فصل الدين عن الدولة.. ضرورة أولية أم اشتقاق ثانوي غير لازم؟ / مناف الحمد

على الرغم من ارتباط مفهوم العلمانية ارتباطًا لا يكاد ينفصم، في أذهان كثيرين، بفصل الدين عن الدولة، فإن إعادة النظر في هذا الارتباط محاولة مشروعة، خصوصًا في ظل العنف الرمزي الذي باتت تمارسه الشعارات، وما يسببه هذا العنف من تكريس للتخندق الأيديولوجي. ولا يعني السؤال الذي يطرحه العنوان إنكار ضرورة حيادية الدولة التي أصبحت مسألةً تفرضها قيمة العدالة، وهي قيمة لا يمكن أن تكون محلًا لإعادة النظر؛ لأنها تقع في بؤرة القيم التي تجهد الإنسانية لتحقيقها منذ فجر الخليقة، إضافة إلى حقيقةٍ يمكن اشتقاقها باستخدام منطق المعارضين من الإسلاميين تحديدًا، فمنطق هؤلاء، القائم على أن البشر لا يُحسنون وضعٍ تشريع يحكمهم بأنفسهم، يقوم، في جذره العقدي، على وجود خالق يمكنه وحده وضع هذا التشريع، وهو خالق متّصف بصفات منها الخيرية المطلقة، وهي صفة يتوصل إليها (مع غيرها من الصفات) بالعقل كما يؤكدون؛ الأمر الذي يعني قدرة العقل على تمييز الخير من الشر. وبناء عليه، يملك العقل ميزانًا قادرًا على هذا التمييز، وإلا فما أدراه أن هذا الخالق ليس شرّيرًا. بتعبير آخر، ما دام العقل قادرًا على هذا الإدراك لخيرية الخالق، فبإمكانه، والحالة هذه، أن يشرع لنفسه محدّدًا الخط الفاصل بين الخير والشر، بين النافع والضار. ولا يعني هذا مطالبة الإسلاميين بالتخلي عن التشريع الذي يعدّونه إلهيًا، ولكنه يلزمهم بجعله خيارًا من بين خيارات في صراع تداولي سلمي، كما يلزمهم بقبول حيادية الدولة، ومنع تجييرها لصالح فئة معينة.
أما سؤال العنوان فيمكن صياغته بكلمات أخرى: هل يعني عدم اعتراف الدولة بدين رسمي أن أي تأييد من الدولة للدين ممنوع؟ وفي الجواب يمكن القول: إن لحيادية الدولة استراتيجيات ثلاث:
الاستراتيجية الموسومة بــ “الاستقلالية الأخلاقية”، وهي تبرّر عدم اعتراف الدولة بدين رسمي بقيمة الاستقلالية الأخلاقية؛ فليست الدولة محايدةً لأنها لا تفضل قيمًا معينة، هيمنت في سياق معين وعبر سيرورة تاريخية معينة، وإنما هي حيادية؛ لأن ثمّة حقًا لا يتنازل عنه، هو حق الفرد ألا تفرض عليه تقييمات أخلاقية لا يقبلها.
إنها حيادية مقيدة؛ لأنها مشتقة من قيمة الاستقلالية الأخلاقية للفرد، ومثالها الموقف من الإجهاض. “أي حكومة تمنع الإجهاض تلزم نفسها بتفسير جدلي لقداسة الحياة، ومن ثم تحد الحرية بوضع موقف ديني جوهري واحد على حساب المواقف الأخرى”.[1] كل ما هو جدلي قائم على مبدأ ديني يقع ضمن المحظورات التي لا يجوز للدولة التدخل فيها. وبناء عليه، فإن الاستقلالية الأخلاقية التي تمثل تسويغ حيادية الدولة لدى أصحاب هذا النوع من الحيادية تقتضي امتناع الدولة عن دعم أي رؤية حول الخير أو الموت الرحيم أو الإجهاض.[2]
ويشتق من هذه الاستراتيجية أن الدين ليس موضعًا لتدخل الدولة، عندما يكون معبرًا عن أخلاقية شخصية، وهو ما يلزم عنه أن الدين الذي لا يكون كذلك يمكن للدولة أن تتدخل فيه بالدعم أو

“القيمة المعيارية المرتبطة بالعلمانية ليست فصل الدين عن الدولة، وإنما هي شمولية كل الهويات”
بعدمه. والحقيقة أن الدين عمومًا ليس فقط نظامًا من الأخلاقيات الشخصية، فالمتديّن الذي يعدّ الإجهاض جريمةً يتبنى الموقف اتباعًا للعدالة كما يراها، فلا تبرير لتفضيل حق المرأة في الإجهاض على حق الجنين في الحياة. وبذلك تبدو هذه الاستراتيجية التي تتوخّى الحيادية ليست حيادية؛ لأنها تتخذ موقفًا مسبقًا حول ما تصفه بأنه قضايا دينية.[3]
استراتيجية الانتقاص المدني، تعتمد على نظرية تعبيرية للقانون والدولة، وفحوى الاستراتيجية التعبيرية هذه أن على الدولة أن تمتنع عن أي إجراء تعبيري كفيل بخلق تصور ذهني لمراقب موضوعي بأن الحكومة ليست في منجىً من التحيز لدين ما. واشتراط تأويل الإجراء من طرف مراقب موضوعي مخرج للتأويلات الذاتية، ومؤكد على موضوعية المعنى المعتمد على السياق.
إن الدين سبب للانقسام الاجتماعيّ، والمحظور على الدولة هو التأييد الرسمي لعلامات بارزة دالة على الانقسام الاجتماعي.[4] ومثالها السماح بوضع الصلبان في الأماكن العامة ومنع المآذن في الأماكن نفسها.
استراتيجية “الاختلاف الجوهري”، تقوم على أن ثمة خلافًا جوهريًا حول الخير، فهو لا يمكن أن ينسج في فرضيةٍ تنال الموافقة عليها من الجميع باختيار عقلاني. هذه الرؤية معرفية لا تجريبية؛ بمعنى أنها لا تعتمد على ما يمكن أن يظهر من خلافٍ حول قيم الخير، وإنما على الخلاف الضروري الذي يجعل قيم الخير غير قابلة للمشاركة معرفيًا.[5] وهو خلافٌ لا يشبه الخلاف حول قيم العدالة؛ لأن الأفراد في تأويل استراتيجية “الاختلاف الجوهري” لليبرالية الراولزية السياسية (نسبة إلى الفيلسوف السياسي الانجليزي جون بول راولز، توفي في العام2002)، يتشاركون مجموعة من القيم السياسية الليبرالية، كالحرية والمساواة والإنصاف.[6]
ومن المفيد الإشارة إلى جوهر الليبرالية الراولزية السياسية التي تطالب بوضع المثل الأخلاقية والدينية بين قوسين، من أجل فصل الهوية السياسية عن الهوية الشخصية، ويبدو أن هذا ممكن في حال عدم القدرة على الحسم في صحة أيٍّ من هذه المثل (وهو جدل فلسفي تحاول الليبرالية السياسية تجنب الخوض فيه)، وقد لجأ راولز إلى وضعها بين قوسين، انطلاقاً من افتراض أساسي في نظريته، يقوم على أولوية الحق على الخير الذي يحاول راولز أن يجد له تأصيلاً فلسفياً وجده في اعتقاده أن للذات أولوية على غاياتها، أما عملياً فهي أولويةٌ تجد تبريرها لديه من واقع الكثرة المعقولة، فتنوع نظريات الخير في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة هو ما يجعل وضعها بين قوسين ضرورياً؛ لأن تبني أيٍّ منها يعني تغليب رؤيةٍ على أخرى، وهو ما يخدش مبدأ المساواة.[7]
وبالعودة إلى استراتيجية الخلاف الجوهري، تؤكد هذه الاستراتيجية، متفقة مع راولز، أن الخلاف حول العدالة لا يقوم على الأسس نفسها التي يقوم عليها الخلاف حول الخير؛ لأن ثمّة احتمالًا

“عندما تكون هوية اجتماعية علامة على الضعف والهيمنة، فلا يجب أن تقرّ وتعزّز رمزياً من الدولة”
كبيرًا أن يكون هذا الخلاف جوهريًا بطريقةٍ تجعله ينحدر على طول الطريق.[8] ويمكن التوضيح بمثال عن شخصيتين افتراضيتين يختلفان في موقفهما من استخدام المخدّرات بغرض الترفيه، فبينما ترى إحداهما، انطلاقًا من مفهوم معين للأخلاقية، أن استخدام المخدّرات لا يمثل انتهاكًا أخلاقيًا؛ لأنه لا يؤثر على الآخرين، وهو مفهوم للأخلاقية يجعلها تنطبق فقط على تصنيف ما يدين به المرء للآخرين، تعتقد الأخرى أن هذا الاستخدام للمخدّرات غير أخلاقي؛ لأنه يفرّط بمسؤوليةٍ كلفنا الله بها تجاه حياتنا. وفي هذه الحالة، إذا اعتمدت الدولة على أفكار الشخص الثاني، فسوف تخلع ثوب حياديتها تجاه الأول.[9] وفي هذا المثال، تتضح صعوبة الفصل في المفاهيم حول الخير، وهو ما تفترق به عن المفاهيم حول العدالة التي يمكن أن يتشارك بها الناس في سعيهم إلى التعاون.
ولأن الدين يتشارك مع الخير في عمق وصعوبة الخلاف حوله، فإن هذا تبرير لتعميم عدم اعتراف الدولة بدين رسمي. وما ذكر آنفًا من تبرير إبستمولوجي يتضح أكثر في إقرار هذه الاستراتيجية بإمكانية اتفاق الناس حول قيم معينة للخير، مثل اتفاقهم على أن حياة الإدمان ليست حياة صالحة، إذا ما قورنت بحياة هادئة مع عائلة وأصدقاء.[10] ولكن واضعها يستدرك: إن الليبرالية السياسية لا يجوز أن تحبس نفسها في أفكارٍ فعليةٍ للمواطنين؛ لأن اتفاقًا أيضًا يمكن أن يتحقق بين أناسٍ حول قيم غير عادلة.[11]
ومن هنا، يأتي إصراره على التبرير المعرفي الذي لا يعتمد على الخلاف الفعلي، وإنما على الخلاف الضروري حول الخير. والمشكلة في هذا المنطق الذي يبحث عن اتفاق على قيم العدالة، كقضية للعلاقات الشخصية بين الأشخاص الأحرار والمتساوين هي: من المخول بتصنيف القضايا المرتبطة بالعلاقات الشخصية؟ وهل يمكن اتخاذ قرار بتصنيف قضيةٍ ما على أنها مرتبطة بالعلاقات الشخصية من دون الاستناد إلى الأسئلة الجوهرية التي ترفض استراتيجية الخلاف الجوهري العودة إليها؟. هذه هي المشكلة التي تطلق عليها الباحثة في الليبرالية، سيسيل لابورد، مشكلة الاختصاص القضائي.[12] وتضرب عليها مثالًا عن طريق الاستعانة بالشخصين الافتراضيين آنفي الذكر، فاذا اختلفت إحداهما مع الأخرى حول الإجهاض في الثلث الأول، حيث تعتقد الأولى أن الأولوية في الحقوق هي للمرأة على الطفل، بينما تعتقد الثانية أن الجنين شخص، والإجهاض مكافئ لجريمة القتل. إن خلافًا كهذا لا تستطيع الدولة أن تحسم فيه بصورة حيادية؛ لأنها ستضطر إلى العودة إلى تحديد جوهري لمكانة الجنين.[13]
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فثمة مشكلة أخرى تتمثل في موضع رسم الحد الفاصل بين المجالين، العام والخاص، أو بتعبير آخر بين الصواب الذي يهتم به المجال العام أو العقل العمومي، وبين الخير الذي يعنى به المجال الخاص أو العقل الخصوصي، فلا ينفع منظّري الحيادية الليبرالية القول: إن الصواب والخير تصنيفاتٌ بدهيةٌ للمنطق الأخلاقي؛ لأن هذه التصنيفات قد تحولت واتخذت مواقع مختلفة، وباتت محل اختلافات جوهرية عبر الزمن.
ويمكن اشتقاقًا مما سبق عن النظرية الأخلاقية والنظرية السوسيولوجية والنظرية المعرفية تحديد ثلاثة مكوّنات للعلمانية التي يمكن أن تحملها معها ليبرالية متجاوزة للثقافات:
أولًا- الدولة القابلة للوصول إلى العقل العمومي لمواطنين حقيقيين. وهي تنتقي سمة من سمات الدين، أنه غير متاح، فعندما لا يكون منطق ما قابلًا للوصول إلى العموم، فلا يجوز لمسؤولي

“إن الإكراه باسم أسباب منطقية غير مفهومة مختلف عن الإكراه باسم أسبابٍ لا تتفق معها، ولكنك تستطيع فهمهما وانتقادها”
الدولة اللواذ به لتبرير إكراه الدولة المشروع.[14] مثال ذلك موضوع الانتحار بمساعدة الغير الذي يمكن تقديم سببين لمنعه:[15] أن الحياة هبة من الله لا يحق لأحد إنهاؤها حتى لو كان صاحبها. أن المريض الذي يطلب الانتحار لا يوثق بتوازن تفكيره وحالته هذه. ويمثل السبب الأول تبريرًا غير قابل للوصول لاحتوائه عبارة: “الحياة هبة من الله”. والثاني قابل للوصول إلى العقل العمومي الذي يمكن تعريفه بأنه العقل الجماعي للعوام الديمقراطيين. وهؤلاء ليسوا موصوفين بها من باب تقريظي؛ وإنما لأن الأسباب القابلة للوصول إليهم قد لا تكون مقنعة لبعضهم، ولكن المهم ليس تأييدهم، وإنما اقتناعهم بأنها أسبابٌ مفهومةٌ ومنطقية، ويتيح المجال الديمقراطي انتقاد هذا السبب، وهي ممارسة تداولية ديمقراطية تساهم في خلقها الأسباب المنطقية.
إن الإكراه باسم أسباب منطقية غير مفهومة مختلف عن الإكراه باسم أسبابٍ لا تتفق معها، ولكنك تستطيع فهمهما وانتقادها.[16] ولكن قابلية الوصول في الحقيقة تمثل شرطًا لازمًا غير كاف؛ لأن مشروعية القوانين الليبرالية لا تستمد من الأسباب المنطقية ذات القابلية للوصول، وإنما تحتاج إلى أن تكون متسقة مع القيم الجوهرية لليبرالية.[17]
ومن جهة ثانية، ليست كل وجهات النظر الدينية غير قابلة للوصول؛ لأن العديد من هذه الأفكار يمكن فصلها عن مصدرها العقدي، والأخذ فقط بمحتواها السياسي والأخلاقي، فالأسباب التي لا تعتمد صلاحيتها على تصريحات حول إرادة الله متاحة ضمن التقليد الإسلامي للمنطق التشريعي، فضلًا عن أن عملية النقد العقلاني مركزية في الإسلام غير المتطرّف، فالقاعدة الأصولية أنه: ” حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله” تفسح المجال أمام جدل صلة بين التشريع والواقع، وتعتق المشرع من أسر النص؛ لأنها تقوم على استقراءٍ للنصوص تخلص منه إلى نتيجة أن هذه النصوص تتوخى مصلحة البشر. وعليه، يمكن عدّ كل ما يحقق هذه المصلحة منسجمًا مع التشريع.
وصف الأفكار السابقة بأنها علمانية لا يجد تبريره في انتقالها من سطحٍ معرفي إلى آخر، وإنما لقابليتها للوصول إلى العقل العمومي للمواطنين، كما تمت الإشارة، وهم عوام ديمقراطيون بالمعنى الذي وضحناه آنفًا.
ثانيًا، الدولة المرتبطة بسمة من سمات الدين، أنه معبر عن هوية اجتماعية ضعيفة. الاعتراف الرسمي من الدولة بدينٍ قد لا ينتهك الحقوق الأساسية للحرية الدينية، وقد لا يمنع القدرة على تقديم تبريراتٍ قابلة للوصول إلى غير أتباع هذا الدين، مثل التبريرات المستندة إلى الاستمرارية التاريخية او التقليد الوطني. وقد لا ينتهك المتطلب الليبرالي بمعاملة كل المواطنين بحيادية معاملة محترمة؛ لأن التواصلات غير الحيادية لا تعبر بالضرورة عن عدم احترام.[18] ولكن عندما تكون هوية اجتماعية علامة على الضعف والهيمنة، فلا يجب أن تقرّ وتعزّز رمزيًا من الدولة. وهذا يعني أن الدين هنا لا يُقصد به الاعتقاد، ولا التجربة الشخصية، وإنما هو هوية مشابهة بنيوية للعرق مثلًا؛ أي أنه هنا يعبر عن هوية خارجية، لا عن اعتقاد داخلي.[19] ولذلك، تتطلب الحيادية عدم تعزيز رموز دينية، وبالمثل عدم تعزيز رموز ذات بنىً مشابهة للدين في أنها خطوط صدع اجتماعي، فالثقافة يمكن أن تمثل تعبيرًا عن هيمنة وضعف، ومثال ذلك موقف المؤيدين حظر المآذن في سويسرا، فهؤلاء لا ينفعهم تبريرهم القائم على أن المآذن ليست مركزية في دين المسلمين؛ لأن مجرّد منعها يبعث رسالة إلى المسلمين أنهم خارج حدود المجتمع، كما لا ينفع في التبرير ادعاء أن التفوق على المسلمين ثقافي لا ديني؛ لأن الصلبان المسموحة هنا والمآذن المحظورة ستعيد إلى الذاكرة ارتباط الليبرالية والعلمانية بالمسيحية وستخلق تراتبًا هرميًا بين المواطنين من الديانتين[20]. ويمكن إجمال محدّدات كون الرموز الدينية علة للضعف والتهميش في أربعة محددات:[21]
أن هذه الرموز لا تعتمد على التأويل الدلالي للدين، وإنما على تأويل لمعناها الاجتماعي. أنها

“الرموز لا تعتمد على التأويل الدلالي للدين، وإنما على تأويل لمعناها الاجتماعي”
ليست معتمدة على قوة علاقة الشخص بالدين، فصحيح أن نسبة ليست بالقليلة من المسلمين في سويسرا لا تربطهم بدينهم علاقة قوية، ولكن حظر المآذن يوحي بنوع من الانتقاص لهم كمواطنين. أنها كأي رموز تؤول اجتماعيًا بالاعتماد على السياق، فيمكن للصليب أن يمثل رمزًا دالًا على التهميش في مدارس يؤمها طلاب من ديانات مختلفة، ولكنه لا يعبر عن مثل هذا التهميش إذا وجد في معرض أو ساحة عامة. أن علة كونها سببًا للتهميش تعتمد على الرمز ذاته؛ فالرموز المختلفة يمكن أن يكون لها تأويلات مختلفة في مواضع مختلفة.
يفضي الإقصاء الذي تمثله الرموز إلى نتيجة لافتة، هي أن القيمة المعيارية المرتبطة بالعلمانية ليست فصل الدين عن الدولة، وإنما هي شمولية كل الهويات؛ فالدين ليس عامل صدع في كل مكان، وقد عبّر عن ذلك أحد الأنثروبولوجيين خلال بحثه الميداني في مدغشقر: “ضمن الكثير من المتحدثين باللغة الملغاشية في مايوت وفي شمال غرب إفريقيا، كان الدين خلال الربع الأخير من القرن العشرين شاملًا. لاحظ الناس أن الله كان نفسه في كل مكان ومن ثم فلم يكن مهمًا كثيرًا أي الطرق استخدمها الشخص للوصول إليه… في بعض العائلات، يكون أحد الأبناء ملتزمًا بتقليد مستمد من الأسلاف، وآخر بالمسيحية، وآخر بالإسلام”.[22] والديمقراطية في السنغال مرتبطة بهويةٍ دينيةٍ لا تحط من قدر أفراد الأقلية، لأنها أوّلت اللائكية الفرنسية التي تشكلت بها بما يجعلها متوافقة مع الانخراط في السلطة الاجتماعية والثقافية للجماعات الصوفية.[23]
وقد أثبتت هذه الديمقراطية أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، وأن العلمانية لا يجوز أن تختزل في النموذج الأميركي الفرنسي للفصل الصارم بين الدولة والدين.
ثالثًا- الدولة المحدودة المرتبطة بسمة أن الدين يقدم مفهومًا شاملًا للخير. من نافل القول إن القوانين الليبرالية في معظمها حصيلة صراع ضد السلطات الدينية التقليدية، وأن مبدأ ثابتًا من مبادئ التقليد الليبرالي هو مبدأ الضرر الذي صاغه جون ستيوارت مل، والذي يقضي بأن الدولة الليبرالية دولةٌ لا تتدخل بالطرق التي يعيش بها الأفراد حياتهم، ما لم يضروا بالآخرين[24]. يمكن الاستنتاج من هذا بسهولة أن الدين إذا لم يكن مفهومًا شاملًا للخير، فإن توصياته يمكن أن تفرضها الدولة، ومن أجل ضبط أكبر للمقصود بالتدخل في حياة الفرد وانتهاكها يمكن القول: تكون حرية الفرد الواقعة في قلب الليبرالية منتهكة إذا كان:[25] القانون مسوغًا عن طريق رؤية شاملة للعالم. إذا كان مبرّرًا بأي صورة، ولكنه يحد من حرية الفرد على العيش بنزاهة. والحريات المرتبطة بالنزاهة هي الحريات الجوهرية لممارسة المواطنين قدراتهم الأخلاقية الجوهرية، وهي حرياتٌ ذات بروز أخلاقي؛ لأنها ذات صلة وثيقة بالقدرات الأخلاقية الأساسية للأفراد، وبقدرتهم على إجراء تقييمات قوية لسيرورة حياتهم.
تقييد حرياتٍ لا ترتبط بالنزاهة، ومن دون استناد الدولة إلى افتراض أن ثمّة طريقة واحدة لعيش

“الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، والعلمانية لا يجوز أن تختزل في النموذج الأميركي الفرنسي للفصل الصارم بين الدولة والدين”
حياة خيرة ليس سلوكًا كفيلًا بنفي صفة العلمانية عن الدولة؛ وبيان ذلك أن منع بيع اللحم المذبوح بطريقة الذبح الحلال (بالمفهوم الإسلامي) أو لا يمثل انتهاكًا من الدولة للعلمانية، فإذا أزيل السبب المتمثل في ما يتسبب به الذبح الحلال من آلام للحيوانات لن يبقى لدى المعترضين على الذبح الحلال حجة لمواجهة منع بيع اللحم غير المذبوح بطريقة حلال؛ لأن إجبارهم على أكل اللحم المذبوح بهذه الطريقة لا ينتهك حرياتهم المتعلقة بالنزاهة، ولا يجبرهم على ما هو غير مقبول أخلاقيًا بالنسبة إليهم[26].
يمكن استنتاجًا من كل ماسبق عن علاقة الدولة الليبرالية بالعلمانية أن نخلص إلى أن دولة تعترف بدين واحد يمكن أن تكون ليبرالية شرعية إذا حققت شروطًا ثلاثة:توفير أسباب ممكن الوصول إليها لتبرير تصرفاتها. احترام حريات الأفراد الشخصية وعدم انتهاكها. ضمان المواطنة المتساوية وعدم الانتقاص من أي مكون. ولا يعني وجود اعتراضات من علمانيين في دولةٍ كهذه نزع صفتها الليبرالية؛ لأن الليبرالية السياسية نظرية ثنائية:[27] فهي من حيث أنها عقيدة دستورية تقدّم للعقل العمومي محتوى مكونًا من تبريرات للمعايير الليبرالية الأساسية. ومن جهة أخرى، وهو المهم هنا، تقدّم إطار عمل للتشاورات المنطقية بين المواطنين، وهو إطار يمثل إنصافًا إجرائيًا قادرًا على تقديم حلول للخلافات المنطقية بشأن العدالة التي قد تنشب بين المواطنين.
المراجع:
[1] دين الليبرالية، سيسيل لا بورد، دين الليبرالية، ترجمة عبيدة عامر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2019، ص. 106.
[2] المرجع نفسه، ص. 107.
[3] المرجع نفسه، ص. 109، 113-114.
[4] Christopher L. Eisgruber and Lawrence G. Sager, op. cit., p. 70.
[5] Jonathan Quong, Liberalism without perfection, Oxford: Oxford University Press, 2011, p. 192-200.
[6] Ibid., p. 204.
[7] مايكل ج. ساندل، الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2009، ص. 318.
[8] Op.cit., p. 204.
[9] Ibid., p. 205.
[10] Ibid., p. 197.
[11] Ibid., p. 150-151.
[12] دين الليبرالية، ص. 145.
[13] المرجع نفسه، ص. 146.
[14] دين الليبرالية، ص. 160.
[15] المرجع نفسه، ص. 163-164.
[16] المرجع نفسه، ص. 164.
[17] المرجع نفسه، ص. 166.
[18] المرجع نفسه، ص. 182.
[19] المرجع نفسه، ص. 184.
[20] المرجع نفسه، ص. 187-188.
[21] المرجع نفسه، ص. 189.
[22] المرجع نفسه، ص. 190-191.
[23] المرجع نفسه، ص. 192.
[24] جون ستيوارت مل، عن الحرية، ترجمة هيثم الزبيدي، منتدى مكتبة الاسكندرية، ص. 15.
[25] دين الليبرالية، ص. 197.
[26] المرجع نفسه، ص. 202.
[27] المرجع نفسه، ص. 207.

 

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق