا نشأت صداقة بين أبناء العمومة وأولاد الخالات المتجايلين الذكور: جلال ووسيم الذين وصلا إلى منتصف عشرينياتهما مع انطلاق الثورة في درعا، شابان عاديان في كل شيء تقريباً؛ ونايف وزاهر الذين كانا في ذاك الوقت على وشك الانطلاق نحو استكمال دراستهما الجامعية بعد تفوق في المرحلة الثانوية ضمن لنايف مكاناً في كلية الطب وحجز لزاهر مقعداً في كلية الهندسة الغذائية، شابان تُظهر ابتسامة خبيثة، تبدو جزءاً أصيلاً من ملامحهما، مدى تميزهما. هكذا ستمضي الأقدار بكل ثنائي من هؤلاء على الدرب نفسها قبل أن تقودهما إلى المصير نفسه، في صدفة قدرية ما كان من الممكن تجنبها (هل هي صدفة فعلاً؟).

*****

فاصل ذاتي أول: كانت كرة القدم هوس الطفولة الأول، والهواية الأبرز خلال اليفاعة، ممارسة ومتابعة، من أخبار الرجاء البيضاوي إلى المحرق البحريني، ومن ديربي السلتيك وغلاسكو رينجرز إلى موقعة بوكا جونيورز وريفر بلايت، ومن مباريات الشعلة في دوري الدرجة الثانية السوري إلى البطولات الأوروبية الثلاث في ذاك الوقت: كأس الاتحاد الأوروبي، وكانت مبارياته تقام أيام ثلاثاء؛ ودوري الأبطال أيام الأربعاء؛ وكأس الكؤوس أيام الخميس. هذا عدا عن بطولات على مستوى المنتخبات الوطنية امتدت من كأس الخليج إلى كأس العالم. لكن شيئاً ما حدث نحو عام 2008 لا أعرفه تماماً: شعور طاغ بملل مفاجئ من هذا التكرار الفظيع للدوريات والبطولات في كل عام، ونفور من انتشار تعصب رياضي أعمى ومستجد، وانزياح في الاهتمام نحو القراءة (كانت السينما منذ سنوات قد استولت على حصة وازنة من كعكة الهوايات). هكذا وجدتُ نفسي لا أشاهد خلال مونديال العام 2010 سوى مباراة أو اثنتين، لم تكن المباراة النهائية منهما.

*****

دخل جلال كلية الإحصاء بجامعة دمشق، وتخرج منها، دون أن يحدث خلال سنين دراسته الجامعية شيء ما يستحق إفراد فقرة له، أو حتى سطر أو سطرين. هل أحب فتاة ما كان يراها عن بعد ويكتفي بحبه ذي الطرف الواحد حائلاً بينه وبينها سور نفسي وراء سور اجتماعي وراء سور اقتصادي، وهو الشاب الخجول لا المارد القادر على هدم هذه الأسوار، ولا العصفور القادر على عبورها محلّقاً؟ ربما.. لم يأت على ذكر شيء من هذا القبيل خلال لقاءات متكررة جمعت بيننا غالباً في فصل الصيف، وأحياناً خلال عطلة نهاية الأسبوع حين كنت أعود من دمشق لقضاء يوم أو يومين مع الأهل قبل العودة هارباً من ملل درعا القاتل، مللٌ كنت أخفف عنه بلقاءات مع جلال، نمشي خلالها على هدىً أو من غيره في مسارات لولبية لا تبتعد كثيراً عن الشارع الذي نقطن فيه، نبث لبعضنا شكوىً من مستوى منتخب الأرجنتين العاجز عن الفوز بلقب منذ نحو أكثر من عقد من الزمان؛ أو يعبر لي عن إعجابه بهجوم ما نفذته حركة حماس، هو المأخوذ بحركة المقاومة الإسلامية على العكس من صديقه وابن عمه وابن خالته وابن جيله وسيم الذي كان فتحاوياً أصيلاً عاشقاً لأبي عمار. أما إعجابنا القديم المشترك بالأفلام الأجنبية، فما عاد مشتركاً كما كان، ذاكَ أن جلال حافَظَ على غرام بدأ معه منذ يفاعته بأفلام الأكشن ومسلسلات التشويق، بينما شحذت دراسة الأدب الإنجليزي، والقراءة بشكل عام وعن السينما بشكل خاص، والانفتاح على أحداث ثقافية وغيرها، شحذت كلها ذائقتي وأخذتها إلى مكان مغاير. وكان جلال يحشد طاقاته الفكاهية المحدودة للسخرية من إعجابي بفيلم شوكولا لجولييت بينوش وجوني ديب، بينما قضى هو أغلب أيام سنواته الجامعية في درعا، مكتفياً بالذهاب إلى العاصمة في مناسبات محدودة لارتياد محاضرة أو تقديم امتحان، الأمر الذي حد من آفاقه الشخصية والاجتماعية والمهنية.

في العام 2011 كان جلال ووسيم مشغولين بالمهمة المزدوجة لشابين سوريين نموذجيين في مثل عمرهما: كيفية العثور على عمل بالتزامن مع التحايل والتأجيل الأقصى الممكن للخدمة العسكرية الإلزامية، وفي الغالب الأعم لم تأت الثورة السورية لتعطل مخططات حياة حافلة تنتظرهما. أما الثنائي الأصغر نايف (شقيق جلال) وزاهر (شقيق وسيم) فكانا قد بدأا أو -كانا على وشك البدء- في خوض حياة جامعية كان لها أن تقودهما إلى مسار مهني وذاتي واعدٍ وأكثر إشراقاً من سلفيهما العاديين، وهما قدَّمَا ملمحاً عن ذلك في نتائج امتحاناتهما للثانوية العامة.

إلا أن الحياة «العادية» لجلال ووسيم و«الاستثنائية» لنايف وزاهر كانت على موعد عبثي سيغير كل شيء: السبت، العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2012: انفجار مزدوج يستهدف مقراً لقوات النظام في نادي الضباط غير البعيد عن مدخل حي السحاري، حيث تقيم عائلات الشيخ قاسم، وأدى إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر. هل أصيب أي من أبطال مقالنا الأربعة في هذا التفجير؟ الجواب: لا. هل شارك أي منهم في التخطيط للهجوم أو تنفيذه؟ بكل تأكيد: لا. لكن أثراً للتفجير سيصيب حياة العائلتين في مقتل، ففي ليلة الهجوم لم ينشغل الطالبان الجامعيان بتطور عسكري ليس فاصلاً في المدينة التي باتت تنام وتصحو على وقع اشتباكات وقصف وتفجيرات واغتيالات وقنص، بل واصلا استعداداتهما لانطلاق أسبوع جامعي جديد. ذهبا سوية إلى حلاق الحارة تحضيراً لطلّة بهية، هذا فيما كانت قوات النظام تنفذ استنفاراً انتقامياً حاقداً في أحياء درعا. كان نايف يجلس على كرسي الحلاقة وزاهر على كرسي الانتظار عندما اقتحمت المحل، الضاج بصخب الشباب، دورية أمنية. مما قيل من شهود سمعوا بعضاً مما جرى من خلف النوافذ أن ضابط الدورية صرخ فيهم قبل تنفيذ الإعدام الميداني: «قاعدين متضحكوا ونحنا منموت». قضى في عملية إعدام لشبان بتهمة البهجة: الحلاق الفلسطيني- السوري عمار أبو عابد، ونايف الشيخ قاسم الذي كان معجون الحلاقة لا يزال يغطي جوانب من ذقنه، وزاهر الشيخ قاسم. أخبرني أحد جيران الحي عندما التقيته في بيروت بعد نحو عام أن الخالة أم جلال- والدة نايف- اختفى صوتها لدقائق بمجرد سماع أصوات الطلقات النارية، مدركة بذاك الإحساس الأمومي الأسطوري أن مكروهاً ما قد حصل لابنها، لكنني سأسمع ما أرجح أنه صوتها في مقطع قاس يظهر فيه جثمانا ابنها وابن أختها مع خليط من أصوات توثق الاستشهاد وتؤكده، وتحاول تهدئة الأم المكلومة التي تشير لهدوء وجه نجلها وتمسح على الحرام الذي لف به جسده.

لم تتوقف مصيبة العائلة هنا، فبعد أقل من أسبوع، اقتحمت دورية تابعة لحاجز حميدة الطاهر، وهو حاجز عسكري أقيم عند حديقة ومنتزه يحمل اسم الطفلة الانتحارية وتحول إلى معتقل سيء الصيت، اقتحمت إحدى دورياته بناء عائلة الشيخ قاسم واعتقلت جلال شقيق نايف ووسيم شقيق زاهر، وأخفتهم قسرياً منذ ذاك التاريخ.

*****

فاصل ذاتي ثانٍ: بعد أقل من عامين على إخفاء جلال ووسيم قسرياً، انطلق مونديال البرازيل وسط أنباء تلقتها عائلتاهما باحتمال إفراج قريب عنهما، إذ ظهرت أسماؤهما في قائمة لمعتقلين عُلقت في دائرة رسمية ما بدمشق. حينها، أقلعت عن إقلاعي عن مشاهدة مباريات كرة القدم، وكلفت نفسي بمهمة متابعة مباريات كأس العالم بالتفصيل كي أنقلها لجلال فور الإفراج القريب عنه. شاهدت ما استطعت من المنافسات، وحرصت على أن أتابع مباريات الأرجنتين بدقة متناهية، بما يشمل التشكيلة والتبديلات والحالات التحكيمية والفرص الضائعة وأداء كل لاعب وشخصية المدرب وهوية الفرق المنافسة. عاهدت نفسي أن أروي لجلال كل ذلك بمجرد خروجه كأنني أؤدي له أمانة في عنقي، مستعيداً مشاوير متواضعة كنا نقوم بها سوية، متحسرين كيف لا يستطيع جيل يضم باتيستوتا وأورتيغا وأيالا ولاحقا ريكليمي وكريسبو وسورين أن يحرز لقباً. عام 2014 كسر راقصو التانغو عقدة استمرت معهم لنحو ربع قرن وبلغوا نصف نهائي المونديال، قبل أن يكملوا مسيرتهم إلى المباراة النهائية بدون أن ينجحوا في التتويج بكأس كنتُ سأهديه إلى جلال وكأنه أحد لاعبي الفريق القدامى.

*****

قبل نحو عام، صادفت تعليقاً للخالة أم جلال عند صديق مشترك، ألقيت عليها التحية برسالة، قالت لي إنها ما زالت تنتظر عودته. سألتها عن أخبار بناتها الصبايا، أجابتني إن ريم تزوجت وأنجبت جلالاً صغيراً؛ وأسماء باتت معلمة في ابتدائية مجاورة اعتدنا أن نلعب فيها الكرة ونحن أطفال؛ ونور طالبة في الجامعة، وأردفت أن نايف كان من المفروض أن يكون قد أنهى جامعته وباشر بالاختصاص. صمتُّ للحظات ولم أجد شيئاً أقوله سوى حوقلة عاجزة. أخبرتني أن العائلة اضطرت إلى النزوح عن منزلها لفترة بعد تعرضه لقذيفة، قبل أن يرمموه ويعودوا إليه، بينما دفعوا أموالاً كثيرة لنصابين كي يعرفوا شيئاً ما عن جلال الذي ما زال مختفياً قسرياً مع ابن عمه وابن خالته وابن جيله وصديقه وسيم، منذ السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 حتى كتابة هذه السطور.

على صفحة خصصت للاحتفاء بنايف وزاهر على موقع فيسبوك، نُقل المنشور التالي على لسان والدة جلال عام 2013:

لطالما حببت بيت عمك يا زاهر وقضيت معنا اسعد اوقاتك ومع رفيق دربك ونور عيني ابني المدلل نايف حتى يوم عيد ميلادك الأخير في 23 / 10 في السنة الماضية احتفلنا بك. كنا نعلم أنك قادم إلينا فأحضرنا الكاتو لنفاجئك وعندما شممنا رائحة عطرك وسمعنا صوت قدماك ففتحوا لك الباب بسنة حلوة يا زاهر لن انسى ضحكتك العريضة من وجهك الجميل يا حبيب خالتك لم نعلم انها كانت اخر ايامكم معنا وبيننا لقد تركتم اجمل الذكريات ورحلتم يا وجعي والمي انت ونايف لطالما مليتم البيت سعادة وضحك.

ربي يتغمدكم برحمته ويتقبلكم قبولا حسنا أنتم وكل الشهداء ولن انسى ولداي جلال ووسيم فأنتم أملنا، واملنا بالله ان يردكم الينا سالمين ويسعدني ويسعد أهل بيتي بلقائكم ورجوعكم قريبا ان شاء الله.

عن الجمهورية

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق