قراءة في كتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة” للفيلسوف فتحي المسكيني (ج1)

تمهيد:

إنّ كتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة” للفيلسوف فتحي المسكيني الصّادر عن دار منشورات ضفاف، بيروت، في طبعته الأولى، 2016. هو بلا معاندة كتاب فلسفي يعجّ بالإشكاليّات الفلسفيّة المعاصرة الّتي أقضّت مضجع الفضاء العمومي للعقل العربي وللإنسانيّة بعامّة لما يثيره من استشكالات فلسفيّة مشتقّة من اليوميّ المعيش مثل نفي الفيلسوف ومعاقبه ومراقبة سكناته على غرار نفي ابن رشد إلى أليسانة والتّساؤل عن دور الفيلسوف في عصر كلبي بعبارة سلوتردايك والبحث عن منبت الكراهيّة بين الأنا والآخر وكشف طبقات الإستبداد الّتي بحوزة الأنا وما تتدّخره من كراهية تجاه نفسها أو نحو غيرها من خلال مثالين طوبيقيين نرسيس والحطيئة الشّاعر الّذي عرف بهجاء نفسه، ملفتا الإنتباه بين الفينة والأخرى إلى مسائل اعتاص عليها فكرنا مثل المراهقة الملحدة وفقدان رمزيّة الأبوة وغيرها من الطّروحات الفلسفيّة الغير معهودة مثل هند الفلاسفة وأيلان الكردي وسياسات الشّهادة والجسد الشّرقي وداعش والغبراء وتفاهة القتل وحشرة كافكا وغارسيا ماركيز وباولو كويلو وبوهيميا الخراب وهي جميعها مسائل تبدو طريفة من جهة طرحها لا تخرج عن “اتيقا اليومي”. لذلك يفلت كتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة” من قبضة كاتبه، ليصبح كتابا للجميع وليس لأحد، إذ يرنو نحو أفق ما- بعد حداثي وخارج ما يفكر فيه العقل الهَوَوي[1] أو ما- بعد الدّولة-الأمّة. وكأنّ صاحبه الفيلسوف فتحي المسكيني[2] يريد أن يبلغ الشّأو من طرحه للمسائل المعتاصة وتذليل الطّريق إلى فهمها وفتح ما استغلق منها ما لم يبلغه غيره من متفلسفي القرن الحالي.

إنّ النّاظر بعين نظور لكتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة” لما يكتنزه من كميّة من الأسئلة الّتي تتساقط من عقارب ساعة اليومي واستجدالها على نحو طريف لا يخفي مكرا فلسفيا يدخره في توجيه أسئلته وتخير مقاصده يمكن أن نعده بمثابة “الصيدليّة”، يبرأ سقم الأنفس، ليس على غرار “صيدلة أفلاطون[3]، لجاك دريدا وإنّما وصفناها بذلك، لكونه كتابا فريدا من نوعه من جهة طرحه للمسائل الفلسفيّة العنيدة، يمكن أن يكون دواء أو “فرماكونا[4] يصلح للعقول الظّامئة للمعرفة ويمنحها الشّجاعة في بحثها عن الحكمة بما هي ضالة الباحث أينما وجدها إرتعدت فرائصه إليها شوقا وإشتياقا بلا قبعات إيديولوجيّة. ولعلّنا نحن اليوم أكثر من أيّ وقت مضى بحاجة ماسّة لهذا الجنس من الكتابة الفلسفيّة الّتي تشفي جراحاتنا الهوويّة المندملة وتبرؤنا من سقم العقل الهووي ومنزلقاته الخطيرة على أنفسنا العميقة. هو كتاب مسطور نشبّهه إلى حدّ بعيد الغور بالرّشقة الفلسفيّة الّتي توضع كقُنيّة نفيسة على جداريّة أنفسنا وضمن أفق انتظاراتنا نحو وجود لا يكسب إلاّ غلابا. وهو بالجملة ينضاف إلى المكتبة العربيّة ويشرّف العقل العربي ويزدان به لما يحمله من انتظارات لأفق مستقبلنا المجهول. إذ نكتشف بين دفّات هذا الكتاب هموم الإنسان اليومي، حيث يبرع فتحي المسكيني في نحت مصطلحاته الفلسفيّة ويلمع إلى الإستشكالات اليوميّة الّتي تمرّ بلا ضجيج من أمامنا دون الإهتداء إلى سماع هسهستها. وهو يستجدل القضايا الحارقة ضمن الكتابة الفلسفيّة حتّى عُدّ من جهابذة الفلسفة وأساطينها من متفلسفي القرن الحالي. فلا مُشاحّة في الأسماء إذ اجتمع في شخصه الشّاعر والمترجم والفيلسوف، فحريّ بنا أن نطلق عليه إسم الفيلسوف بلا مُنازع. حيث ينحت الفيلسوف فتحي المسكيني من جلدة العالم ما به يقدّ كتابة لحميّة فلسفيّة “لمسيّة” تصوّب نحو تشقيق العبارة الفلسفيّة وتختبر معانيها وتحفر عن مخابئها الدّفينة، مخترقة لكلّ إشارة ترتسم على هالتها ومُفلقة لكلّ أمارة تمتشق منتصبة على تخومها، حتّى تقول عن نفسها ما لم تقله من قبل بلغة الضّاد غير عابئة بما يقف حاجزا دونها. وتلك هي مهمّة أرباب العقول تغار من نفسها حتّى تكتب خلودها ولا تزول بزوال طينتها أو هُيولتها.

  1. كتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة” لـلفيلسوف فتحي المسكيني:

يعتمد هذا الكتاب على أسلوب كتابة فلسفيّة رائعة ومريعة في ذات الوقت أو بالأحرى هي كتابة تهرع إلى تأنيث الوجود في وحدته (ابن عربي) وتعيد تطرّيسه[5] (Palimpseste) بمحو ذكورته وفضّ بكارته (فوكو). وهي بالكاد أمشاج من عبارة تدّخر في جعبتها كلّ الممكن الفلسفي وتشرئب بعنقها نحو سديم الفضاءات المتبعثرة في جغرافيا الإنسانيّة وفي سماء الطّبيعة البشريّة وفي فيافي اللّغة ومدارات الحضارة الإنسانيّة معبّدة الطّريق نحو الهجرة إلى الإنسانيّة وما أدراك ما هي؟ هي كتابة ترفع “قلق العبارة” عن سرديّة اليومي الّذي رمضت عيناه بمشاكل حارقة تنكرت الفلسفة والمتفلسفة عنها تحت تخدير أفلاطوني قديم. أمّا في تَرحالها الفلسفي في “تاريخ الأفكار“، تفتح المعاجم اللّغويّة على “المُهْمَتِ” والمسكوت عنه والّذي لا ينقال إلاّ في أدب النّوادر وبين الجدران الإفتراضيّة وفي الأزقة اللّيليّة من ممنوع ومحظور من الكلام الفلسفي في نسخته العربيّة؛ كـ”المراهقة الملحدة” و“النّكاح” و”الجنس” و”المقدس” و”التحرّش” و”الجَنْدَر” و”العنصريّة” و”حرق النّفس” و“ثورة العبيد” ومسائل أخرى أشبه بـ”فصوص الحكم” للفارابي أو “فصوص” ابن عربي، لكنّها “فصوص” بنكهة معاصرة تحدّق في ما- أبعد من الإنسانيّ أو هي أقرب إلى الحيواني الّذي يقبع بين تجاعيد الحياة الّتي تشكّلت في طبقات نفوسنا العميقة. وهي تبدو مثل بيبليوغرافيا يوميّة يلتفت إليها الفيلسوف فتحي المسكيني تلفتا عنيدا، ليضع لها “وشْماً فلسفيا” غير مسبوق في الفلسفة العربيّة المعاصرة. تلك الفلسفة الّتي سقطت في شراك أو طَوْق نظرة إبيستيمولوجيّة وأنتروبولوجيّة ضنينة، لنقد العقل العربي أسّرت كلّ إبداع فلسفي منذ الجابري ومحمد أركون، فحوّلت الشّأن الفلسفي إلى ضجيج يكدّر صفو سماء الفكر ويفوّت فرصة “الدّخول في الفلسفة” بعبارة هيدغر والإنصات إلى دبيب الوجود وشطحاته الّتي تغمر الكينونة في وَجَديتها (extatique).

ومن هذه الكُوّة فلسفيّة التأويليّة، يلقَفُ الفيلسوف فتحي المسكيني بأسئلته الطّريفة ونظره الثّاقب وفكره الحصيف كلّ ما يسقط من عقارب ساعة اليومي من مشاكل راهنيّة تمسّ “الإنسان الأبتر[6] على الأرض، ليحوّلها إلى تلفت عنيد نحو فهم مصادر أنفسنا العميقة. تلك التي مرّت عليه بسهو أو بغفلة منه من ثقوب غربال الذّاكرة الإنسانيّة. وهي بلا ريب، نظرة فلسفيّة تحدّق بين الفينة والأخرى نحو مستقبل الحيوان البشري وترسم له خارطة علّه يهتدي بها كمنارة تضيء دروبه في الآت الّذي لم يأت بعد أو في “القرب والبعد” الّذي أفلقه هيدغر من أديم الوجود الأنطيقي للكينونة بما هي كينونة لا تكون خارج ذاتها إلاّ من جهة السّلب في تملكها للعالم الّذي قدّت من رحمه.

فإذا كانت “الكتابة ضرب من الصّلاة” كما يقول فرانتس كافكا، فإنّ القراءة لهي أيضا ضربا من العبادة، حينما نقرأ كتابا فلسفيا مثل كتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة” للفيلسوف فتحي المسكيني. حينئذ علينا أن ندخل في محراب القراءة ونأخذ هذا الكتاب بقوّة. فهو كتاب مُفْلِقٌ يتضمّن بين دفّاته توطئة بعنوان طريف: هل عاد ابن رشد من المنفى؟ وعلى أديمه تمتشق كالأعلام عشرة أبواب وخاتمة تلوذ بالصمت لتكون فاتحة. وبالجملة مع بعض أبعاضها تمتد على ثلاثة مئة وإثنين وأربعين صفحة تسارع الحروف والمعاني إلى الهجرة للإنسانيّة. أمّا الأبواب العشرة، فيقسمها الفيلسوف إلى “شذرات” (Fragments) أشبه بطريقة الكتابة الهيرقليطسيّة أو النّيتشويّة، وهي مشفوعة بعناوين تومئ إلى أهمّ الإشكاليات الّتي بقيت عالقة على جداريّة العقل العربيّ وأخرى كمشاكل راهنيّة تستدعي النّظر الفلسفي للخوض فيها بلا تردد. هي مسائل فلسفيّة يطرحها الفيلسوف في كتابه “الهجرة إلى الإنسانيّة” من أفق ما-بعد حداثي وقد خاضها بجرأة غير معهودة لدى متفلسفي القرن الحالي. إذ هي تشتقّ معانيها من الشّأن اليومي ويرنو الفيلسوف من خلالها إلى فتح كُوى فلسفيّة تساعد على فهم مصادر أنفسنا العميقة.

1.1.  محتوى الكتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة”:

من هذا المنظار الفلسفيّ سنعوج على التّوطئة ونسأل للتّو: ما الداعي لإستضافة ابن رشد في عصر ما-بعد إنساني (سلوتردايك)؟ وسنلتفت نحو الفصول العشرة ونعوج على أهمّ الإشكاليات المطروحة في كتاب “الهجرة إلى الإنسانيّة” عوج المهموم بالسّؤال ونقر العبارة والتلفت لكلّ إشارة بقدر الممكن الّذي بحوزتنا.

1.1.1 توطئة: “هل عاد ابن رشد من المنفى؟”[7]

يتساءل الفيلسوف فتحي المسكيني عن نفي الفيلسوف ابن الرشد المفترى عليه إلى مدينة “أليُسانة”، تلك المدينة اليهوديّة بتعبير المؤرّخ الإدريسي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق“، بما هي مدينة الآخر اللاّهوتي للملّة. آنذاك فقط علينا أن نسأل بلا هوادة: لماذا يهرع السّاسة إلى إخراج الفيلسوف من أفق الملّة بنفيه؟ أ هو مزعج إلى حدّ اللّعنة؟ أم هو يشكل خطرا على العامّة والخاصّة على حدّ سواء؟ لماذا يلجأ السّاسة إلى نفي ابن رشد والإفتراء عليه وحرق كتبه؟

إنّ كميّة الأسئلة الّتي يسرحها الفيلسوف فتحي المسكيني لإماطة اللّثام عن الخانات السّوداء الّتي بقيت مستغلقة ردحا من الزّمن عن واقعة نفي ابن رشد إلى مدينة “أليُسانة“، والّتي من خلالها سينضو الفيلسوف بالسّؤال عن عرائها، ليبيّن تبيينا صلة الرّحم بين الفلسفة والمنفى وما يقبع خلفهما من معاني متواريّة يحفّ بها الغموض. فمذ الوهلة الأولى تشدّ ناظرك لوحة المنفى المعلقة على جداريّة ذاكرتنا والّتي أصبحت مكانا للعزل وللمعاقبة وللمراقبة للمشتغلين بصناعة الفلسفة وخاصّة واقعة ابن رشد. ههنا يكشف الفيلسوف فتحي المسكيني ورشة مفهوميّة تثوي خلف عبارة “المنفى” والّتي تشير فيما تشير إليه دلالة موجبة. حيث لم يعد المنفى ذو معنى سلبي يزخر بدلالات الإقصاء والتّعتيم والسّدَف والقمع والعنف الرّمزي واستلاب الفكر ووأد الفيلسوف، بل المنفى أصبح حمّال أوجه تجتمع فيه الأصدقاء حول مائدة العقل. وهو شبيه بالنّادي لمجتمع الأصدقاء، أصدقاء الحكمة. إذ صار المنفى جزء من الإنتماء إلى الجماعة الكونيّة، يقول فيلسوفنا:”إنّ المنفى جزء من الإنتماء إلى الإنسانيّة وبقدر ما يمتلك مفكّر ما من الحظوظ الكونيّة هو يمتلك من إمكانيات المنفى.”[8]

بطريقة جدّ طريفة، قام الفيلسوف فتحي المسكيني بتعريّة “إستراتيجيّة التسميّة” الّتي حامت حول شخصيّة ابن رشد الفيلسوف أو الشّارح الأكبر من طرف السّلطة السّياسيّة أو الأخلاقيّة للملة أو من جهة الآخر اللاّتيني المسيحي. إذ أنّ نفي ابن رشد لم يكن بريئا وهو اسم لم يبرأ من سقمه حتّى الآخر اللاّهوتي المسيحي. فقد سعى المسيحيون لوأد إسم الفيلسوف ابن رشد واستبداله بإسم لاتيني “أفيرواس” (Averroès) حتّى يصير ابن رشد شبحا من بين الأشباح الّتي هضمتها معدّة السّلطة بآلاتها الحربيّة الّتي تتجلّى مرئيّة في مآقي رجال الدين والسّاسة وفي مخيال العامة معلّقا في ميتافيزيقا اليومي المقيت. طبعا هي تسميّة دُبرت بليل سياسي وغسق ديني لسلب هويّة الفيلسوف العربيّ الإسلاميّ ابن رشد وطمس ملامح شخصيته التاريخيّة قصد إفراغه من كلّ حمولة فكريّة وثقافيّة هوويّة تثوي خلف “شخصيته المفهوميّة” بالمعنى الدولوزي، أو بالأحرى تحويله إلى أيقونة فلسفيّة، وفي شأن ذلك يقول الفيلسوف فتحي المسكيني:” تحويله إلى أيقونة فلسفيّة بلا ملامح ثقافيّة (إذ أطلقت عليه إسم: الشّارح الأكبر) كان ذلك إطراءاً مسموما أو “كولونياليّا“.[9]

فلا استغراب في القول، أنّ هذا المعجم المأتمي؛ الدّفن، القبر، الوأد لشخصيّة الفيلسوف ابن رشد والّذي أفلحت السّلطة السّياسيّة والأخلاقيّة في تبيئتها وتسويقه في الفضاء العمومي لمعاقبة الفيلسوف الّذي كان يوما ما يرنو إلى استخدام العقل ضمن الفضاء العمومي وجعل العقل قادرا على خوض تجربة اليومي وتحويل الفلسفة من المضنون بها لغير أهلها إلى ساحة أغورا عموميّة لا تلجم أحدا كما فعل الغزالي. ولكن تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن كما يقول شاعرنا المتنبي، إذ حقّق ابن رشد ما يصبو إليه حيث يبلغ ما لم يبلغه أترابه في زمانه، فمارس الفقه والقضاة والفلسفة، فبلغ الشّأو في ذلك الشّأن، وتمكن من خرق العبارة الأرسطيّة وشق عبابها نحو منحها فرصة للتّكلم داخل فضاء الملّة الرّافض لكلّ غريب ودخيل عنه ولمّا أزعج السّلطة الدينيّة لفظته خارج أسوارها تزعم أنّها استطاعت غلف الباب دونه، مستنجدة بعصا الغزالي الميتافيزيقيّة لجلده في “التهافت” ولكن هيهات لم تقدر على تبكيت الفيلسوف وحتى الآخر اللاّهوتي المسيحي لم يقتدر على شطب ملامحه وقبر شخصيته التاريخيّة داخل قبو الذّاكرة الإنسانيّة.

لذلك علينا أن نسأل للتوّ؛ أليس ابن رشد هو الّذي علّم أوروبا المسيحيّة كيف تقرأ أرسطو بلا تلكُّؤا ولا تعتعة وبلا تهجيّة؟ وربّما لولا ابن رشد لما عرف الغرب يوما ما فلسفة أرسطو، أنّى ذلك يقول الفيلسوف فتحي المسكيني: “ابن رشد شخصيّته أكبر من فلسفته. في فلسفته كان شارحا كبيرا؛ هو من حوّل شرح فلسفة أرسطو إلى مهمّة فلسفيّة قائمة بذاتها. وهو من علّم أوروبا (بدايّة من 1225) كيف تقرأ أرسطو، أو كيف تفكّ شفرة العقل البشري في العصور القديمة.”[10] ههنا يصبح المنفى ناديا فلسفيا تجتمع ببهو ساحته العقول المتفلسفة وتلتقي من كلّ حدب وصوب.

بلا معاندة فلسفيّة، إنّ ابن رشد الفيلسوف هو الّذي عكّر صفو أعراس أوروبا الفكريّة من توما الإيكويني إلى أوغسطين. وقد ساعد ذلك على خلق مناخ فلسفي تطفح على أديمه حزمة من الإشكاليات الفلسفيّة الّتي ستتخمر في محاريب العقول المتفلسفة المتّشحة ببرقع المسيحيّة سببا في ظهور ما دَرَج عليه القوم بعصر الحداثة أو الأزمان الحديثة. لنقل أنّ ابن رشد أتى أو عاد من المنفى أو حتّى لو لم يأت بعد..فهو بالجملة اسم خطير، أزعج “عُدماء الدين” (الكندي، الرّسائل، ص.27) والسّاسة العرب الّذين تحوّلت مهمتهم من تدبير الشّأن اليومي للفرد إلى “مُكارين” (التّوحيدي، الرّسائل البغداديّة) يروّضون الحيوان السّياسي للفرد في فضاء الملّة أو خارجها، وللسّبب عينه لفظت الملة ابن رشد خارجها كما يلفظ البحر ما يعوق أمواجه من زبد. لأنّه أوّل من أدخل العقل العمومي ضمن فضاء الملّة الدينيّة وفق نظرة حصيفة للفيلسوف فتحي المسكيني.[11]

من هذه الجهة، يطمح ابن رشد بأن يحوز لقب معلّم الإنسانيّة بعد أرسطو المعلّم الأوّل. فهو يناظر أرسطو من وراء نصوصه، ليحوّل العبارة الأرسطيّة في جملة كتاب ما- بعد الطبيعة أو “الفلسفة الأولى” بعبارة الكندي إلى مائدة فلسفيّة يدور حولها النّقاش أنّى تصبح الفلسفة مفتاحا لكلّ العلوم الفقهيّة والكلاميّة والسّياسيّة والأخلاقيّة وليس كائنا غريبا أو شبحا مخيفا غير مرغوب فيه ومضنون به على غير أهله. وبذلك يمكن تقديم العقل على النّقل، أو الحكمة على الشّريعة ممّا يشرّع للقول بتنزيل منزلة العقل مقام الربوبيّة ممّا جعل فلسفة ابن رشد محلّ جدل بين المتكلمين المعتزلة والأشاعرة (الغزالي) والمتصوّفة لاسيّما ابن عربي في “الفتوحات المكيّة” في حوار مشهور يتلخّص في  “نعم” و”لا[12]. وهذه المشادّة الكلاميّة هي دفعت الغزالي لجلد الفلاسفة بغرض “تكدير مذهب الفلاسفة والتّغيير في وجوه أدلتهم بما يبين تهافتهم وإبطال دعواهم.” وتكفيرهم في ثلاثة مسائل في كتابه المشهور “تهافت الفلاسفة” من بين عشرون مسألة: أولا؛ قدم العالم، وثانيا؛ إنكارهم علم الله بالجزئيات، وثالثا؛ إنكارهم البعث الجسماني.[13]

غير أنّ اللافت للنظر، أنّ الفيلسوف ابن رشد سيدافع عن الحكمة ويغلظ القول في الغزالي إلى اعتبار قوله شناعة. حيث يقترح عليه تغيير “تهافت الفلاسفة” بإسم “التّفاهة” أو “تهافت أبي حامد” أو “كتاب التهافت بدون الإضافة إلى الفلاسفة.[14] ومن خلال هذه التّوطئة الّتي نحتها الفيلسوف المسكيني كنصّ فلسفي يحمل في طيّاتها جملة من الأعمار الّتي تبيّن سبب نفي ابن رشد إلى مدينة أليُسانة المدينة اليهوديّة، مدينة الآخر. وإن كان ذلك كذلك، نستنتج من هذه اللوحة المعلّقة على جداريّة أنفسنا العميقة بأنّ ابن رشد بالفعل كان خطيرا إلى حدّ اللّعنة، حيث نستشف من مشهديّة موته بمراكش وحمله إلى قرطبة حسب وصف ابن عربي المتأثر به إلى حدّ النّخاع من خلال تقييده لمشهديّة موته[15] واعترافه بكونه “من أرباب الفكر والنّظر العقلي” رغم اختلافه معه في الجمع بين “نعم ولا“، ويعني بالجملة الجمع بين النّظر الفلسفي والكشف الوجداني. فهو يبرئ الفيلسوف من التّهم الملصقة به.[16] ولعلّ خطورة ابن رشد لم تكن مفزعة داخل فضاء الملة فقط، بل هاجرت نحو أوروبا المسيحيّة في القرون الوسطى. فوقع وأد فكره الفلسفي وتنصيب مِقْصَلة لأفكاره ولمنتحليه حيث ترصد له توما الإكويني 1270 في “مقالة ضدّ ابن رشد” وليبنيتز 1720 “في محاولات في العدل الإلاهي” وأرنست رنان في كتاب صار أشهر من نار على علم “ابن رشد والرشديّة” 1852.

لذلك علينا أن نسأل للتّو: ماذا يوجد في جعبة ابن رشد حتّى تشيّد له “بنوكا غضبيّة” (سلوتردايك) تدّخر من العداء الفكري والديني والسّياسي والرّمزي مثقلة بمدلولات تنّم عن رفض الآخر إلى حدّ نزع صفة الفيلسوف عن ابن رشد وتحويله إلى مجرّد “شارح كبير” حتّى لا يحفظ مقامه في الذّاكرة الإنسانيّة. بلا ريب، ثمّة نزعة تيموسيّة تسعى لشطب إسم الفيلسوف المزعج والمقلق ومقضّ لمضاجع الحكّام والسّاسة والفلاسفة. أَليس “التيموس” العدائي هو من حرّك أوروبا المسيحيّة اللاتينيّة لمحو آثار ابن رشد وتحويله إلى شبح هلاميّ أو بالأحرى إلى جملة مخرومة الجوانب لا معنى لها، وبلا هويّة وبلا سند ديني والذّهاب رأسا إلى حرمانه من حقه الأدمي في الوجود؟

بيد أنّ الفيلسوف فتحي المسكيني يفلسف عبارة “المنفى” من خلال النّظر في وضعيّة ابن الرشد. فهو يصبو من منظار هذه التّوطئة إلى رفع الإلتباس الّذي حفّ بالفيلسوف ابن رشد الّذي نفي مرّتين من فضاء الملّة سواء الملّة الدينيّة أو ملة اللاّهوت المسيحي. ومن خلف هذه الأسئلة المربكة الّتي تومئ إلى أنّ المنفى هو آلة من آلات الدّولة لمعاقبة مخالفيها وإلجام الفلاسفة عن ممارسة التّفكير الفلسفي. وهي آلة تبدو أنّها من فرط استخدامها تعطبت ولم تعد صالحة في أفق الدّولة ما –بعد الأمة. إذ أصبح الفيلسوف متحررا من كلّ الأمكنة الّتي تحاصره وخرج من جلدته ليعرف، أو بالأحرى من “برميله” (ديوجان) بلا عناوين تحدّه وبلا أسماء تقيّده بما هو ليس ملكا لأحد وإنّما صار ملكا للجميع. إذ ينبجس العالم من بين يديه محلقا في دوائر الوجود الرّحب بلا ميتافيزيقا يوميّة تأسره ومفصحا عن فنّ الوجود الّذي ينشده وعن شكل الحياة الّتي يرنو إليها عاضّا على نواجذه قصد تأنيثها. لذلك تبدو محاسبة الفيلسوف تهكّما أسودا على النّوع البشري، حيث يقول الفيلسوف فتحي المسكيني بنبرة حادّة: “ولذلك فإنّ محاسبة الفلاسفة كما لو كانوا أشخاصا هو تهكّم أسود على النّوع البشري، كثيرا ما يلام الفيلسوف على عدم ظهوره. ولكن ماذا أعددنا له حتّى يظهر بيننا؟ ابن رشد كان مرتبة أو موجة عليا من أنفسنا القديمة. وليس ما يدلّ على أنّنا احتفظنا بها لوقت طويل.”[17]

ههنا نعيد كرّة السّؤال من جديد: أليس محاسبة الفيلسوف تعدّ ضربا من “الهَكَامَة[18] السّوداء على الجنس البشري؟ وما توجيه اللّوم عليه إلاّ ضربا من الإغراء وربّما أصدق إنباء ما قاله الشّاعر أبو نواس: “دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء/ وداوني بالّتي كانت هي الدّاء”. لذلك يمكن اعتبار الفيلسوف “مداوي الكلوم[19] بعبارة ابن عربي وهو مداوي الجروح ومبرئ سقم الكليم /المجروح.

بلا مُماحكة فلسفيّة، يذهب الفيلسوف فتحي المسكيني إلى ترتيب أفكارنا على النّحو الّذي فيه تستجيب لحمل ثقل العالم وأطلسه[20] وتتحوّل إلى ضرب من فنّ الإتيقا اليوميّة التي تضطلع بتحسين بيبليوغرافيا اليأس الّذي ران على مصادر نفوسنا العميقة قصد تيسير تغييره على نحو لا نبدو فيه كالـ”متشائل” (إميل حبيبي) أو مثل تشاؤم أبو العلاء المعري في لزومياته أو تشاؤم الفيلسوف المعاصر إميل سيوران في جلّ كتاباته[21]. فليس ثمّة في الوجود ما يستحق التّضحية من أجله، وإنّما على الفيلسوف أن لا يسأم من تكاليف الحياة حتّى وإن بلغ الثّمانين حولا بخلاف ما يقوله الشّاعر زهير بن أبي سلمى في معلقته الحوليّة. فعلينا أن ندرّب أنفسنا على تحمّل ثقل وزن الأرشيف الّذي تنطوي عليه أنفسنا كما تحمّل ابن رشد ثقل المنفى وما تركه من آلام في نفسه وما أحدثه من جراحات ما تزال بعد تندمل في ذاكرتنا. فيجب إذن أن نحسن الضّيافة مع تراث مصادرنا العميقة ونستشف من ذلك بشكل سريّ وغير مباشر لسؤال يطرحه الفيلسوف فتحي المسكيني بضرب من “الخبث الفلسفي” (سلوتردايك) يسدل به السّتار على التوطئة الرائعة من جهة الطرح لمسألة نفي ابن رشد إلى „أليُسانة“ والمرعبة من جهة ما تطرحه من إشكاليات جدّ راهنيّة: “وعلينا أن نسأل مرة أخرى: أيّة ضيافة يحقّ لنا أن نعده بها منذ الآن؟”[22]

هو سؤال عنيد، يضعنا أمام عتبة الوجود “منذ الآن” ويرنو إلى إفتكاك معنى الضّيافة من قبضة الأنطولوجيا الّذي تحرّك وفقها كانط لتأسيس “مفهوم الضيافة” تحت مظلة كونيّة غير مشروطة وكذلك يفلت من أسر التفكيكيّة لمفهوم “الضّيافة الخالصة[23] الّتي حدّق إليها دريدا بدون شروط تلقي بالآخر في جبّة الصّداقة مع الأنا. ولكن السّؤال المبحوث عنه يشرئبّ عنقه نحو مفهوم الضّيافة الّتي تصبح “مأدبة” تلتقي حولها الأصدقاء. ليس مأدبة أفلاطون الّذي تأخّر عنها الفيلسوف سقراط.

ههنا يبدو منذ الوهلة الأولى أنّ الفيلسوف فتحي المسكيني يوجه النّظر الفلسفي نحو مستقبل الفيلسوف من وراء سؤاله عن مفهوم الضّيافة التّي يرنو إليها تحت يافطة “أنطولوجيا الرّاهن” (فوكو) ملفتا نظره نحو المشاكل الرّاهنيّة الّتي تدور فوق مساحة الممكن الّذي تتحرّك ضمنه وتشبه بالكاد الكواكب السّيّارة الّتي تدور بشكل سرّي دون أن نتفطن إلى انحرافاتها وتعرجاتها وفلتاتها في مساحة اليومي الّذي نعيشه. وليس ذلك فحسب، بل هو سؤال متموج يحفر في طبقات أنفسنا الدّفينة عن مستقبل الفيلسوف خارج فضاء الملّة عن هذا النّوع من الجنس البشري الموصوف بالفيلسوف. لذلك علينا أن نسكّ السّؤال بكدّ الرويّة وننبس به داخل غرفنا المظلمة؛ كيف يمكن لنا أن نحسن ضيافة الفيلسوف في أفق ما- بعد العقل الهووي (فتحي المسكيني)[24]، أو ما- بعد العصر الكولونيالي (إدوارد سعيد)[25]، أو ما- بعد إنساني (بيتر سلوتردايك)[26] أو في نهاية (بعد) ما- بعد حداثي (رؤول إزيلمان)[27]؟ كما يروّج إليه اليوم في سرديات أدبيّة يومئ إليها جيورجيو أغمبان في كتابه “الإنسان بلا محتوى[28] (l’Homme sans contenu).

1.1.2 الباب الأوّل: يتفرع إلى خمسة شذرات؛ .§1. بعنوان مثقل بالدّلالات؛ الثقوب السّوداء[29]،  و.§ 2. بعنوان؛ نرسيس والحطيئة أو لماذا نكره أنفسنا؟[30]، و§. 3. بعنوان؛ المراهقة الملحدة أو ماذا تبقّى من الأب؟[31]، و.§ 4. بعنوان؛ الهويّة والكراهية أو هل تحتاج الشّعوب إلى الإنفعالات الحزينة؟[32]، و§. 5. بعنوان؛ ما هو “التعايش”؟…إجابة الفلاسفة[33].

************

المصادر والمراجع:

[1]- إنّ عبارة “العقل الهَوَوي” صارت لفظة مستقرة في كتابات الفيلسوف فتحي المسكيني وهي عبارة عن مصطلح فلسفي مستحدث من حيث الدلالة وقديم من حيث المسألة وقد برع الفيلسوف في تجديلها على نحو طريف ومثير لحساسيّة متفلسفي القرن الحالي. وربّما هذا الإشتقاق المستحدث في عبارة “العقل الهَوَوي” جريا على عادة الفيلسوف الكندي في كتابه: من رسائل الكندي؛ رسالة في الفلسفة الأولى، تقديم محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر، الطبعة الأولى، 2006، صص.88-89-90، حيث ينحت من عبارة الهُويّة ألفاظا جديدة تحسب له مثل: “تَهَوَّى، تَهَوِّي، مُتَهَوَ، تَهَوِّيه”.

[2]فتحي المسكيني الفيلسوف التونسيّ النّشأة من مواليد 1961، (بو سالم) بتونس. هو يشتغل حاليا أستاذ التعليم العالي في الفلسفة المعاصرة بجامعة تونس المنار. بدأ تدريس الفلسفة في الجامعة منذ 1990. وتحصل على شهادة دكتوراه الدولة في الفلسفة في جوان 2003 من جامعة تونس. الشّاعر والفيلسوف الغزير الإنتاج من مؤلفاته: –هيغل ونهايّة الميتافيزيقا، دراسة لعلم المنطق، دار الجنوب، تونس، 1997. –فلسفة النّوابت، دار الطليعة، بيروت، 1997. –الهويّة والزمان، تأويلات فينومينولوجيّة لمسألة الـ”نحن”، دار الطليعة، بيروت، 2001. –نقد العقل التأويلي أو فلسفة الإله الأخير، هيدغر من الأنطولوجيا الأساسيّة إلى تاريخ الوجود، مركز الإنماء القومي، بيروت، 2005. –الفيلسوف والإمبراطوريّة، في تنوير الإنسان الأخير، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2005. وأعيد طبعه ثانيّة؛ الدين والإمبراطوريّة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، 2016. –الهُويّة والحُريّة، نحو أنوار جديدة، دار جداول، بيروت، 2011. –الهجرة إلى الإنسانيّة، منشورات ضفاف، بيروت، 2016. وله ترجمات عديدة منها نقله عن الألمانيّة : – فريدريش نيتشه، في جينيالوجيا الأخلاق، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2010. – مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2012. – إمانويل كانط، الدين في حدود مجرد العقل، دار جداول للنشر، بيروت، 2012. –هنس زند كولو، المثاليّة الألمانيّة، الشّبكة العربيّة للأبحاث والنّشر، بيروت، 2012، بالإشتراك. – كذلك له مقالات ونصوص فلسفيّة بلغة الضاد وباللسان الأجنبي؛ الفرنسيّة في مجلات دوريّة أو مجاميع صادرة في تونس أو في الأقطار العربيّة. كما ترجمت بعض مقالاته إلى اللغة الألمانيّة مثل:

– Fethi Meskini, Zur Identität der Revolution. Frankfurt, 2012 ;- Fethi Meskini, Der andere Islam, Kultur, Identität, Demokratie. hrsg. v. Sarhan Dhouib/ Hans Jörg Sandkühler, Lang, Frankfurt, 2015, (S,160),

[3]– جاك دريدا، صيدليّة أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998.

[4]– نفس المرجع، ص.49: 4-الفارماكون.

[5]الطّرسُ هو محو الكتابة ثمّ إعادة كتابته مرّة ثانيّة، وفي معجم “لسان العرب” يقال: الطِّرْسُ  الصحيفة ، ويقال هي التي مُحِيت ثم كتبت ، وكذلك الطِّلْسُ . ابن سيده: الطِّرْسُ الكتاب الّذي محي ثم كتب ، والجمع أَطْراس وطُروس. الليث: الطِّرْس الكتاب المَمْحُوُّ الّذي يستطاع أَن تعاد عليه الكتابة ، وفِعْلُك به التَّطْريسُ . وطَرَّسَه : أَفسده . وفي الحديث : كان النّخَعِيُّ يأْتي عبيدة في المسائل فيقول عبيدةُ: طَرِّسْها يا أَبا إِبراهيم أَي امْحُها ، يعني الصحيفة . يُقال : طَرَّسْتُ الصحيفة إِذا أَنعمت محوها .

[6]– طه عبد الرحمان، من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، المؤسسة العربيّة للفكر والإبداع، لبنان-بيروت، الطبعة الثانيّة، 2016.

[7]– فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانيّة، منشورات ضفاف، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2016، ص.11.

[8]– نفس المرجع،  ص.12.

[9]– نفس المرجع، ص.12.

[10] نفس المرجع،  صص.12-13.

[11]– فتحي المسكيني، النّوابت، دار الطليعة- بيروت، الطبعة الأولى، 1997، ص.109؛ ابن رشد والإستعمال العمومي للعقل. را: الهُويّة والزمان،  دار الطليعة- بيروت، الطبعة الأولى، 2001، ص.107؛ الفصل الرابع: ابن رشد والإغريق أو كيف حلّ فلاسفتنا مسألة “الآخر”؟؛ المجلة التونسيّة للدراسات الفلسفيّة، ابن رشد اليوم، من ص.61 إلى ص.72، عدد 19، السّنة 1998.

[12]– محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكيّة، المجلد الأوّل، الباب الخامس عشر، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1999، ص.235: “ولقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد ابن رشد وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به عليّ في خلوتي فكان يظهر التعجّب مما سمع، فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي فإنه كان من أصدقائه وأنا صبيّ ما بقل وجهي ولا طرّ شاربي. فعندما دخلت عليه قام من مكانه إليّ محبة وإعظاما فعانقني وقال لي: نعم، فقلت له: نعم، فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم إنّي استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له لا، فانقبض وتغيّر لونه وشكّ فيما عنده وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي هل هو ما أعطاه لنا النّظر؟ قلت له نعم لا وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادّها والأعناق من أجسادها، فاصفّر لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل وعرف ما أشرت به إليه وهو عين هذه المسألة التي ذكرها هذا القطب الإمام أعني مداوي الكلوم… فإنّه كان من أرباب الفكر والنّظر العقلي.”

[13]– أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق وتقديم سليمان دنيا، الطبعة السّابعة، دار المعارف، 1987. را: ابن رشد، تهافت التهافت، تقديم محمد العريبي، دار الفكر اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى، 1993، ص. 329: “وهذا الرجل (الغزالي) كفر الفلاسفة بثلاث مسائل. أحدها: هذه. وقد قلنا كيف رأي الفلاسفة في هذه المسألة. وأنها عندهم من المسائل النّظريّة. والمسألة الثانيّة قولهم: إنه لا يعلم الجزئيات وقد قلنا أيضا: إن هذا القول ليس من قولهم. والثالثة قولهم بقدم العالم. وقد قلنا أيضا أن الّذي يعنون بهذا الإسم ليس هو المعنى الّذي كفرهم به المتكلمون.”

[14]– ابن رشد، تهافت التهافت، مرجع سابق، ص.98.

[15]– محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكيّة، المجلد الأوّل، الباب الخامس عشر، مرجع سابق، ص.235: “فالتفت أبو الحكم إلينا فقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه وهذا الإمام وهذه أعماله يعني تواليفه، فقال له ابن جبير: يا ولدي نعم ما نظرت لا فُضَّ فُوك. فقيّدتها عندي موعظة وتذكرة.”

[16]– محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكيّة، المجلد الأوّل، مقدمة الكتاب، الجزء الثالث، نفس المرجع، ص.57: “إذ الفيلسوف ليس كلّ عمله باطلا، فعسى تكون المسألة فيما عنده من الحق.”

[17]– فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانيّة، مرجع سابق، التوطئة، ص.15.

[18]– عبارة نحتها الفيلسوف محمد محجوب من لفظة السّخريّة (Ironie).

[19]– محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكيّة، المجلد الأوّل، الباب الخامس عشر، مرجع سابق، ص.235: “مداوي الكلوم” وهو المشار إليه بإدريس النّبيّ والّذي اعتبر أوّل فيلسوف نطق بالحكمة وهو المسمى في سفر التكوين من التوراة باسم “ماتوسالم بن أخنوخ” وقد عاش 365 سنة ويدعى أيضا “هرمس الهرامسة المثلث بالعظمة” وأشار إليه ابن عربي بنور المنبعث من الشّمس. وليس ابن عربي يقول ذلك بل أيضا يشير إليه بيتر سلوتردايك في كتابه “الدوائر، المجلد الأول؛ الفقاقيع” ويسمى “هرمس تريسمجيست ” : را:

-Peter Sloterdijk, Bulles, Sphères I, Librairie Arthème Fayard/Pluriel, 2002, p.619 : « Dans les sources islamiques, le fondateur mythique de la philosophie, Hermès Trismégiste, est nommé Idrîs .»

[20]– أشار الفليلسوف بيتر سلوتردايك إلى أسطورة “الأطلس فرناس” الّذي تجشم حمل الأرض فوق كتفيه في كتابه “الدوائر؛ المجلد الثاني، الكرات“، را:

-Peter Sloterdijk, GlobesSphères II, traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Meta-Editions, 2010, Introduction ; p.41 : « L’Atlas. », aussi ; p53 : « Le globe céleste sur les épaules de L’Atlas Farnèse. », aussi ; p.55: «cette figure d’Atlas dotée d’une puissance humaine semble chuchoter une maxime à celui qui regarde : « exister, c’est porter le poids du monde. »

[21]– إميل سيوران، لو كان آدم سعيدا، ترجمة وتقديم محمد لطفي اليوسفي، أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الثانيّة، 2014؛ إميل سيوران، المياه كلّها بلون الأزرق، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، كولونيا-ألمانيا، الطبعة الأولى، 2003؛ سيوران، تاريخ ويوتوبيا، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، بغداد، الطبعة الأولى، 2010.

[22]– فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانيّة، مرجع سابق، ص.15.

[23]– جاك دريدا- إليزابيث رودينيسكو، ماذا عن الغد؟، ترجمة سلمان حرفوش، دار كنعان، دمشق، 2008، ص.113 وما بعدها.

[24]– فتحي المسكيني، الإسلام الآخر، الثقافة، الهويّة والديمقراطيّة؛ را:

-Fethi Meskini, Der andere Islam, Kultur, Identität, Demokratie. Op.Cit.

را: المجلة “الأدبيّة السّياسيّة الحديثة” الصادرة باللغة الألمانيّة من ص.580 حتى ص.582 تلخص أهمّ المشكلات التي طرحها الفيلسوف فتحي المسكيني حول الإسلام الآخر والحضارة والهويّة والديمقراطيّة:

-Fethi Meskini  In;Neue Politische Literatur, Jg. 62 (2017), p.582:“Der‘ Islam, der ,andere‘ Islam enthält somit nach wie vor eine mögliche Antwort auf das Identitätsbedürfnis menschlicher Existenz, bewege sich aber bereits in Richtung des universellen homo communis. Die Vergleichbarkeit der Situationen von Christen, Juden und Muslime dürfe nur nicht dazu führen, dass Letztere die Geschichte der Ersteren, das heißt deren partikulare Modernisierung nachholen wollen. Ein eigener Zugang zum (modernen) Selbst ist unerlässlich. Meskinis komplexe Perspektive plädiert für das Aushalten unlösbarer Widersprüche. SeineةPosition lässt sich als ein Kosmopolitismus der Differenz beschreiben, wie er auch von Kwame Anthony Appiah vertreten wird, mit dem er ebenso das Bemühen teilt, die Fallstricke des Relativismus zu vermeiden.“

[25]– إدوارد سعيد، الإستشراق، المعرفة، السّلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربيّة، الطبعة السّابعة، 2010. را: مجلة الإستغراب، ما-بعد الإستعمار، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجيّة، بيروت، العدد 12، صيف 2018.

[26] Peter Sloterdijk, Règles pour le parc humain, traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, édition, Mille et une Nuits, 2000, p.17 : « Nous avons quitté l’ère de l’humanisme des temps modernes, considéré comme un modèle scolaire et éducatif. » Voir aussi: )Regeln für den Menschenpark, Ein Antwortschreiben zu Heideggers Brief über den Humanismus, Suhrkamp Verlag, Francfort am Main, 1999, S, 12:“Die Ära des neuzeitlichen Humanismus als Schul- und Bildungsmodell ist abgelaufen.“”إنّ المدرسة كصورة نموذجيّة لعصر الإنسانويّة الحديثة قد عفى عليها الزمن.” , aussi Ibid., p.50 : «on en viendra sans doute, à l’avenir, à entrer dans le jeu de manière active et à formuler un code des anthropotechniques. Un tel code transformerait aussi, rétroactivement, la signification de l’humanisme classique.». aussi; )Regeln für den Menschenpark. ebd., S, 45:“ wird es in Zukunft  wohl darauf ankommen, das Spiel aktiv aufzugreifen und einen Codex der Anthropotechniken zu formulieren. Ein solcher Codex würde rückwirkend auch die Bedeutung des klassischen Humanismus verändern.“)

[27]– Raoul Eshelman. Performatism, or the End of Postmodernism,

in: http://ewa.home.amu.edu.pl/eshelman_chapter01.pdf.

را: كتابات الباحثة الفلسطينيّة أماني أبو رحمة حول مصطلح “بعد ما-بعد الحداثة” عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

[28]– جورجيو أغمبان، الإنسان بلا محتوى، ترجمة أماني أبو رحمة، دار أروقة للدراسات والترجمة والنّشر، القاهرة، 2019.

[29]– فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانيّة، مرجع سابق، ص.19.

[30]– نفس المرجع، ص.21.

[31]– نفس المرجع، ص.25.

[32]– نفس المرجع، ص.33.

[33]– نفس المرجع، ص.38.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This