هامشٌ لمذكرات لم يكتبها أحد / يحيى مسعود

ملاحظة المحرر: ينشر يحيى مسعود هذا الحوار، الذي أجراه مطلع تسعينيات القرن الماضي مع معارض سوري منفي في ألمانيا، بعد وفاة الرجل الذي كان مطّلعاً على التجارب السياسية في سوريا منذ نشوء الدولة السورية. وقد فضَّلَ أبو سامي عدم تدوين تجاربه تلك، حتى أنه طلب من الكاتب عدم نشر الحوار وقتها، وها نحن ننشره بعد وفاة صاحبه دون الإشارة بشكل واضح إلى اسمه وانتمائه، حفاظاً على حقه في الصمت إلى الأبد

أبو سامي: فقدتُ القدرة على الكتابة، لا أذكر متى حصل ذلك، لكنني الآن لا أستطيع أن أكتب سطراً واحداً ذا معنى. لذلك سأروي هذه القصة لك، ربما يمكنك أنت أن تكتبها، لكن قبل أن أبدأ، يجب أن أقول لك إنني شخص يسهل أن أنسى مسار القصة خلال الحديث، ولذلك عليك أن تساعدني. لكن أرجوك أيضاً، إذا رأيتني مسترسلاً لا تقاطعني، لأنني سأنسى أيضاً من أين أبدأ مجدداً.

يحيى: هل يجب أن أسألك؟

أبو سامي: لا، اذكر فقط الموضوع الذي تريد الحديث عنه، وسأروي القصة كلها. الأسئلة تجعل الإجابات حائرة بين قول كامل القصة، وبين قول ما يجب قوله فقط.

يحيى: اليوم.

أبو سامي: رغم أنه بدا طبيعياً للغاية عندما استيقظت، إلا أنني اكتشفتُ خلال نزهتي القصيرة قبل الإفطار أنني لا أستطيع التفكير بشيء آخر؛ وجهه الملتبس في الحلم، أو الكابوس ربما، كان مخيفاً. كنتُ مشتاقاً له وخائفاً منه في الوقت نفسه، ظننته يطاردني بعينيه، لكنني عندما دققتُ فيهما وجدتهما فارغتين؛ لا عيون، مجرد محجرين أسودين غائمين في الحقيقة.

عندما استيقظت لم أكن أذكر ذلك الحلم، لكن الصورة عادت بينما كنت أمشي، وفي تلك اللحظة قررتُ أن أتصل بك لتأتي حالاً، إذ قررتُ الحديث إليك، ليس لأساعدك في الحقيقة، بل لأساعد نفسي. ربما الكلام، مجرد الكلام، سيساعدني.

يحيى: الحلم.

أبو سامي: أكون واقفاً في صالون بيتنا القديم، المكان هادئ جداً، بإمكانك سماع صوت الصمت، لكن الغبار يملأ المكان، غبار رمادي، رائحته مثل الجدران الطينية.

أدخل إلى الغرفة المجاورة، أجد الحائط الخارجي وقد زال تماماً، بينما الغرفة كلها، خشب الأثاث، والأرضية والسقف، والأغراض، ملتفّةٌ حول بعضها على شكل إعصار. أمام كلّ هذا يقف سامي، ينظر إليّ من دون عيون كما قلتُ لك.

يحيى: سامي.

أبو سامي: صديق الطفولة… مات.

يحيى: المذكرات.

أبو سامي: لا أعرف إذا كانت كتابتها فكرة جيدة. حتى وأنا خارج سوريا، سيكون باستطاعة إبراهيم حويجة أن يصل إليّ، لقد قتل كمال جنبلاط قرب ضيعته. لكن كما قلتُ لك، الكلام مفيد ومسلٍّ، وقد بدا لي أن الحديث مع شخصيات خيالية سيودي بي إلى الطبيب النفسي، بينما الحديث إلى الطبيب النفسي قد يدفعني إلى الحديث لاحقاً مع شخصيات خيالية، لذلك كنتَ أنتَ الخيار الأفضل. وأنتَ تريدني أن أكتب مذكراتي، إذن تعال اكتبها أنت.

يحيى: أديب الشيشكلي.

أبو سامي: هل تعلم أنّ الشيشكلي دخل إلى سوريا متخفياً بعد استقالته نتيجة الانقلاب في حلب. كان قد وافق على خطة بريطانية لإعادته إلى السلطة في دمشق من خلال تدبير انقلاب جديد، وكان يحاول مع عدد من الضباط المقربين منه التواصل مجدداً مع أنصارهم في الجيش، لكن الأمر لم يكن سهلاً، وجرى كشف المخطط. أعتقد أن الأميركيين قد كشفوا المخطط لعبد الناصر، وهو ساهم -دون علم منه ربما- في إنهاء مخطط يهدف لمساعدة البريطانيين في العودة إلى الشرق الأوسط. لكن هل كان البريطانيون سُذّجاً إلى هذه الدرجة، من يعوّلُ على الشيشكلي مجدداً! ومن يعوّلُ على حركة في الجيش في ذلك الوقت، بعد أن كان الشيشكلي قد أفرغه مما بقي فيه من ضباط كبار ومؤثرين.

لو سألوني وقتها، لكنت قلت لهم أن يأخذوا موافقة الأميركيين الصريحة أولاً. هؤلاء هم الآن من يقرر ما يحدث، لكن كيف كان لك أن تقنع قوة عظمى أنها لم تعد كذلك، لقد تطلّبَ الأمر التهديد باستخدام السلاح النووي في حرب العام 56.

hmshun_lmdhkrt_lm_yktbh_hd-web.jpg

يحيى: عدنان المالكي.

أبو سامي: كان شجاعاً، إلى درجة أنه استقبل الشيشكلي العائد من مصر في عزّ جبروته وقال له على سلالم الطائرة؛ «عليك أن تستقيل». من يبني كتلة ضباط في الجيش من الشيوعيين والشوام!؟ ومن يريد أن يعين ضابطاً أرمنياً كرئيس للأركان نكاية بشقير الذي لم يكن يحبه، ومن يعادي مصر وأميركا معاً؛ كان ذلك يشبه دعوة مفتوحة لاغتياله، وبينما قالت التحقيقات إنّ القوميين السوريين هم من قتلوه، قال آخرون إنّ جمال عبد الناصر كان له يد في القصة. أنا برأيي أن المستفيدين الأساسيين من موته هم الضباط البعثيون، لقد كانوا صيصاناً أمامه.

يحيى: جمال عبد الناصر.

أبو سامي: هناك طريقتان للحديث عن جمال عبد الناصر، الأولى هي تلك اليت يستخدمها هيكل في كتاباته، والثانية هي أن تتحدث مع ناصري دخل العمل السياسي في السبعينات بعد وفاة أبي خالد. ثمة طريقة ثالثة في الحقيقة، ولكن لن يكون فيها حديث، بل شتائم فقط.

يحيى: الوحدة.

أبو سامي: يعني شو هل الدولة يلي قدر عبد الكريم النحلاوي يفرطا.

يحيى: سوريا.

أبو سامي: «مثل عظمة بين أسنان كلب»، بلد صغير، وعملياً عمره أقل من مية سنة، وبعمرو ما كان في بلد واضح المعالم اسمه سوريا قبل هيك، وبعد ما ساوولنا سوريا، ما عرفنا شو بدنا بالضبط؛ السنّة بدن وحدة عربية، والروم بدن وحدة الأمة السورية، والكاتوليك بيفضلوا فرنسا، والعلوية يا ماركسيين يا ضباط جيش، وإذا صدفت التنين مع بعض مشكلة، الدروز ضلوا فترة منيحة متبنين المشروع البريطاني، يعني يمكن حتى لبعد ما عملت تاتشر الحرب بالأرجنتين من شان جزيرتين، اليهود بدن يهاجروا، والشيعة عندن المحسنية؛ كلّن بدن شي من سوريا، بس ما كتير عرفانين بالضبط، ويلي صار ما ساعد كمان، لهلأ بتذكر وقت صوّتوا عالوحدة بالمجلس النيابي، ما رضيت روح، بس عرفت شو صار، كلّنا عرفنا، يلي صار ما ساعد بنوب.

يحيى: والموارنة؟

أبو سامي: بسوريا حلبية، وبلبنان كتائب.

يحيى: أبو عبدو.

أبو سامي: بأحد اجتماعات القمة العربية يلي حضرها أمين الحافظ، ما بعرف كيف انجابت السيرة، ما عاد أتذكر، المهم حكوا عن إسرائيل، انتفض أبو عبدو وقال انا بدخل تل أبيب بـ 48 ساعة، واحد من الرؤساء الحاضرين (يمكن أحمد بن بيلا) قال معناتا خلينا نعلّق اجتماع القمة 48 ساعة.

يحيى: كارل ماركس.

أبو سامي: أول مرة بسمع حديث عن الماركسية والاشتراكية، كانت من شبّ أرمني تعرّفت عليه وأنا راجع من زيارة لقرايبين ببيروت. الشبّ كان راجع كمان عالشام، وحكالي أنو بينتمي لعصبة سبارتاك، يلي كانت جزء من الحزب الشيوعي السوري وقت كان هوي فرع للحزب الشيوعي الفلسطيني، هل الحكي قبل بكداش، ووقتا حكالي عن ماركس وعن الثورة البلشفية يلي ما كان صرلا زمان كتير، بس بصراحة أنا كنت صغير شوي بالعمر وما كتير بتذكر الحديث ولا بظن وقتا فهمتو تمام، بس بتذكر انو أول جملة من البيان الشيوعي يلي قرالي ياه كتير ضَحَّكتني؛ «شبح يهدد أوروبا»، كتير ظريفة هل الجملة إذا شلتا وحطيتا بسطر لحالا.

شبح يهدد أوروبا!
يحيى: أوروبا.

أبو سامي: صارت العيشة أفضل هلأ، كنت قول لحالي معقول انفد من حافظ الأسد، يقوموا السوفييت يضربوا على ألمانيا نووي، بيكون كتير حظ تعيس.

يحيى: مضطر اسأل، نحكي عن حافظ الأسد هلأ ولا لبعدين؟

أبو سامي: لبعدين.

يحيى: صلاح جديد.

أبو سامي: كان محتار، ومشوّش؛ يا بدك سلطة مطلقة، أو بدك تعمل اليوتوبيا تبعك، التنين هدول مع بعض ما بيظبطوا.

يحيى: أكرم حوراني.

أبو سامي: لبعدين. أنا بدي أسألك، سمعان بِلور دكاش؟

يحيى: أي مألوف الاسم بالنسبة إلي، مغنية ما هيك؟

أبو سامي: أي سماع

عن الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق