النّساء والإرهاب

يتمثّل أحد الفروق البارزة الأخرى بين الإرهاب والحرب في الظّهور اللاّفت للنّساء في عمليات إرهابيّة. بدءًا من فيرا زاسوليتش — الّتي قامت بأوّل هجوم مسلّح لحركة نارودنك عندما أطلقت الرّصاص على حاكم سانت بطرسبرج في عام ١٨٧٨ — إلى وفاء إدريس — أوّل عربيّة «انتحاريّة» في إسرائيل في يناير ٢٠٠٢ — أصبحت النّساء في مقدمة الصّفوف، وبناءً عليه أصبحن رائدات في إعادة رسم دور المرأة. بل وقد كان ما يقرب من ربع عدد الإرهابيين الروسيين في القرن التّاسع عشر من النّساء، وهي نسبة ربّما لم يفقها سوى الإرهابيين الألمان والأمريكيين في سبعينيات القرن العشرين. كان ثلث (٣٣٪) الشيوعيين المنظمين لتحرير الطّبقة العاملة في إيطاليا من النّساء، و٣١٪ من منظمة الألوية الحمراء في إيطاليا أيضًا من النّساء. هل يرجع هذا إلى أنّ الأعمال الإرهابيّة — من حيث أنّها صغيرة النّطاق ولا تسعى إلى «القتال» العسكري التّقليدي — تتميّز بأنّها ليس لها متطلّبات كثيرة على المستوى البدني؟ أم إلى أنّ الجماعات الإرهابيّة (مع بعض الاستثناءات البارزة) كانت تميل إلى أن تكون تقدميّة؟ أم فقط لأنّها أصغر حجمًا من أن تنفذ عمليات عسكريّة يغلب عليها الطّابع الذّكوري الّذي يميّز الجيوش النظاميّة المعتادة؟من الصّعب تحديد الأسباب: فقد ركّزت الدّراسات الجادة القليلة الّتي أجريت حتّى الآن على دوافع النّساء للقيام بأعمال إرهابيّة أكثر من التّركيز على آليات عمل المنظمات الإرهابيّة.

وقد لوحظ بروز النّساء من وقت لآخر (وإن كان يجب الإشارة إلى أنّه على الرّغم من بروزهنّ، لا يزلن أقليّة)، وهو ما يستدعي تقديم تفسيرات. قدَّم أحد أهمّ خبراء الإرهاب البارزين وهو والتر لاكور مؤخّرًا تأكيدًا لا يخلو من التّعالي، يفيد أنّ «الإرهابيات أكثر تعصّبًا ولديهنّ قدرة أكبر على المعاناة. ودوافعهنّ عاطفيّة في المقام الأوّل ولا يمكن تغييرها من خلالها الجدل الفكري.» تدعو هذه الافتراضات، الّتي يبدو أنّها تدور حول قوالب تقليديّة، إلى إثارة عدد من الأسئلة: ماذا — على سبيل المثال — يمكن أن نفهم من الصّفة «متعصّب»؟ ربّما يمكن تفسير دور العديد من النّساء في «العمليات الاستشهاديّة» (أكثر من ثلث الانتحاريين الشيشان بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠١٠ كانوا من النّساء، وكان يطلق عليهنّ «الأرامل السّوداء») بصورة أقلّ مبالغة كنوع من الانتقام لتعذيب وقتل أشقائهنّ وأزواجهنّ.

كتبت غيئولا كوهين — إحدى المحاربات في عصابة شتيرن الصهيونيّة (ليهي) في فلسطين في أربعينيات القرن العشرين — عن قراءتها الأولى لنشرة ليهي «هتشازيت»: كانت هذه هي المرّة الأولى في حياتي الّتي أرى فيها الأحرف الاثنين والعشرين للأبجديّة العبريّة وقد انتظمت في صفحة خصوصًا من أجلي. شعرت وكأنّني أكتب تلك الكلمات لا أقرأها.
كان ذلك بمنزلة توحّد فوري، ومع ذلك كانت ترى اختلافات بينها وبين رفاقها من الذّكور.

متى كنت أصحب أيًّا من الرّجال وهم في تنفيذ عمل مّا، كنت ألاحظ دومًا تلك النّظرة المتلهفة اللاّمعة في عيونهم ونفس النّظرة التوَّاقة المتوترة على وجوههم، إنّها نظرة ترقّب لهدف منشود للتّضحية، وكنت أعرف أنّ هنا كانت تكمن شرارة النّار البدائيّة الّتي تولد فيها الحقيقة … ذلك النّوع من التّوتر الّذي ينطلق منه الفنان ولا شكّ.

بالنّسبة لكوهين، أملت قواعد البيولوجيا أنّ النّساء لا يولدن أبدًا ليصبحن فنانات أو مقاتلات: فأداء الرّجال أفضل من النّساء على أرض المعركة؛ ليس فقط لأنّهم الأقوى، بل: لأنّ أرواحهم تتعطّش أكثر من تعطِّش روحك لهزيمة الموت الّذي ستهزمينه يومًا مّا داخل جسدك.

*****

المصدر:

تشارلز تاونزند: الإرهاب: مقدمة قصيرة جدًّا،  ترجمة: محمد سعد طنطاوي، مراجعة: هبة نجيب مغربي، مؤسّسة هنداوي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This