لادج لي لـ”المدن”:دراما الضواحي الباريسية متعددة الألوان / محمد صبحي

مثلما يتضح، بمرور الوقت، أن لا صراعاً إلا الصراع الطبقي، تكاد تكون السينما نموذجاً تمثيلياً للمجتمع الطبقي. من الصعب العثور في مدارس السينما على أطفال الطبقة الاجتماعية الأدنى، ووفقاً لهذا المُعطى، “تتفلتر” حقائق الواقع الاجتماعي عبر عدسة السلطة وتُبعد من مجال الصورة المهيمِنة. تصفية فكرة الصراع الطبقي وجذوره وامتداداته السياسية تكاد تصبح ديناً جامعاً لكل “فنّ” سلطوي، مهما تلفّح برداءات إنسانية وخطابات مُعمَّمة. لذا من المهم دائماً معاودة التذكير بالحقائق والأصول. المخرج الفرنسي لادج لي (1980) يفعل ذلك في فيلمه “البؤساء”*.

كإبن لمهاجرين ماليين من أصول اجتماعية متواضعة، نشأ لي في حيّ فقير تابع لضاحية مونفيرماي الباريسية، حيث تقع أحداث فيلمه. لم تتح له الفرصة لدراسة السينما بشكل نظامي، فعلّم نفسه صناعة الأفلام بتوثيق التوترات في منطقته المهمَلة. رفض التلفزيون جميع أعماله، لكنه وجد في الإنترنت منصّته العامة. في عام 2008، وثّق بكاميرته عملية وحشية للشرطة، أدين على إثرها بعض الضباط المتورطين بناءً على ما صوَّره. باكورته الروائية الطويلة، “البؤساء”، لا يخرج أيضاً عن منطقة نشأته وعيشه، الضواحي الباريسية المهملة والمنسية. حياة هذا الفيلم تشبه معجزة صغيرة. بدءاً من عرضه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في العام الماضي، ثم حصوله على جائزة لجنة التحكيم (بالمناصفة مع الفيلم البرازيلي “باكوراو”)، مروراً باختياره مرشحاً فرنسياً لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي، فضلاً عن 11 ترشيحاً لجوائز سيزار الفرنسية. بشكل لا إرادي، يذكّر لي وفيلمه بفرانسوا تروفو الشاب، الذي أحدث ثورة في السينما من الأسفل، عبر إخبار حكاية طفولته في فيلم “الـ400 ضربة”، أيضاً مع فيكتور هوغو في خلفية الأحداث.

في”البؤساء” يولد الغضب الشاب من قلب مِحن عيشٍ صعب وتواضع أحلام ومكاره يورثها الحظ العاثر والملل الكئيب. البؤس كلمة تظهر باستمرار عندما يتحدث لي عن التوترات الاجتماعية في الضواحي. يتمنّى لو يرى إيمانويل ماكرون هذا الفيلم، الرئيس الفرنسي الذي لم ينفِّذ قط خطته لتحسين الظروف المعيشية في الضواحي. من غير المحتمل أن بإمكان تلك المشاهدة ثني ساكن قصر الإليزيه عن مساره النيوليبرالي، لكنه في الأغلب سيشاهد شيئاً يعينه على فهم أسباب خروج مواطنيه إلى الشارع مطالبين بتنحّيه عن السلطة.

يبدأ “البؤساء” حكايته بأقصى سرعة، ولا يتوانى مخرجه في تسريعه بقوة لمدة ساعة وثلاثة أرباع الساعة. الحبكة بسيطة لكن تعقُّد العلاقات وقيظ الصيف يمدّانها بدورة درامية محمومة، يتداخل فيها التوتر الدرامي وضغط المأزق الاجتماعي لنظم بانوراما لاهثة عن جانب مغيَّب من الحالة الفرنسية. يسرق مراهق شبلاً من جماعة غجر هبطوا بسيركهم المتنقل في الضاحية الباريسية، فتطلب العشيرة من عمدة الضاحية استعادة شبلها ومجازاة الفاعل، ثم يصل الأمر إلى الشرطة ورجالها الثلاثة، ستيفان الوافد الجديد إلى الضاحية وزميليه من المحاربين القدامى كريس وغوادا. الوصول إلى السارق الصغير لن يكون سوى فاتحة انفجار غير معلوم النتيجة.

رغم أمطار الجوائز، لا يفعل “البؤساء” شيئاً جديداً. بالطبع، هو فيلم معاصر للغاية – في مراجعه اللغوية والثقافية، في الهواتف الذكية المتناثرة في مشاهده، في خط الحبكة الممتد بفضل كاميرا درون (كاميرا طائرة) صوَّرت جريمة الشرطة. لكن في الوقت نفسه، يتبع لي، بثقة، خطى كلاسيكيات حديثة دشّنت نوعاً سينمائياً يأخذ من الأحياء الحضرية المحرومة من الرعاية والاهتمام الرسمي، مسرحاً لأحداثه ومنطلقاً لنقده السياسي وتفكيك بعض صور البؤس الاجتماعي. أفلام مثل “إفعل الشيء الصحيح” (1989، سبايك لي)، و”الكراهية” (1995، ماتيو كاسوفيتز) و”أسود” (2015، عادل العربي وبلال فلّاح)، أمثلة متألقة على هذا النوع، ولادج لي لن يتأخر في ذكر بعضها في كل مقابلة حول فيلمه ومنابع تأثيراته. رغم ذلك، لا يمكن القول إن ليّ مجرد مُقلِّد سينمائي، ففيلمه يجمع بمهارة بين متباينين، بساطة روبير بريسون وجرأة سبايك لي، ليخرج ببورتريه فعّال وحيوي ومحفّز لآثار الظلم الاجتماعي.

كتب فيكتور هوغو، في مقدمة روايته: “طالما وُجدت فى عالمنا، بفعل القوانين أو الأعراف، لعنةٌ اجتماعية تصطنعُ جحيماً للبشر… وطالما وُجد على هذه الأرض جهل وبؤس، فلن تخلو هذه الرواية من فائدة”. بعد أكثر من 150 عاماً، يمكن قول الشيء نفسه عن فيلم لادج لي.

المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق