ذَنْبُ الثقافة / روجيه عوطة

قبل أيام، أصدرت وزارة الثقافة اللبنانية، بياناً، أفادت به أن عدداً من الشبان عمد إلى تدمير ما سمّته “الإرث الثقافي الوطني”، أي بعض الآثار في مشروع “متحف بيروت”. طبعاً، هذا البيان، الذي لا داعي للقول إن روايته خالية من الصحة، يريد أن يذنّب المتظاهرين مواربة، ويصوّرهم على أنهم مجرد مخربين. ومن هنا، هو ليس سوى استمرارية للدعاية التي يمارسها النظام بطريقة متواصلة ضدهم، والتي يحاول من خلالها إيقاف خوضهم حدث 17 اكتوبر، وإيقاف حدثهم بأكمله.

هذا كله بائن للغاية. لكن ما يحث على التساؤل في حال بيان الوزارة، أن ثمة عدداً من متلقيه قد تبنوه، مع أنهم يرفضون حكومته. بعبارة أخرى، هناك من تبنى سردية النظام الركيكة في حين أنه ضده، وعلى هذا النحو، يصح الاستفهام عن سبب ذلك.

من الممكن القول إنهم تذنبوا. وهذا ما يرتبط بثقافة الذَّنب الشائعة في النظام، والتي تشكل قواماً له، بحيث أنه، وبسبب استنداه إلى الدَّين العام والخاص، كان ينتج محكوميه كمُذنِبين: مسؤولية دفع الدَّين، الذي هو، في الواقع، غير قابل للدفع، كانت تجعلهم، وبالتوازي مع رهن حيواتهم لحكم المصرف، مرتكبين لخطأ التأخر عن السداد، خطأ دائم.

ثقافة الذَّنْب هذه، تفسر تبني بيان الوزارة. لكنها تفسره، إذا صح التعبير، من بعيد، بمعنى تقديم بُنية عامة له. بالتالي، وبإثباتها، يصير متاحاً تفسيره من قريب، أي من البيان اياه. ففي هذا البيان، تبرز ثقافة الذنب عبر أمر بعينه، وهو ذنب الثقافة، أي أنه يتهم المتظاهرين، الذين يستهدفهم بسرديته، بكونهم لا يعيرون أي تقدير لـ”الإرث الثقافي الوطني”، كما أنهم، وفي الأساس، لا يعون قيمته. فعلياً، يصح الاعتقاد بأن هذا الاتهام يتلخص في عبارة “أنتم لستم مثقفين”، وفي النتيجة، تبني بيانه هو محاولة لإعلان العكس، “نحن مثقفون”.

على أن تفسير التبني من باب ذَنب الثقافة، وحين ينطلق من قلب البيان، يبقى فيه، أو بالأحرى سرعان ما يصل إلى حده، وهو، هنا، أن الوزارة ذاتها لا وطأة لها. فلا يمكن الاقتناع بأنها نجحت في بث ذلك الذنب في متلقيها، وأنها استطاعت حملهم على التكفير عنه بتبني سرديتها. فلم يقولوا “نحن مثقفون” للوزارة. لذا، لا مناص من الوقوع على تفسير ثالث، وهو ليس بعيد،اً ولا قريباً، إنما على السطح.

فمَن تبنوا سردية البيان، لم يفعلوا ذلك لكي يعلنوا للوزارة أنهم عكس ما تشيع كمؤسسة، لكي يثبتوا لها أنهم “مثقفون”. إنما يعلنون ذلك لغيرها، وهو مرتبط بها، أي للطبقة البرجوازية، التي لا تزال، وبسبب تقليديتها، تحسب أنها تحتكر الثقافة. وهذا ما له شكله على سطح البيان وتبنيه، بحيث يتحول إلى موضوع تناقل، وهذا التناقل سبيل الى انتماء طبقي. بمعنى آخر، تناقله هو إشهار علاقة بالثقافة للبرجوازية، والإشهار علامة انتماء الى طبقة تلتحق بها.

بالطبع، الطبقة التي من الممكن الانتماء إليها بالإشهار هي، في هذه الجهة، وهمية، وهذا، حتى لو تحقق وهمها، أو بالأحرى، خصوصاً حين يتحقق وهمها. لها اسم، وهو “ميدلكلاس”، والبعض يضيف اليها صفة “ثقافية”: اجتماع على استهلاك الثقافة، ثم المطالبة لكي لا تكون سوى مجرد غرض لهذا الفعل.

بعد ذلك، يمكن ربط التفسيرات الثلاث ببعضها البعض: ثقافة الذَّنب، وذَنب الثقافة، والإشهار. إذ أن الأولى، تشيد ظرف الثانية، الذي ترتكز عليه الطبقة البرجوازية لتبثها، لتبث ذنب الثقافة، وعندها، يؤدي ذلك الى التكفير عنها، وهذا عبر الإشهار، الذي يجعلها غرض استهلاك. فالاستهلاك، في هذا المطاف، هو حصيلة التذنّب، كما أنه، وبالفعل نفسه، طريق للانتماء إلى طبقة وهمية، أو إلى طبقة تبدأ بالذنب، وتتشكل بالوهم تحديداً.
مقالات قد تهمك

وزيرة اعلام أم ملكة جمال؟

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق