عن بندر عبد الحميد.. الأرقّ من أن يُوارى الثرى

ننشر هنا بعض الفسبكات في رثاء الشاعر السوري، بندر عبد الحميد، الذي رحل أمس الاثنين…

حسان عزت:

بندر عبد الحميد

غرفته أكبر من حزب

هامته أعلى من سارية

وداعا بدمع لا يستطيع الوصول

إلى مآقيه.

كان صديقاً وشاعر صمت طويل كطولها في المساء (عنوان إحدى مجموعاته). وهو لم يكن يوما إلّا شعره الناحل المرهف الحي مثله، والذي يداري نفسه أمام جمهور يستمع إليه، بكأس فودكا أو عرق أبيض.. لأن خجله يفضح عدم اتكائه على عصا من نوع ما.

ولغرفته ولمشاويره ولسفراتنا البعيدة إلى حمص وغيرها حديث أخر

كلما نقص طائر من طيور الشعر الرومانسي المتجدد تنام دمشق على دموع حزن لا يغيب

حزينة وطويلة بدمعها هذا المساء

شاعر من شعراء السبعينات الذي اكتشف قصيدة النثر وأخلص لها ووجد ضالته في السينما ولّادة الروايات والصور. أما وفاؤه.. بابه.. غرفته روحه.. حماسه لأصدقائه، وغطاؤه لهم فتلك مزية قلب بوسع بلد واجيال. من ينسى أعمال رياض الصالح الحسين التي طبعها له بعد رحيله.. ومن ينسى ما لا يعد ويحصى لعمره الخاطف من ظلال. قابلته في المارينامول في أبو ظبي قبل سنوات وشددت على يديه حتى نلتقي في شام.. وكان على انخطافه وضحكته المكسورة بشيبها خاطفا ونبيلا وما فارق حزني إلى مدى…
هيثم حسين:

لا يليق أيّ رثاء ببندر عبد الحميد.. لأنّه أجمل وأرقّ من أن يُوارَى الثرى.
بندر عبد الحميد آخر شخص ودّعته في دمشق حين غادرتها سنة 2012. سهرنا في ليلتي الأخيرة بدمشق، حتّى وقت متأخّر بمكتبه، وكان القصف حينها متواصلاً على الغوطة الشرقية.. كان قد حسم خياراته وقرّر البقاء في ظلّ الحرب لأنّه لا يقوى على تحمّل قسوة الغربة..
مازحني حين توادعنا بأنّه آخر صديق أودّعه أثناء مغادرتي للبلد، وأنّه لن يغفر لي بألّا يكون أوّل من أزوره حين أعود للبلد ذات يوم.. وعدته على أمل ذلك، وفي قرارتي خشية من ألّا أنفّذ ذاك الوعد..
حدّثته قبل شهور وكان بمرحه المعتاد، ومزاجه الرائق، لكنّني شعرت بأنّ أسى عميقاً كان يتخلّل صوته المُنهَك، وكنت أؤجّل مهاتفته منذ أيّام، لأطمئنّ عليه، لكن هذا الرحيل المباغت بدّد الأمل بسماع صوته والاستمتاع بحديثه..
بندر عبد الحميد من أنبل وأكرم مَن عرفتهم..
لا أرثيك أيّها الكبير بل أبكي برحيلك مرارة الفقد وقسوة الغربة ووحشية الرحيل.

أحمد نسيم برقاوي:

حزننا عميق يا بندر

انتقل إلى بيت جديد واسع، لكنه لم يستطع أن يغادر روح المكان وروح المكان لا تسافر مع أحد. قبل الرحيل بأيام ودعتُ دمشق بجلسة في غرفة النبيل بندر عبد الحميد مع ثلة ممن تبقى من الأصدقاء. أغلب رواد غرفته، غرفة المبدعين، أفردوا أجنحتهم للريح وطاروا، وحده بقي بانتظارهم. ثم آثر الرحيل الأبدي خلسة. ياه ما أشد ظلمتك يا شارع العابد الآن.

منير الشعراني:

بندر عبد الحميد، أيها الباقي بسجاياك وإنسانيتك وثقافتك وعطائك ومحبّتك، لروحك السلام والطمأنينة.

من بعد بندر سيحلّ ضيفًا عند ضيوفه في مضاربه!؟

من بعد بندر سيستقبل الوافدين إليها من كتّاب وشعراء ومترجمين وفنانين وسينمائيين ومسرحيين وممثلين ومبدعين ومثقفين وسياسيين وحالمين!؟

من بعد بندر سيفتح صدره وكومونته للمختلفين والمؤتلفين من أصحاب الرؤى والأفكار في الآداب والفنون والفكر والسياسة والثقافة!؟

من بعد بندر سيظلّ مبتسمًا هادئًا متماسكًا مرنًا متسامحًا ودودًا مع مرتادي مضربه عندما يختلفون ويحتدم نقاشهم ويتصايحون، فيعيد إليهم الهدوء والألفة!؟

من بعد بندر يجمع البدو والحضر في أنبل ما تنطويان عليه في شخصه .

من بعده سينبض به قلب دمشق العطاء!؟

بندر الشاعر الكاتب الناقد، أرشيف السينما المتحرّك، وخادم المعرفة، لا أحد يستطيع أن يكون قلبًا للقلب كما كان، لروحه السلام وله البقاء في قلوب ووجدان من عرفوه جميعًا!؟

سعاد جروس:

وقت التقيتك صدفة ناح بيتك بشارع العابد فاجئتني بالسؤال انتي من اللي بيخونوا شي؟ استغربت وقلت لك له ليش هيك عم تحكي!؟ قلت لي لأنك جارتنا وما بتزورينا؟ انا هلا عم أسألك انت من اللي بيخونو شي!! كيف هيك على غفلة رحت!

وقت الدنيا كانت تضيق وتصير بشعة، يخطرلي روح لبيت بندر عبد الحميد البيت اللي ما تسكر بيوم من الايام بابه، بهالبيت كان عالم بندر الخاص جدا اللي كل شي فيه على حبته، عالم عامر بالجمال خالي من العقد ومن الغلاظة عالم من كتر ألفته ودفاه صار علامة فارقة بالشام ، ملاذ التائه وواحة المتعب واستراحة المسافر ومنبر الشاعر وملتقى المثقف..

بندر عبد الحميد

رح نفتقدك على قد ما نفتقد ارواحنا وشامنا اللي كانت.

محمد كامل الخطيب:
لو كان بإمكاني أن أكتب، أو أن أقرأ بالدموع لكتبت وقرأت عن رحيل صديق العمر والقلب والمسافات البعيدة والرقيقة

بندر عبد الحميد الذي أهداني وردة يوم التقينا، فتصادقنا منذ اللقاء الأول عام – 1968 – في حديقة جامعة دمشق.

مرة، ومنذ زمن بعيد، كتبت: خرجت الثقافة السورية الحديثة من بيت بندر عبدالحميد ، مثلما خرجت القصة الروسية من معطف غوغول. ربما بإغلاق بيت بندر عبدالحميد، هذا البيت الذي كان مفتوحا لكل الناس، كقلبه ومخيلته مطلقة السراح، تعلن ثقافة جيل ومرحلة سورية عن انتهائها.

محمد مظلوم:

الصورة الأخيرة مع بندر!
لم يخطر لي في بالي على الإطلاق أن هذه الصورة ستكون الأخيرة مع بندر.
كانت (ميرنا) تكيل التصوير بلا هوادة! ومن كل الزوايا، وتشكو من حركة يد بندر التي تلوِّح دائماً في كل الصور. اليد التي تومئ كأنها تريد أن تشطب على كل الصور أو تشير لبعيد أو لغياب ما. والجميع يتصوَّر بنظارته! كأننا في حفلة وداع تستدعي التنكَّر بنظارات سوداء!
إنها الصورة الأخيرة مع بندر إذن.
وكلّ صورة جديدة بلا بندر!
وكل سهرة وسكرة ورقصة بلا بندر.
وكل دمشق بلا بندر.
والعالم بلا غرفة بندر. ومن سمع بالغرفة (الكونية) فهي غرفة بندر!
كل الأحاديث عن جوان باييز وفاتنات السينما العالمية وجيل البيت والشعر الجاهلي وتراث المجون وسنوات الحقبة الاشتراكية، و(الإرهاب الدولي) بلا بندر.
لقد تعبت من رثاء الخلان، وكان أجدر بي أن انشغل بهجاء هذا الزمان!
كلما تأخَّرتُ عن موعد مفترض لجلسة يتصل: (وينك…) وها أنا أتأخَّر عن الموعد ولم يتصل فأصرخ (وينك..؟)
حين كانت دمشق تعيش (المحنة) كانت غرفة بندر محفلاً يوسِّع العالم ويتسع له كقلب بندر.
مرة اصطحبنا أنا وخليل صويلح المخرج محمَّد ملص إلى غرفة بندر… فوقف للحظات عند العتبة قبل أن يدخل قائلاً: لا بدَّ من هذه الوقفة الخاشعة للعائد إلى محراب ذكرياته! فكم من الوثنيين الذين يودعون ذكرياتهم وحياتهم اليوم في غرفة بندر!
يا للوحشة يا للدهشة البغتة يا بندر.
ثلاثين عاماً من الذكريات بيننا وضعفها من ذكرياتك يا فتى فتيان الجزيرة تختزل الآن في نوبة قبلية أخذتك إلى سفر إلى الكوكب وليس لمكانٍ آخر. فبندر أحد أصدقائي الكوكبيين النادرين. من أولئك الذين يمتلكون تماساً كونياً غير عادي مع الأشياء والأشخاص والأفكار. وإذ توقف قلبه عن الخفقان في هذا العالم، فبالتأكيد أنه يخفق صاعداً إلى عالم كوكبي.
في آخر جلسة لنا حملت له نسخة من ديوان بوب كوفمان (عزلة مكتظة بالوحدة) فتح الصفحة الأولى وقرأ عنوان المقدمة (حين أموت لن أبقى ميتاً) ورفع حاجبه ونظر لي بابتسامته العذبة.
وفي اللقاء الأخير كرر سامي أحمد طلبه لبندر بنشر أعماله الشعرية أو مختارات شعرية في دار التكوين! وكرر بندر عليَّ يدعوني لكتابة تقديم للكتاب، وما زلت أنتظر إيميلك بالملف الموعود!
مع موت بندر (تيقنتُ أنَّ الموتَ ضربٌ من القَتْلِ).

ابراهيم حاج عبدي:
خذلتنا هذه المرة، خذلت اصدقاءك الكثر، لمرة واحدة، حين قررت الرحيل دون استئذان. كنت اعتقد، لفرط نبلك، وطيبة روحك، أن الموت سيخجل من مرحك الدائم، وشغفك بالحياة، أو، على الأقل، ستستأذن بالرحيل على عكس بديهيات الحياة، لأنك كنت فريدا في كل شيء، فظننت أنك ستكون فريدا، حتى في رحيلك… غافلتنا يا حبيب الروح ومضيت…لم تخبرني بذلك في آخر مكالمة لنا قبل نحو أسبوع…”غرفتك بملايين الأصدقاء”، في الشام على مفرق شارعي العابد والباكستان، ستبقى حسرة أبدية في القلب، وعنوانا للقاء لن يتكرر، ووشم معصمك، أيها البدوي الجليل، سيبقى مضيئا وناصعا في الذاكرة إلى ان نلتقي بك.. وداعا أيها الأصيل الجميل النبيل… وداعاً بندر عبد الحميد.

المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق