الدكتورة إقبال الغربي في حوار مع الأوان : عن المسألة الاجتماعية والهشاشة المعرفية والثورة الثقافية.

الدكتورة إقبال الغربي  تُمثل المرأة التونسية المثقفة و”المغامرة” في آن. فهي التي اقتحمت أسوار جامعة الزيتونة لتكون أوّل من يدرّس علم النفس فيها داعية إلى تحديث وعقلنة التعليم الديني. وهذه الدعوة حين تصدر عن “امرأة” وفي مؤسسة دينية بعراقة “الزيتونة” يكون وقعها مساويا للشجاعة التي ينبغي توفرها في الداعي. تلك الشجاعة التي لم تكن تنقص ضيفتنا في هذا الحوار الدكتورة إقبال الغربي خريجة جامعة السوربون في اختصاص علم النفس والانثروبولوجيا وأستاذة التعليم العالي في جامعة الزيتونة ومديرة قسم الحضارة الإسلامية فيها وعضو اللجنة الشهيرة للحريات الفردية والمساواة.

 

 1- هل يمكن الحديث اليوم في تونس عن تغير شامل في الأولويات (خاصة على مستوى الطرح والتناول الإعلامي) جعل المسألة الحقوقية وفي مقدمتها مشروع لجنة الحريات والمساواة في الميراث ضحيته الأولى؟ وكيف يمكن خلق زخم إعلامي ومجتمعي لإعادة إحياء النقاش والجدل الفكري حول هذا الموضوع؟

قامت لجنة الحريات الفردية و المساواة بمراجعة مختلف القوانين التي أصبحت مُتعارِضة مع دستور الجمهورية الثانية الصادر في العام 2014، علماً أن هذا الدستور الجديد  قد أقر المساواة التامة بين النساء والرجال ومنع التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المعتقد، أو العرق، أو الجنس طبقا لفلسفة حقوق الإنسان، وهو ما يستلزم ملائمة مختلف القوانين مع ما ورد في هذا الدستور.

ويطمح مشروع القانون المعروض إقرار المساواة في الإرث  كقاعدة العامة مع تمكين المواطنين الراغبين في الاستثناء منها، سواء لأسباب دينية أو شخصية أو غيرها، من ذلك من خلال عقد لدى عدول أو وصية ، بحسب ما ينص عليه المقترح.

 

…في حين أن مسألة الميراث هي  بالأساس مسألة اقتصادية لأنها تهمّ أسلوب توزيع الثروة داخل العائلة. ومن البديهي أن يرتبط أسلوب توزيع الثروة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل عصر و لكل حقبة تاريخية.

وقد أثارت هذه المبادرة التشريعية جدلا شديداً ليس في تونس فحسب، بل في العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى وصل إلى درجة التظاهر والاحتجاج في الشوارع بتعلة أنها تتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية  و تزعزع ثوابت الأمة. ومن العوامل التي غيرت موازين القوى تشويه المناهضين  لطبيعة المسألة إذ حوّلوها من مسألة عدل ومساواة اجتماعية في المجال الاقتصادي إلى مسالة دينية و عقائدية بحتة .

في حين أن مسألة الميراث هي  بالأساس مسألة اقتصادية لأنها تهمّ أسلوب توزيع الثروة داخل العائلة. ومن البديهي أن يرتبط أسلوب توزيع الثروة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل عصر و لكل حقبة تاريخية.

فإذا كان هذا التعديل القانوني يفرض نفسه باسم الديمقراطية التي تعد مسالة المساواة التامة بين مواطنيها في الواجبات والحقوق إحدى ركائزها وبحسب أحكام الدستور الجديد، باعتباره النص المؤسس للعقد الاجتماعي النّابع من الثّورة، فإنّ دراسة مدقّقة لتحوّلات المجتمع التّونسي، من شأنها أيضا أن تُقدّم حججا حاسمة دفاعا عن هذا التغيير التشريعي.

ولإعادة إحياء النقاش حول هذا المشروع من الضروري تخليصه من الشحنات العقائدية و التركيز على المسالة الاجتماعية. وبالفعل فإن الديناميكية الاجتماعية قد أفرزت في المجتمع التونسي، خلال العقود الأخيرة، تحولات بنيوية وسوسيولوجية  كانت منتوج  عوامل مختلفة، داخلية وخارجية، أثرت على منظومة القيم وأنماط تمثلها ومسالك تطورها في الأوساط الاجتماعية.

لقد مكّن تقسيم العمل الحديث من زعزعة المشهد التقليدي الذي كان يقوم على مبدأ تقسيم جنسي للوظائف والأدوار. كما حدثت تحوّلات في علاقات الهيمنة التي كانت مرتبطة بالجنس والسنّ ، ولم يعد الزّوج / الأب هو المسؤول الوحيد عن تسيير المؤسّسة العائلية والمتصرّف في مواردها الاقتصادية، إذ استبدلت سلطته باتجاه الشراكة الزوجية و تقاسم المسؤوليات والقرارات العائليّة.

كما تبين الإحصائيات أن عدد الإناث يفوق عدد الذكور في جميع مسالك التكوين المدرسي و الجامعي .

وتفصح البيانات الخاصّة بالتعليم العالي عن نسب أرقى للأداء الدراسي للإناث. فمنذ 1999، بدأ الفارق في عدد البنات المسجّلات كطالبات في القطاع العمومي يرتفع حتى  بلغت نسبة البنات  –  سنة 2014-2015-  63,5 % من مجموع الطلبة. وعموما، وفي جميع المجالات تقريبا، تتجاوز نسبة البنات نسب الذّكور. بل إن الإناث بصدد الهيمنة على مسالك التعليم الأكثر انتقائية في التعليم العالي بتونس ألا وهي العلوم الأساسية  والطبّ والهندسة.  وقد أنتجت هذه الثورة التعليمية تحولات في تصورات و سلوكيات الأسرة التونسية من أبرز مظاهرها تقلّص التمييز الذي كان يفصل الذكر عن الأنثى.

و قد انعكست هذه المؤشرات على الدور الاقتصادي و المالي للمرأة في الأسرة ،. فقد بيّن تحقيق أجراه  مركز الدراسات والبحوث والتّوثيق والإعلام حول المرأة فيما يتعلّق بالمال في العلاقة الزوجية أنّ غالبية النساء يساهمن في مصاريف الأسرة. وهو ما يعني، بالنّظر إلى نسبة النشاط النسائي، أنّهنّ يخصّصن لا فقط رواتبهن الشهرية  لتلبية حاجيات أفراد العائلة بل أيضا ممتلكاتهنّ. كما تشير الدراسات إلى أن 72% من النساء النشيطات المشتغلات يخصّصن كامل دخلهنّ لمصاريف الأسرة. كما أنّ ما يقارب ربع القروض البنكية الممنوحة لتمويل السّكن العائلي بين 2011 و2015 تحصّلت عليها نساء.

2- ماهي التهديدات الجدية التي تشكلها الشعبويات الناشئة على تغير النسق والإتجاه في ديناميكية المجتمع وقدرتها على شحن الشباب عاطفيا لمستوى يتجاوز الغايات السياسية والانتخابية الظرفية ليصبح غير قابل للقياس أو التحكم؟

الشعبوية هي حسب تعريف جون مولر مذهب في السياسة يرى أصحابه أن نخبا منحرفة، فاسدة وطفيلية، تتصدى على الدوام لشعب متجانس وواحد، نقي و طاهر أخلاقياً، وتنفصل النخب عن الشعب بجدار صيني إذ لا يوجد بينهما أي قاسم مشترك.

هناك العديد من العوامل الموضوعية التي أنتجت الشعبوية في بلداننا .

العامل الأول هو أزمة المنظومة الرأسمالية فالتنمية الاقتصادية في المركز أو في الأطراف  لم تعد تعطي الرفاهية الموعودة بل هي تفرز عكسها و نقيضها من هشاشة اقتصادية و بطالة هيكلية و تلوث و تدمير للبيئة  وأمراض نفسية وجسدية .

من جهة أخرى تعتبر أزمة و محدودية  الديمقراطية التمثيلية من العوامل التي غذت الشعبوية .

قد بدت ملامح الأزمة في شيوع حالة من اغتراب الجماهير عن نخبها، وميلها إلى التعبير المباشر عن مشكلاتها، وهو ما تجلى في التحركات الاجتماعية الأخيرة في لبنان و العراق و الجزائر .

وهو ما عشناه في تونس بعد الثورة عندما انفصلت السلطة  – سلطة التشريع و التنفيذ – عن الجماهير التي صنعتها لحظة إطاحتها بالنظام القديم و رسمها لمعالم عالم أفضل. بنكوص الجماهير و بتواريها عن الأنظار لصالح الطبقة السياسية المتخصصة في فن إدارة و حكم البشر، انحرفت الثورة إلى الردة و الأخلاق الثورية إلى المناورة و الماكيافالية. و تحولت السياسة من إدارة مصالح العباد إلى فن التنافس على السلطة و على الامتيازات. فاهترأت صورة السياسة والسياسيين وهو ما يفسر مصدر التشاؤم و انعدام الثقة  السائد اليوم في قطاعات كبيرة من الشعب و استفحال القناعة باستحالة التغيير. لأن كل تغيير ما يلبث إلا أن يعود إلى خانة البدايات بعد وقت يقصر أو يطول .

و نذكّر هنا  بحجم عزوف الشارع التونسيّ، حيث امتنع أكثر من 4 ملايين و100 ألف مواطن عن الإدلاء بأصواتهم من إجمالي أكثر من 7 ملايين، كانوا مسجّلين على قائمات الناخبين، وتقهقرت نسبة الإقبال بين المحطتين الانتخابيتين من 61.8% سنة 2014 إلى 41.3% سنة 2019.

وهو ما عبر عنه الخبراء بـ”نزع الملكية الديمقراطية “.

من العوامل التي أنتجت الشعبوية  أيضا نوعية التكوين و التعليم  في بلداننا و التي لم تتمكن من غرس التفكير النقدي والمناعة العقلانية.

 

…و في ظلّ هذه الهشاشة المعرفية لدى شبابنا، تتنامى الشعبوية و تتلاعب باحباطات الجماهير و بمخاوفها.

وفي هذا الصدد يؤكد لنا الفيلسوف ادغار موران على ضرورة تخصيص 10 بالمائة من الوقت الدراسي لفتح الاختصاصات على بعضها البعض و لدراسة العلاقات بين العلوم الصحيحة و الاجتماعية و الإنسانية و للحفر في القضايا المتشعبة التي تطرح نفسها على شبابنا من أزمة اقتصادية إلى تفكيك العولمة إلى مسالة القيم . هذا التكوين الشمولي و المتعدد الاختصاصات  يمكن المتعلم من إدراك الكل لفهم الأجزاء. وهذا هو التعليم المنشود الذي  سيرفع الحواجز بين المعارف و المواد وسيؤسس رؤى مركبة للواقع،  فهو الذي يبني الفكر و الحس النقدي و يصنع   تعليما عميقا و متماسكا، نافعا و غير نفعي .

 وفي غياب هذا التعليم و في ظلّ هذه الهشاشة المعرفية لدى شبابنا، تتنامى الشعبوية و تتلاعب باحباطات الجماهير وبمخاوفها.

ففي هذه الحقبة التي يتسارع فيها التاريخ و تهتز فيها جميع الثوابت المطمئنة يتفشى الهوس الديني و الهذيانات الجماعية لدي الخائفين من الغد المجهول . فيركز الشعبويون على الخطاب التبسيطي الذي يثير الحماس ويلهب  المشاعر و العواطف. كما يراهن الخطاب الشعبوي على البدائية و الغرائزية فيعتمد على  الشحن الديني والجهوي . وهو ما يهدد اليوم العيش المشترك في بلدنا.

3- كيف يمكن تقديم مشروع الإصلاح الديني اليوم؟ هل مازالت العلمانية قادرة على “تخليص” الدين من “رجاله”؟

العلمانية هي الحل السليم لتوترات مجتمعاتنا.

تاريخيًّا، يُعرِّف المعجَم الفرنسيُّ “روبير” العلمانيَّة، بأنّها الفصل بين الكنيسة والدَّولة، أيْ بين الدِّينيِّ والدُّنيويّ. فمبدأ العلمانيَّة إذًا هو تأسيس ركائز المجتمع، على أساس العقل والإرادة الحرَّة والمصلحة الجماعيَّة وقيم المواطَنة الحديثة. فهي أساسًا مجموعة من النُّظم والضَّوابط، لإدارة الشَّأن الدِّينيِّ وتقنين العيش المشترك. وتقوم العلمانيَّة على ثلاثة مبادئ أساسيَّة:

– حياد الدَّولة في الشَّأن الدِّينيِّ.
– حياد المَدرسة العموميَّة إزاء كلِّ الأديان.
– احترام حرِّيَّة الضَّمير والمعتقد.

هذا لا يعني إطلاقًا معاداة الدِّين أو محاربته، بل إنَّ الدَّولة العلمانيَّة تقف إزاء الدِّين موقف الحياد الإيجابيِّ. فهي ليست معه، وليست ضدَّه. وهي لا تسعى إلى إلغائه، ولا إلى فرضه على مواطنيها، بل تعتبره شأنًا خاصًّا. لكنّ الدَّولة تَمنع تَغوُّل أيِّ دين أو مذهب، على حساب الأديان أو المذاهب الأخرى. فهي تتدخَّل بحزم للدِّفاع عن الأقلِّيَّات الدِّينيَّة، ومنع الاضطهاد بسبب المعتقد. فالعلمانيَّة إذًا ضروريَّة لتعزيز التَّماسك الاجتماعي، ولتَفادي الصِّراعات الطَّائفيَّة والحروب الدِّينيَّة. والدَّولة العلمانيَّة هي دولة لكلِّ مواطنيها، وتُعاملهم على قدم المساواة، متعاليَةً على خصوصيَّاتهم/هنّ واختلافاتهم/هنّ العِرقيَّة والجنسيَّة والدِّينيَّة، وهُوِيَّاتهم/هنّ الصُّغرى.

هذا ليس غريبًا عن تراثنا الإسلاميِّ؛ إذ يتقارب هذا التَّعريف مع مقولة الإمام محمد عبده : لا “دين في السِّياسة، ولا سياسة في الدِّين”.

و في هذا الإطار يمكننا توطين العلمانية في بلداننا بالاعتماد على شرعيتين  شرعية حقوقية و شرعية تقليدية.
فنحن نجد في تاريخنا وفي تراثنا الدِّينيِّ، إرهاصات علمانيَّة ضمنيَّة، ولكنَّها ذات دلالة منذ نشأة الإسلام. فالنَّصُّ التَّأسيسيُّ مثلًا يرفض القهر والإكراه. والإيمان قائم أساسًا على الحرِّيَّة والقناعة الذَّاتيَّة والاطمئنان الرُّوحيِّ. فهو إذًا مسألة شخصيَّة وحميميَّة.

تُطالعنا السُّنَّة النَّبويَّة، بأنَّ النبيَّ (ص) مرَّ ذات يوم على بعض المزارعين وهم يلقِّحون النَّخيل، فقال لهم: “لو تركْتُموها لكان أصْلَح”. امتثل الفلَّاحون نصيحتَه، لكنَّ نخيلهم فسدَت، فجاؤوه مُحتجِّين. فكان ردُّه عليهم: “وَيْحَكُم. إنَّما أنا نبيُّكم في أمور دِينكم، أمَّا أمور دُنياكم فأنا وإيَّاكم فيها سَواء”.

في غزوة بدر في اليوم الثَّاني من الهجرة، أراد الرَّسول (ص) أن يَنزل بجيشه في موقع اختاره. فسأله الحُبَابُ بن المُنذِر إن كان هذا الاختيار وحْيًا إلهيًّا. فأجابه الرَّسول الكريم أنَّه مجرَّد رأي. عندئذ نصحه هذا الخبير العسكريُّ بتغيير الموقع قائلًا: “يا رسول الله إنَّ هذا ليس بِمَنْزل، فانهض يا رسول الله بالنَّاس حتَّى تأتي أدْنَى ماءٍ من القوم فنَنْزِله، ونغور ما وراءَه من الآبار، ثم نَبنِي عليه حوْضًا فنَمْلَؤُه ماءً، ثم نُقاتِلُ القومَ، فنَشْربُ ولا يَشربون”. فأخذ الرَّسول برأيه. وهنا نتبيَّن أنَّ الرَّسول(ص) أقرَّ بكلِّ وضوح بفصل الدِّينيِّ عن الدُّنيويِّ، وفصْل المقدَّس عن المدنَّس. فهو ميَّز بين الدِّين وعلوم الفِلاحة، وميَّز بين الدِّين والإستراتيجيِّة الحربيَّة.

 

4- هل استطاعت المرأة التونسية توظيف حرية ما بعد الثورة في تدعيم مطالبها الحداثية وهل أن تحجيم دورها السياسي كان عاملا معيقا لتحقيق هذه المطالب على أرض الواقع؟ وماهو دورها في فرض حضورها الفاعل في اتخاذ القرار بعيدا عن الديكور الحزبي والانتخابي؟

قبل الثورات العربية كان الخطاب النسوي العربي يتطور و يتعمق  عبر حواره مع النظريات الجنسوية ونظريات ما بعد الاستعمار التي وجهت خطاب نقديا للنسوية التقليدية. وكان يناكف النظرات الاستشراقية من جهة والاسلاموية من جهة أخرى ويحاول طرح قراءات بديلة للديناميكيات المجتمعية خاصة فيما يتعلق في حقوق النساء بمقاربة نسبية وتاريخية متجددة .

ورغم مشاركة النساء في الثورات العربية بقوة إلا أن الربيع العربي تحول من وعد إلى وعيد.

و تحولت  الآمال المدنية والديمقراطية  إلى خوف ورعب من سيطرة قوى تقليدية سلفية شرسة مضادة للحياة ومعادية للمرأة و لحقوقها. كما انتشر خطاب ناقد للحركة المدنية والحداثية باعتبارها تابعة ومذيلة للغرب من جهة ومشوّه  للحركات النسوية  بربطها مع الأنظمة الفاسدة وباعتبارها “نسويّة دولة” من جهة أخرى. و قد طبّع هذا الخطاب الشعبوي مع ممارسات بدائية و انتهاكات جسيمة لحقوق المرأة.

 

من الضروري اليوم – حسب رأيي – الانخراط في ثورة ثقافية عميقة تعيد صياغة الوعي الشعبي عبر تنقيح  المناهج المدرسية ومحتويات وسائل الإعلام و تطوير  الخطاب الديني

قبل الثورات العربية كان الخطاب النسوي العربي يتطور ويتعمق  عبر حواره مع النظريات الجنسوية ونظريات ما بعد الاستعمار التي وجهت خطاب نقديا للنسوية التقليدية. وكان يناكف النظرات الاستشراقية من جهة والاسلاموية من جهة أخرى ويحاول طرح قراءات بديلة للديناميكيات المجتمعية خاصة فيما يتعلق في حقوق النساء بمقاربة نسبية وتاريخية متجددة .

ورغم مشاركة النساء في الثورات العربية بقوة إلا أن الربيع العربي تحول من وعد إلى وعيد.

وتحولت  الآمال المدنية والديمقراطية  إلى خوف ورعب من سيطرة قوى تقليدية سلفية شرسة مضادة للحياة ومعادية للمرأة و لحقوقها. كما انتشر خطاب ناقد للحركة المدنية والحداثية باعتبارها تابعة ومذيلة للغرب من جهة ومشوّه  للحركات النسوية  بربطها مع الأنظمة الفاسدة وباعتبارها “نسويّة دولة” من جهة أخرى. و قد طبّع هذا الخطاب الشعبوي مع ممارسات بدائية و انتهاكات جسيمة لحقوق المرأة.

فقد أحيت منظمات كداعش و القاعدة و حركات سلفية أخرى المتاجرة بالنساء و أسواق النخاسة البغيضة وفرض البرقع الأسود و منع التمدرس و الاختلاط بين الجنسين و ختان البنات و تعدّد الزوجات.

عودة المكبوت هذه مع بروز الفجوة بين الخطابات النسوية من جهة والممارسات الظلامية التي عادت من وراء القبور من جهة أخرى شكلت صدمة للنسويات وللخطاب النسوي لم تنتهي آثارها بعد.

من الضروري اليوم – حسب رأيي – الانخراط في ثورة ثقافية عميقة تعيد صياغة الوعي الشعبي عبر تنقيح  المناهج المدرسية ومحتويات وسائل الإعلام وتطوير  الخطاب الديني وذلك لغرس ثقافة حقوق الإنسان والمرأة والطفل والأقليات. بفضل هذه الثورة يمكننا الحد من عداء المرأة الذي أصبح اليوم هاذيا.

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This