الهندسة الاجتماعيّة لجسد المرأة* (ج2)

قراءة مشتبكة في كتاب ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعيّة "لفاطمة المرنيسي".

 

 

2-النّسويّة العربيّة ومأزم الخطاب:

يكتسي مفهوم الجنوسة Gender اليوم في الدّراسات الثقافيّة المعاصرة أهميّة كبرى، نظرا لخصوصيّة خطابهِ وللأدوات والمنهجيات الّتي يوظّفها، والمعارف الّتي يشتبكُ معها، فإذا كانت بدايات الخطاب الجنوسي عبارة عن حركات اجتماعيّة- سياسيّة، تتلخّص اهتماماتها الأولى حول حقوق الإنسان والمرأة خصوصا، فإنّ الأمر الآن أضحى مختلفا تماما، فمن المنازعات الثنائيّة بين الذّكورة والأنوثة ومسألة الحقوق، نحو المسألة الثّقافيّة وتعدّد الخطاب النّسوي ومرجعياته، فمسألة الجنوسة اليوم تقاس بناءً على المستوى الثّقافي-الاجتماعي، الّذي يجعل من مسألة تأويل الذّات الجُنسويّة وموقعها داخل البنى الاجتماعيّة، الثّقافيّة، السّياسيّة، تأويلا اشكاليا وواقعا معاشا بكلّ ثقله.

وإذا كانت المرنيسي كما يرى فريد الزّاهد إحدى المدافعات عن وضعيّة المرأة في الإسلام التّاريخي، “انطلاقا من مرجعيّة تحرريّة راهنة تستهدف تبيان موقع المرأة في التّاريخ والتّراث العربيين وهو ما قامت به المرنيسي في الحريم السّياسي وسلطنات منسيات”[1]. فإنّ هذا الرّهان الّذي تطمح إليه المرنيسي إنّما هو منازعة للخطابات الّتي تملكت المرأة في اللّحظة الرّاهنة، فوضع المرأة قياسا إلى عهد الإسلام المبكر أو في الفترتين الأمويّة والعباسيّة وما بعدها، كانَ متقدما ولا يشهد هذا الانكفاء والهيمنة. وما وضعها في حيز الحجاب إلاّ تعبير حقيق عن مدى انتكاسة الخطاب الّذي يتصدى للمرأةِ وقضاياها. لكن رغم هذه العودة إلى النّبش في تاريخ الإسلام والبحث عن كينونة المرأة ووجودها وفق تيمة العصر، فإنّ المرنيسي لم تبرح الأفق الأيديولوجي الّذي يتحرّك فيه إطار الخطاب الدّيني المهيمن، ذلكَ أنّ القراءة الّتي قامت بها، قراءة إيديولوجيّة لم تصل المدى المؤسّس للمعرفة الدّينيّة، أي لم تتم إنجاز قطيعة بين خطاب مؤسّس تأسيسا ابستمولوجيا وبين خطاب إيديولوجي يعيد إنتاج البنيّة ذاتها. الشّيء الّذي أدّى بقراءة المرنيسي للنّص الدّيني ولكافة الآثر والمرويات، بالمحصّلة إلى قراءة متضمّنة لنفس البنى التّقليديّة، وإن كانت المرجعيّة الأساس هي التّحرر، وإعطاء المرأة مكانتها في المجتمع المغربيّ والعربيّ.

يرى تيّار النسويّة الإسلاميّة[2]، الّذي تمثله المرنيسي أنّ المشكلة ليست في الإسلام بل في التّفسير الّذي أعطي للإسلام، لذا فإنّ قضيّة المرنيسي الأولى، أن تخلّص الإسلام من طبقات التّاريخ الّتي تراكمت وعلّقت بأساسه، وإعادة النّظر في جملة أحكامه الشرعيّة والفقهيّة، وإبراز دور المرأة في الإسلام وامتداداته التّاريخيّة، وإخضاع هذا التّاريخ للمسألة والتّأويل في ضوءِ متغيرات الحاضر وطبيعتهِ تقول بصدد هذا  في مقدمة كتابها: إنّ هدف الكتاب هو تقديم قراءة سوسيولوجيّة للتّغيرات الّتي تعيشها العائلة في المغرب، وبالتّالي فإنّ اعتماد التّراث التّاريخي والفكري الإسلامي ليس مجرد دعوة إلى الماضي، لأنّ الاهتمام بالماضي نابع من الرّغبة في فهم الحاضر وإضاءته. ولذلك فإنّ قراءة الماضي لا تكتسب أهميتها إلاّ من كونها أداة لفرز أشكال التّصورات عن العائلة والعلاقة بين الجنسين. إنّها لا تطمح إلى منافسة كتابات الفقهاء والمؤرّخين بقدر ما تهدف إلى تعامل منهجي محدّد مع التّراث”[3]. وبقدر ما يدل هذا الشّاهد على حدود الكتاب ومجاله بقدر ما يرسم لنا الغرض التّأويلي لصورة المرأة في الإسلام والبنيات الفاعلة الّتي تتداخل فيها، فالامتداد التّاريخي للإسلام، والخطاب التّقليدي للفقهاء، والعائلة والمجتمع والهيمنة الذكوريّة Man dominant، وتحديد المجال، ورمزيّة الجسد وخصوصيته في المجتمع المغربي، ومستجدات التّحديث في المغرب الحديث، كلّها بنيات فاعلة في المرأة، تغمط حقها في المساواة والحريّة، هذا بالجملة ما تجعله المرنيسي عائقا أمام تقدّم صورة المرأة وتطوّرها في اللّحظة المعاصرة.

من جهة أخرى عملت المرنيسي على رصد التّمثلات الاجتماعيّة عن المرأة في المجتمع المغربي، فالتّوثيق الّذي قامت به والبيانات والاحصائيات الّتي قدّمتها تبرز بشكل جلي أنّ هذه التّمثلات تعاني من خلل بنيوي، وفي تقديري أنّ هذا الخلل مرتبَط ببنيّة التّقليد الّتي تسيطر على البنى الأساس في المجتمع رغم مظاهر التّحديث السّائدة، فالتّراث هو التّراث لا هويّة له ما لم نمنحها له، ولا قراءة تتفاعل معه إلاّ بالإضفاء الّذي نضفيهِ عليه، وبالتّالي؛ فإنّ الخلل الأساس لا يسكن التّراث أو العودةِ إليه وتنقيحهِ أو تفكيكهِ، بقدرِ ما هو خلل في البنيّة الاستبداديّة الّتي تبغي المحافظة على كياناتها من خلال بنى المجتمع، ورغم هذا فإن الخطاب النّسوي، لا يجد غضاضة في تَكرار نفس الأزمة الدّائمة الّتي درجَ عليها الفكر العربي، في التّفكير داخل ثنائيّة فجّة، تعاضض الجلاّد وتناصره.

المشكل إذن ليسا تراثيا محضا، وهذه قضيّة أولى، أمّا القضيّة الثانيّة الّتي تجسد مآزم الخطاب النّسوي في السّياق العربي، هو أنّه محصور في مسألة الجنوسة، وهذا ما يلاحظ على المرنيسي فقراءتها للتراث تحفل بمعجم ثنائي، وفي الحقيقة يجسد هذا التّصور عدم الوعي بخلفيّة بنيّة الاستبداد- التّقليد، الّذي يوهم أنّ المشكل الأساس جنوسي، وليس أشياء آخرى من قبيل الاستبداد، الرّأسماليّة، إخضاع جسد المرأة لرغبات المجتمع، تسليع صورة المرأة، هذه كلها مشاكل غابت في متنِ المرنيسي، إذ اقتصر دورها على انعكاسات التّراث على الذّهنيّة والممارسات الاجتماعيّة، دونَ أن تنفذ إلى مكامن الخلل الّذي يتجلى في نسقيّة السّلطة، الّتي تتعمّد إنتاج بنيتها التّقليديّة عبرَ البنى الاجتماعيّة.

3-الجسد المستلب في سياق النّسق التّقليديّ

إنّ محاولة تفكيك نظام التّقليد-الاستبداد، عبر فهم طرقهِ والأدوات الّتي يسخرها تنفيذاً لأغراضه، هي المحاولة المهمّة والمنوطة بالفكر العربي، إذا ما ابتغى سياقا ديمقراطيا، ومجالا تمارس فيهِ الخطابات بكلّ تَلاوينها دورها، وربّما يكمنُ أحد هذهِ الأدوار في كشف اللّثامِ عن تقاطعات بنيّة الاستبداد والمعرفة مع الجسد، وتظلّ إشارات المرنيسي في هذا الكتاب جديرة بالاهتمام، لاسيّما أنّها طرقت موضوعة الجسد، ولنقل أنّ بنيّة الاستبداد عندنا دائما ما تراهن على الجسد، جسد المرأة بالخصوص، الّذي ما تفتأ كلّ لحظة وحين إلى استعمالهِ في منطقة الحجاب، لا من أجل الصّراع عليه بل من أجل التّنافس فيه، كي لا يتسلّل خارج هذه المنطقة،  أي خارج سلطة التّقليد –الاستبداد. الّتي لا يريد للجسد الجنوسي أن يبارزه في فضاءاته المتعدّدة، بل يعمد للحفاظ على جملةِ خطاباته (أي لممارساته وأنشطته وطريقة انتشاره وتوزعه)، ومن هنا ندركُ أنّ الجسد هو محلٌ لإبراز الخطاب وسلطتهِ، تحصل بهذا أن تمّ حجز الجسد الجنوسي اجتماعيا وأنطولوجيا، وهذا هو محلّ الحجاب، الحجاب كفضاء لا يصلح إلاّ للتّواري والتّخفي وفيه تتمّ كلّ ممارسة مباحة ومستباحة، وكأنّ الحجاب هو المنطقة الطبيعيّة الّذي يتواجد فيه جسد المرأة، وتحضر المفارقة هنا أن يكون الحجاب كفضاء هو محلّ التّجريب وانبثاق مجال التّقليد-الاستبداد.

وإذا كانَ الجسد أحد رهانات التّقليد-الاستبداد، فإنّ الرّغبة في الجسد والمحافظة عليه في منطقة الحجاب، هي أولويّة المجتمعات التّقليديّة تقول المرنيسي: “يتحدّد سكان العالم المنزلي بكونهم كائنات جنسيّة، إنّهم يعرفون بواسطة أعضائهم الجنسيّة وليس بواسطة معتقداتهم. وهم لا يتمتّعون بالوحدة ويعانون من الانقسام إلى فئتين: الذّكور الّذين يمتلكونَ النّفوذ والنّساء اللاّئي ينتمين انتماءً كاملاً إلى العالم المنزلي، واللاّئي يعتبر وجودهن خارجه شيئا غير معتاد واقتحاما لعالم غير عالمهن، تابعات للرّجال الّذين تتوفر لهم جنسيّة ثانيّة بفعلِ انتمائهم إلى المجال العام، أي المجال الدينيّ والسّياسيّ ومجال السّلطة وتسيير الأمّة”[4]. وحقيقة وحدهم الرّجال من ينتمون إلى مجال السّلطة، فالبنيّة لم تتغيّر رغم الطّابع الحداثي للمجتمع المغربيّ، فبيّن نظرة المرنيسي في الأمس ولحظتنا اليوم، خيط رفيع يربطنا بين اللّحظتين، وهو أنّ مجال التّقليد- الاستبداد لازال كما هو، بل أضحى يتمدّد ويتوغّل في كافّة أنسجةِ المجتمع.

على سبيل الختام:

قدّمنا في هذه الورقة، تصوّر المرنيسي حول التّشكلات الجنسيّة في المجتمع المغربي، وإذا كانت نظرة المرنيسي، تؤكّد على فاعليّة التّراث في حياتنا الاجتماعيّة، الثقافيّة، السّياسيّة، فإنّ هذه النّظرة رغم رسوخ استعمالاتها، إلاّ أنّها تظلّ أحد الصّور المحيطة بنا، والّتي تفسّر عمليات التّشكلات الجنسيّة في مغرب اليوم، فماذا عن وضعيّة المرأة اليوم رغم ما نراه ونشاهده من عوامل التّحديث؟ لماذا لا زالت وضعيّة المرأة لم تتغيّر هل يعود الأمر فقط إلى بنيّة التّراث؟ ولماذا لم ينجز الخطاب الجنوسي العربي تغيّيرا على مستوى البنى أو الممارسة مثلما أنجز الخطاب الجنوسي الغربي؟ هذه كلّها أسئلة تظلّ على عاتق الخطاب الجنوسيّ العربيّ، عليه إنجازها، كي لا يظلّ رهيناً وصدى للخطاب الذّكوريّ العربيّ.

******

* قدمت هذه الورقة بمركز مدى في أبريل من سنة 2019.، احتفاء بالسّوسيولوجيّة المغربيّة فاطمة المرنيسي.*

 

[1] فريد الزّاهي، الصورة والآخر رهانات الجسد اللغة والاختلاف، (سوريّة، دار الحوار للنشر والتّوزيع، الطبعة الأولى 2013)، 15.

[2] فهمي جدعان، خارج السّرب بحث في النسويّة الإسلاميّة الرّفضة واغراءات الحريّة، (لبنان، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، الطبعة الثانيّة 2012)، 42. ” والمقصود هما “النسويّة الإسلاميّة” من جهة ما هي منهج في إعادة قراءة التّاريخ الإسلامي والنصوص الدّينيّة وتأويلها، وتأسيس حقوق النساء والمساواة، فضلا عن تحديد معالم “رؤيّة تحرريّة نسويّة للقرآن” لا تخرج أصحابها أو صاحباتها من حدود الدين والإيمان.

[3] فاطمة المرنيسي، مرجع سابق، 8.

[4] فاطمة المرنيسي، المرجع نفسه،152.

******

بيبليوغرافيا:

1-المرنيسي فاطمة: ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعيّة، تر: فاطمة الزّهراء أزرويل، لبنان-بيروت، المركز الثّقافي العربي، الطّبعة الرّابعة 2005.

2- الزّاهي فريد: الصّورة والآخر رهانات الجسد اللّغة والاختلاف، سوريّة، دار الحوار للنشر والتّوزيع، الطبعة الأولى 2013.

3-جدعان فهمي، خارج السّرب بحيث في النسويّة الإسلاميّة الرّافضة وإغراءات الحريّة، لبنان-بيروت، الشبكة العربيّة للأبحاث الطبعة الثانية 2011.

4-يوسف ألفة: ناقصات عقل ودين.. فصول في حديث الرّسول (مقاربة تحليليّة نفسيّة)، تونس، دار سحر للنّشر والتّوزيع الطّبعة الثّالثة.

5-جوديث غيفيل: معجم فوكو، باريس، منشورات البسيس طبعة 2008.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This