أصل الحياة وتطوّرها (ج1)

دراسة في دراما نشأة التّركيبات البيولوجيّة وتطوّرها

مقدمة :

تشكّل الحياة في نشوءها وتطوّرها نموذج رائع ومحكم نستطيع من خلاله التماس روعة عالم مادي أنتجت قوانينه أروع مأثرة، هي الحياة. فكيف يمكننا تقصّي تلك المأثرة؟ الجواب هو (من خلال العلم) الّذي يضعنا وجهاً لوجه أمام الكون لاكتشاف عظمة ما يحمل من قوانين مهّدت لتحوّل الحياة ليست إلى احتمال كبير وحسب، بل إلى ضرورة حتميّة.

نشوء الحياة والخليّة الأولى

إنّ الحياة، بالمعنى البيولوجي، كانت في نشأتها وتطوّرها مرتبطة ومتشابكة بصورة واسعة مع تطوّر الوسط المحيط الّذي بدأت تنتشر فيه، وقد أصبحت حقيقة بديهيّة بالنّسبة للعلماء أنّ التّطور في انتشار الحياة يتطابق مع تكيف الكائنات الحيّة في كلّ لحظة، وبصورة متتابعة ودقيقة، مع الإمكانيات والضّرورات المتعدّدة للوسط الّذي تعيش فيه. لكنّ النّظرة المقلوبة لهذه المقولة، على الأقلّ في المراحل الأولى من تطوّر الحياة، صحيحة أيضاً، ذلك أنّه وفي الحقبة الأولى من التّطور، تكيّف المحيط أيضاً وبصورة مذهلة مع متطلبات الكائنات الحيّة النّاشئة، أي أنّ مجموعة الشّروط البدئيّة الّتي أحاطت الكوكب الأرضي في بداياته، ساهمت في نقل الحياة من إمكانيّة إلى ضرورة لا مناص منها، ذلك أنّ تطوّراً معيناً على سطح الكوكب الأرضي قد بدأ ولعدّة مئات الملايين من السّنين قبل ظهور البنى العضويّة الأولى، وسار في منحى لم يجعل نشوء الحياة ممكناً وحسب، بل جعله أمراً حتمياً لا مناص منه.

وهنا لا بدّ لنا من عرض موجز بسيط عن تكون الكوكب الأرضي والمراحل الّتي مرّ بها قبل تكون المفهوم البيولوجي للحياة.

لقد تكوّنت الأرض من عناصر جاءت من أعماق الكون، هذه العناصر هي عبارة عن خليط من المواد اللاّعضويّة البسيطة المحتوية على جميع العناصر الّتي نراها اليوم على كوكبنا، إنّها العناصر الّتي كانت بدورها منبثقة عن العنصر الأولي البدئي الّذي نشأ مع بدايّة تكون المادّة المعروفة بعد حوالي 300 ألف عام عن نشأة الكون، وهو عنصر ” الهدروجين ” أوّل وأخفّ العناصر، ويشكّل (مع الهيليوم)  العنصر الأساسي المنبثق عن الانفجار الكوني الكبير. وبالتّالي يبدو أنّ كلّ شيء كان قد بدأ من غيمه هائلة من الهدرجين، وقد مرّ بعد الانفجار الكوني فترة  9-10 مليار سنة (أحدث تصوّر مفترض لعلم لعمر الكون هو 13،7 مليار عام) حتّى كوّن الغبار الكوني شمسنا وكواكب مجموعتنا الشّمسيّة بما فيهم كوكبنا الأرضي.

وبعد نشوء الأرض من التحام الغبار وانضغاطه بتأثير جاذبيته الخاصّة، أصبح لدينا جرم سماوي ذي كتلة محدّدة وحاصل على جاذبيّة ضغطت الغلاف الغازي المحيط بالأرض، كما أنّ البعد الثّابت عن الشّمس وحقلها الكهرطيسي، أدّى إلى توفّر شروط شعاعيّة وحراريّة شديدة الخصوصيّة على الكوكب، فقد بزغت الشّمس في تلك الفترة بقوة تقدر بـ 70 بالمائة فقط من قوّتها الحاليّة، وكان عندها الغلاف الجويّ الأرضي لا يحتوي على أوكسجين، وبإمكاننا تصوّر بضعة أصوات خلف الرّياح الخاليّة من الأوكسجين مثل هسيس الحمم المصطدمة بالمياه أو دوي النّيازك حيث لم يكن هناك أي نباتات أو حيوانات أو بكتريا أو فيروسات.

وقد بدأ الغلاف الجوي الأرضي بالتّشكل والتّبلور نتيجة الأبخرة المتصاعدة عن البراكين العديدة المتفجرة على سطح الكوكب النّاتجة عن الحرارة العاليّة في تلك الفترة، تلك الأبخرة كانت مكوّنة بشكل أساسي من بخار الماء، ومقادير من غازات الفحم، والميثان، والأمونيا، ومع تساقط بخار الماء الّذي كون مجموعة غيميّة هائلة، تكوّنت البحار الأولى.

هناك نظريّة أخرى حديثة تقول بأنّ مجموعة هائلة من المذنبات المائيّة قد انهمرت على الأرض في الفترات الأولى من تشكّلها قد أتاحت وجود أكثر الماء الموجودة على سطحها، وهو نفس الأمر الّذي حصل على الكواكب الداخليّة (المريخ والزّهرة وعطارد) لكنّ عطارد، كان أصغر وأحرّ من بقاء مياه أو غلاف جوي على سطحه بسبب قربه من الشّمس، أمّا الزّهرة، الّذي يمتلك كتلة قريبة من الأرض، فأنّه كان أيضاً أقرب إلى الشّمس، ما جعل كميّة التّبخر على سطحه عاليّة جداً الأمر الّذي جعله يمتلك غلاف جوي هائل زاد درجة الحرارة لدرجة أصبحت البيئة عليه غير صالحة لتطوّر الحياة، أمّا المريخ، فقد كان صغيراً وبالتّالي لم يمتلك الجاذبيّة المناسبة لدرجة أفتقد غلافه الجوي الّذي كان من الممكن أن يدعم بقوّة تطوّر الحياة على سطحه.

ولعدم وجود الأوكسجين في تلك الفترة، كانت الأشعة فوق البنفسجيّة تخترق الجوّ الأرضي بشكل مستمرّ، ومن المؤكّد أنّ تلك الأشعة استطاعت النّفاذ إلى عدّة أمتار في الماء الغنيّ بالجزيئات الكيميائيّة المتعدّدة فيها، وذلك أدّى لتحريض الجزيئات المعنيّة في ذلك العمق لتتجمّع مشكلة قطع بناء أكبر، ونفس الأشعة الّتي سبّبت نشوء تلك القطع، عملت على تفكيكها أيضاً، وبذلك نتجت دورة متواصلة من البناء والتّفكيك.

وبما أنّ الشّعاع الشّمسي لا يمكنه النّفاذ إلى الطّبقات الدنيا من قاع المحيط (لا يتفذ أكثر من 10 م من مياه البحار) فإنّ قسم من الجزيئات الأكبر استطاع أن يحتمي في الأعماق غير مبال بطبيعة الدورة العمليّة في الأعالي، وقد تسبّبت الأشعة فوق البنفسجيّة بطاقتها القويّة، في تفكيك المياه نفسها إلى موادها المؤلّفة من أوكسجين وهدرجين، وبالتّالي حدث على سطح البحار ما يسمّى بالتّفكك بالضّوء. أمّا الهدرجين فقد تصاعد خارج نطاق الجاذبيّة الأرضيّة الّتي لم تستطع أن تبقيه في مجالها لخفتّه، وبقي الأوكسجين في الغلاف الجويّ الأرضي مشكّلاً حاجزاً منيعاً في وجه استمرار تدفّق الأشعّة فوق البنفسجيّة، وعندما تكثف بدرجة معينة في الجوّ، منع تفكك الجزيئات الموجودة في الماء بتوقف بمنعه الكامل للأشعة فوق البنفسجيّة من النّفاذ، وهو ما سمّي بقانون “الكبح العكسي”. وعند ذلك، توقّفت آليّة نشوء الخلايا العضويّة المنقسمة، لننتقل إلى آليّة أخرى هي تطوّر هذه الخلايا العضويّة، وبالتّالي فإنّ نشوء الحياة على الكوكب لم يحدث هكذا فجأة ومن دون أي مقدّمات، إنّ نشوء الحياة على الأرض قد حصل خلال عمليّة تطوريّة شديدة التّعقيد والبطء ذات تسلسل دقيق ومنسجم وخالي من القفزات وصحيح بصورة مذهلة.

أمّا عن مصدر تكون تلك المكوّنات الأولى للخلايا الحيّة ومكان ذلك فقد قدمت ثلاثة احتمالات وفق الآتي :

  • النّظريّة الأولى: تقول أنّ الحياة بدأت في كرة من الثّلج وقد طرح هذه النّظريّة العالم (جيفري بادا) ** إذ أكّد على أنّه كلما كانت درجات الحرارة أكثر برودة، كلّما كانت المرّكبات أكثر ثباتاً. وقد أمّدتنا الأنقاض البين كوكبيّة، والمنافذ المائيّة الحراريّة، والتّفاعلات في الغلاف الجويّ، بمركبات مثل الفورمالديهايد والسّيانيد والأمونيا الّتي اتّحدت فيما بعد في الماء داخل شبكة من الثّلج، ونتج عن هذه العمليّة الحمض الأميني المعروف “بالجليسين” وفي النّهاية ربّما تسبّب تصادم حجر نيزكي ضخم بذوبان هذه الثّلوج.
  • النّظريّة الثّانية: تقول أنّ الحياة نشأت في بركة، وهي فكرة العالم (جوستاف آرينوس) * الّذي أكّد على فكرة أنّ التّجمعات الصّغيرة من مياه الأمطار الجاريّة فوق سطح الأرض، هي الوسيلة الأكثر احتمالاً للحصول على التّركيز الضّروري من المكوّنات. فضلاً عن ذلك ربّما تحوي البركة مركّبات مركّزة على الأسطح الداخليّة للأملاح المتواجدة في صورة ألواح، وهي الألواح الّتي تجتذب جزيئات معينة وتعمل كمحفز في التّفاعلات الكيميائيّة اللاّحقة. هكذا تمّ اتّحاد اثنين من جزيئات فوسفات الألديهايد لتكوين فوسفات السّكر وهو مركب تمهيدي محتمل لجزيء (RNA  ).
  • النّظريّة الثّالثة: تقول أنّ الحياة قد نشأت في مرجل حارّ، وقد طرحها العالم الكيميائي (جونتر فاشتر شاوزر)* *إ1 يرى أنّ الأرض كانت بركانيّة في كلّ مكان، وكانت الغازات المنبعثة من الصّخور المنصهرة تتسرّب بصورة دائمة من السّطح مرشحة لمركبات حيويّة.

والواقع أنّه بغضّ النّظر عن ما يمكن أن يقال عن كلّ نظريّة فإنّه قد يتبادر على أذهاننا سؤال مفاده، كيف أمكن لهذا الخليط البدئي المكوّن من كربون وأمونيا وميثان أن يشكّل خليّة حيّة بالمعنى البيولوجي للكلمة؟

في الواقع إنّ مسألة النّشوء العضوي من المرّكبات اللاّعضويّة كانت مشكلة في وجه العلماء بدت وكأنّها غير قابلة للحلّ، فقد كانوا يعرفون أنّ المركبات تنتجها كائنات حيّة، ولكنّهم كانوا يحتاجون إلى تفسير وجودها كمقدمة لنشوء الكائنات الحيّة الّتي لم تكن لتوجد بعد، في هذا الظّرف الحرج قام بالخطوة الحاسمة طالب من جامعة شيكاغو يدرس الكيمياء اسمه (ستانلي ميلر)، ففي العام 1953 قام باختبار الحالة الّتي كانت فيها الأرض في بدايات نشوءها وفق نموذج مصغّر، حيث قام بتفريغ شحنات كهربائيّة شبيهة بنموذج البرق والصّعق الّتي كانت موجودة في ظروف الأرض الأولى، في وعاء مائي يحوي محلول من غازات الميثان والأمونيا، وقد ترك التّفريغ مستمراً لمدة 24 ساعة فقط، أمّا النّتيجة فقد كانت أجرأ من كلّ التّوقعات. لقد أدّت الطّاقة النّاتجة عن التّفريغ الكهربائي السّتمر إلى إنتاج ثلاثة من أهمّ الأحماض الأمينيّة دفعة واحدة هم (الغليزين، والألانين، والآسبارجين) هذه الأحماض هي ثلاثة من أصل ما مجموعه 20 حمض أميني يكوّن جميع أنواع البروتينات البيولوجيّة الموجودة على الأرض، الّتي تشكّل قاعدة التّنوع الحيوي المذهل الّذي نراه. وقد تمكّن بعد ذلك العالم الروسي (تيريغين) من الحصول على نفس الأحماض الأمينيّة التّي حصل عليها ميلر، ولكن باستعمال الأشعة فوق البنفسجيّة.

كذلك قام البروفسور (ج . شرام) بمزج نكليوتيدات بمشتق من حمض الفوسفوريك، ورفع درجة حرارة المزيج إلى 60 مئويّة، فحصل على سلاسل جزيئيّة تتكون من 30 إلى 200 نكليوتيد تتّحد مع بعضها البعض. ومع أنّنا ما زلنا بعيدين عن الـ 5 ملايين زوج من النّكليوتيدات، التّي تكون RNA)) البكتريا، فإنّ هذه التّجارب بيّنت على أنّ اللّبنات الأساسيّة للمادّة الحيّة قد تكوّنت بوفرة تحت تأثير الطّاقة الحراريّة الشّعاعيّة خلال الحقبة الأولى من عمر الأرض.

ماذا نستنتج من ذلك؟ إنّه لمن المعروف – حتّى لغير الكيميائيين – أنّ بعض العناصر تتحدمع بعضها بطريقة سهلة، وبالتّالي فإنّ نشوء الرّوابط الكيميائيّة ما بين هذه العناصر يكون أكثر احتمالاً من نشوء البعض الآخر، وهذا له علاقة ببنيّة القشور الإلكترونيّة المحيطة بنواة الذّرة، وبالتّالي فإنّ التّطابق في بنيّة هذه القشور يتيح الاتّحاد السّريع، وفي حالات أخرى لا يحصل التّفاعل إلاّ ببطء كبير، أو بعد تزويد العمليّة بكميات طاقيّة كبيرة. كما أنّ هناك بعض العناصر الّتي تكون قشرتها الإلكترونيّة محكمة الإغلاق إلى درجة تصبح معها غير قادرة على التّفاعل مع عناصر أخرى، وهي تسمّى بالغازات الخاملة، هنا يسهل علينا التّحدث عمّا يسمى “الاستعداد للتّفاعل”، فلأسباب مشابهة من حيث المبدأ حصلت عمليّة تشكّل الحموض الأمينيّة الثّلاثة في التّجربة المذكورة وفق مرحلتين:

ففي المرحلة الأولى: تحطمت مواد التّجربة الأساسيّة (الميثان والأمونيا والماء) بواسطة التّفريغ الشّحني.

وفي المرحلة الثّانية: اتّحدت تلك النّتاتيف مجدداً مع بعضها البعض، لكن عند اتّحادها لا تشكّل المواد الأساسيّة مجدّداً في صيغتها السّابقة وحسب، وإنّما يشكل جزء من تلك النّتاتيف روابط جديدة من بينها عدد غير قليل من الرّوابط الكيميائيّة الأكبر والأكثر تعقيداً.

نستنتج من ذلك أنّه قبل تشكّل الحياة على الأرض كانت هناك عمليّة طويلة من التّعقّد غير الحيّ المتزايد، الّذي يطلق عليه عادة “التّطور الكيميائي”. فتحت تأثير تدفّقات المادّة والطّاقة، كضوء الشّمس، والنّشاط البركاني، والبرق، وربّما التّحلل الشّعاعي في باطن الأرض. تشكّلت جزيئات معقّدة بشكل متزايد، ولعلّ هذه الجزيئات وصلت من الفضاء الخارجي وتلائمت مع المزيج الكيميائي للجوّ الأرضي. وعند نقطة محدّدة في الزّمن، لعلّ عمليّة ذاتيّة من التّنظيم الذّاتي قد شاركت في ذلك، ما أدّى لنشوء الحياة.

وقد قام العلماء باستخدام مسابر فضائيّة تعمل بالرّاديو للبحث عن مختلف الرّوابط الكيميائيّة الموجودة في الفضاء، حيث أشارت المعلومات إلى مقدار وشموليّة العناصر الموجودة في الكون للاتّحاد مع الجزيئات الّتي يدور حولها الحديث هنا. لقد اكتشفت تلك المسابر أولاً وجود الرابطة O   H وأيضاً الأمونيا، والميثان، كذلك روابط الفحم- الكبريت. بالإضافة إلى ذلك فقد كشفت الأبحاث الّتي قامت على مذنب هال – بوب (الّذي ظهر في سماءنا سنة 1997) عن وجود عناصر من الماء والأمونيا وسيانيد الهدرجين، وهي كما ذكرنا وحدات يمكنها التّفاعل فيما بينها لتكوين الأحماض الأمينيّة المكوّنة للبروتينات. إنّ اكتشاف هذه الرّوابط في الفضاء، ليس وثيقة قاطعة على ميل جميع العناصر إلى الالتحام وحسب، بل تشير إلى الاحتمال الكبير لنشوء الجزيئات الّتي نتحدّث عنها، كما أنّها تدفعنا لإمكانيّة التّفكير في وصول بعض الجزيئات المتواجدة في الغلاف الجوي الأرضي الأولي قادمة من أعماق الفضاء، وعليه فقد تكون بعض الرّوابط الهامّة في التّطور اللّاحق نحو الحياة، قد تشكّلت أولاً في الفضاء، ثمّ انتقلت فيما بعد إلى الأرض. لكنّنا حتّى لو نظرنا من هذا المنظار، فلن تكون الحياة هي من هبط من الفضاء، ولكنّ جزءاً من الرّوابط الكيميائيّة المهيئة مع ظروف أرضيّة مناسبة هي من مهد لنشوء بدايات الحياة.

وبصورة عامّة، تقودنا تجربة ميلر إلى عدة اعتبارات: فهي تشير أوّلاً، وبطريقة مدهشة، كم هي بسيطة الطّريقة الّتي تكونت بها المركّبات العضويّة اللاّزمة للحياة بطريق لا عضوي. كذلك فهي تشير إلى أنّ الاستعداد النّوعي، أي النّزعة للاتّحاد الكيميائي الموجودة لدى المواد المتوفّرة عند الانطلاق لتشكيل الرّوابط الّتي نعرفها كمكوّنات للحياة، كانت كبيرة بصورة مذهلة ومتميزة. بتعبير آخر: إنّ هذه المركّبات البيولوجيّة قد أصبحت وحدها قطع بناء الحياة اللاّحقة، لأنّ العناصر الّتي تشكّلت لخلافة الهدروجين كانت مركّبة بشكل أنّها فضلت ودعّمت نشوءها. بذلك يزول الغموض على نشوء مكوّنات الحياة الأولى، ويصبح قابلاً للتّفسير بسهولة ويسر، فعندما نفترض وجود الهدرجين بخصائصه المتميزة، ونضيف إليه قوانين الطّبيعة كحقيقة قائمة، ليس لدينا أي خيار آخر تصبح نشوء مكوّنات الحياة أمر لا مناص منه.

وهنا تحديداً تبدأ دراما تكون الحياة البيولوجيّة، فبعد التّوزع اللاّعضوي للجزيئات والعناصر في المياه الأرضيّة، أصبحت الأرض في نهاية تلك الحقبة ممتلئة بالرّوابط الكيميائيّة المعقّدة، ومن بينها ما نعتبره اليوم من المكوّنات الأساسيّة للحياة، وما حصل بعد ذلك هو أن بدأت مع تلك الرّوابط الكيميائيّة عمليّة أطلق عليها مرحلة (التّطور الكيميائيّة قبل الحيويّة). ويطلق على السّيناريو المرجّح أكثر من غيره في الوقت الحالي لبداية الحياة ( عالم الرنا ” R  N A ” ) وهو يتكوّن من تشكل ذاتي لجزيئات الرنا، التّي كان في استطاعتها أن تحمل المعلومات وتحفّز تفاعلات مهمّة، بما في ذلك تكاثرها الخاصّ. ولعلّ هذا التّجميع لجزيئات الرنا قد أنتج أوّل خليّة حيّة قادرة على العيش، ومن بين الأدلّة الّتي تدعم هذه الفرضيّة أن جزيئات الرنا الآن موجودة في كلّ أشكال الحياة، وبالكثير من الأحجام المختلفة.

إنّ ما حصل في هذه المرحلة من التّاريخ، كان عمليّة انتقائيّة من قبل الوسط المحيط لدفع التّطور باتّجاه الحياة، وقد مضى وقت طويل في مرحلة الاصطفاء تلك، فكان عمر الأرض حوالي مليارين من السّنين، وبعد هذه المدّة الطّويلة، بدأت المركبات الّتي غربلها واصطفاها التّطور الكيميائي وهي حموض أمينيّة، وبورينات، وسكريات، وبورفيرين، بالتّفاعل مع بعضها لتكون الخليّة المنقسمة الأولى. إنّ هذه الحموض الأمينيّة هي من كون الأساس الأولي لتكون البروتينات والحموض النّوويّة DNA  الّتي تعتبر مخزن بناء الخليّة باحتوائها على الشّيفرة الوراثيّة، حيث تقوم بتخزين سلاسل محدّدة تماماً من الحموض الأمينيّة على هيئة شيفرات ثلاثيّة أسسيه. ووفقاً لهذا النّموذج، تستطيع الخليّة تشكيل جميع الأجسام البروتينيّة الّتي تحتاجها لتجديد بنيتها، وبالدّرجة الأولى لتشكيل الأنزيمات، الّتي تلعب الدّور الأساسي في عمليات الهدم والبناء الخليوي. وعليه يبدو من الواضح أنّ الحموض الأمينيّة تملك خصائص مثلى للتّخزين، كما أنّ البروتينات تصلح وضمن شروط بيولوجيّة معيّنة، لأن تكون قطع بناء مناسبة بصورة خاصّة. هكذا يمكن القول أنّ البروتين قد كوّن مادّة الحياة الأولى، فالمادة البروتينيّة تحمل على الدّوام شحنة كهربائيّة تجعلها في تفاعل مع الأجسام المكهربة المحيطة بها، فهي تتذبذب كما يتذبذب الحديد بالقوّة المغنطيسيّة، هذا التّذبذب هو في النّهاية أقرب الأشياء إلى الإحساس والتّحرك اللّذين هما من خواص الأحياء.

وإذا عدنا إلى تسلسلنا التّاريخي نرى أنّه وبعد مرحلة الاصطفاء الكيميائي، في الفترة الواقعة ما بين 3،4 – 4  مليار سنة، كانت هاتين الجريئتين (وهما البروتينات والمحمض النّووي  DNA) قد التقيتا ضمن ظروف مكّنت قدرتهما الفائقة على التّكامل والعمل لأوّل مرّة، وليس من شكّ أنّ هذا اللّقاء قد أطلق الشّرارة الأولى الّتي منها بدأت عمليّة الانتقال من التّطور الكيميائي إلى التّطور البيولوجي. وهنا ولإزالة سوء الفهم الّذي تقع فيه معظم أدبيات تنتقد نظريّة التّطور البيولوجي، يجب أن نميّز بين الانتخاب التّراكمي (حيث يُستخدم كل تحسين مهما كان صغيراً، كأساس للبناء في المستقبل)، والانتخاب بخطوة واحدة (حيث كلّ محاولة جديدة هي محاولة أولى)، فلو كان على التّقدم بالتّطور أن يعتمد على الانتخاب بالخطوة الواحدة، لما وصل إلى شيء. أمّا إذا كان ثمّة طريقة حيث يمكن أن تُقام الظّروف الضّروريّة للانتخاب التّراكميّ بقوى الطّبيعة” العمياء حقيقة” فإنّ النّتائج قد تصبح غريبة ومدهشة. وواقع الأمر أنّ هذا هو ما حدث بالضّبط فوق كوكب الأرض، ونحن أنفسنا نعد من أحدث هذه النّتائج إن لم نكن أغربها وأكثرها إدهاشاً.

إنّ المصادفة والعشوائيّة عنصر ضئيل في الوصفة الداروينيّة، أمّا أهمّ عنصر فيها فهو الانتخاب التّراكمي (الّذي يشمل من ضمن ما يشمله الطّفرات الّتي هي فقط عشوائيّة ) الّذي هو في جوهرة لاعشوائي”. إنّ التّطور يتكوّن أساساً من تكرار لانهائي للتّكاثر، وفي كلّ جيل يأخذ التّكاثر الجينات الّتي يمّده بها الجيل السّابق، ويناولها للجيل التّالي ولكن مع تغيرات عشوائيّة طفيفة أي “طفرات”. والطّفرة تكون + 1 أو – 1 مضافاً إلى قيمة جين تمّ اختياره عشوائياً، وهذا يعني أنّه بتواصل الأجيال، فإنّ الكمّ الكلي للاختلاف الوراثي عن الجدّ الأصلي قد أصبح كثيراً جداً بالتّراكم، وإنّما بخطو صغير في كلّ مرّة. ورغم أن الطّفرات عشوائيّة، فإنّ التّغير التّراكمي عبر الأجيال ليس عشوائياً، والذريّة في أي جيل واحد تختلف عن والدها في اتّجاهات عشوائيّة. لكنّ انتخاب من يذهب قدماً من تلك الذريّة إلى الجيل التّالي لا يكون عشوائياً، وهذه هي النّقطة الّتي يدخل عندها الانتخاب الدارويني. فمعيار الانتخاب ليس الجينات ذاتها، وإنّما هو الأجساد الّتي تؤثّر الجينات في شكلها من خلال النّمو.

وقد ساعدت الاكتشافات الجديدة العلماء على إماطة اللّثام عن كيفيّة نشوء واستقرار الحياة الأولى على الكوكب الأرضيّ، كاكتشاف الكائنات الدّقيقة المحبّة للحرارة المسمّاة (الثّرموفيلات) إذ تعتبر هذه الكائنات من الإحفوريات الحيّة الّتي يعود تاريخها إلى الأيّام المبكّرة من عمر الأرض، فهي من أكثر الكائنات بدائيّة، الأمر الّذي دفع العلماء للقول أّن الحياة الأولى ربّما بدأت حول الينابيع البركانيّة الحارّة في قاع المحيطات، حيث المواد العضويّة الأكبر الهابطة إلى القاع، وبالتّالي غير المتأثّرة بعمليات التّفكك الحاصلة فوق السّطح المائي، ويبدو أنّ هذه الينابيع الحارّة أنتجت سوائل فائقة السّخونة محمّلة بالمعادن والمركّبات الغنيّة بالطّاقة الّتي زودت التّفاعلات الكيميائيّة اللاّزمة لنشوء الحياة بما يلزمها من الطّاقة، وقد طوّرت هذه الثّرموفيلات جزيئات ال  DNAوالبروتينات، كما أنّها ابتكرت وسائل لتسخين الضّوء الشّمسي لإنتاج الغذاء والأوكسجين، لكنّ ذلك لم يحدث هكذا دون مشاكل، فالخلايا البدائيّة قد تعرّضت لمشاكل بيئيّة كبرى هدّدت وجودها، وبالتّالي اقتضى الأمر تكيّفاً واصطفاءً لاستمراريّة مكتسبات الحياة الأولى وتطوّرها، فكيف حدث ذلك؟

*******

*  اختصاصي بالكيمياء الحيويّة لطبقات الأرض في معهد سكريبس لتخطيط المحيطات في لاجو بولاية كاليفورنيا .

* كيميائي في ميونخ بألمانيا .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق