بندر عبد الحميد: حكاية جيل ضائع / وائل السوّاح

سيل من كلمات الرثاء الدافئ والصادق تدّفق بعد أن سمع أصدقاء الشاعر الراحل بندر عبد الحميد نبأ رحيله قبل أيام. قال عنه صديقه حسان عزّت “أكبر من حزب؛ هامته أعلى من سارية”، وقال منير الشعراني إنه كان ضيفا عند ضيوفه، فتح بابه وصدره “للمختلفين والمؤتلفين من أصحاب الرؤى والأفكار في الآداب والفنون والفكر والسياسة والثقافة، وقالت سعاد جروس إن عالم بندر “عالم عامر بالجمال خالي من العقد ومن الغلاظة عالم، من ألفته ودفئه، صار علامة فارقة بالشام، ملاذّ التائه وواحة المتعب واستراحة المسافر ومنبر الشاعر وملتقى المثقف”. صديقه ورفيق دربه محمد كامل الخطيب كتب “خرجت الثقافة السورية الحديثة من بيت بندر عبد الحميد، مثلما خرجت القصّة الروسية من معطف غوغول”. وكتب أحمد برقاوي، ” ما أشد ظلمتك يا شارع العابد الآن”، في إشارة إلى الشارع الذي كان يقيم فيه بندر عبد الحميد في قلب العاصمة السورية. وكتب عادل المحمود متفجّعا، “تتكون الشام من آلاف الأشياء الجميلة. تتكون الشام من آلاف الأشخاص الجميلين. تتكون الشام من آلاف البيوت الكريمة. بموت بندر عبد الحميد …نقصت الشام.”

قد يكون من بين من يقرأ هذه المقالة من لم يسمع باسم بندر عبد الحميد، ولا جناحَ عليه. فبندر لم يكن متنطّحا في أي مجال من مجالات الحياة، لم يدّع أنه مناضل ولا سياسي ولم يعتلِ منابر الشعر، ولم يظهر على شاشات التلفزيون، ولم يخض في غمار المعارضة، ولم يؤيّد الحكومة والنظام. كان مثقفا هادئا ورجلا كريما وصديقا نبيلا، فتح قبوه الصغير في أحد الأزقة المتفرّعة من شارع العابد وسط دمشق للجميع بلا تمييز ولا تفرقة، فأحبّه الجميع بلا تمييز ولا تفرقة.

انحدر بندر إلى دمشق من أقاصي الجزيرة، من قرية ما كان سيسمع باسمها أحد لولا بندر نفسه: تل صَفُوك. كانت أقرب مدرسة إلى قريته تبعد عشرين كيلومترا، وكان عليه أن يقطع المسافة خلال ثلاث ساعات في كلّ يوم، قبل أن يدرَج في مدرسة العشائر الداخلية في الحسكة. في المدرسة الثانوية بدأ يعرف أن ثمّة عالما موازيا للعالم الذي يعيشه هو الكتاب، فبدأ يقرأ بنهم، وأغرم بالشعر بشكل خاص، وحاول أن يكتبه، وحين تعلم لاحقا العروض نظم قصيدة عمودية فاز بها بجائزة ما، ولكنه فقدها أو أتلفها فيما بعد.

ولكن بندر ليس فردا فقط. ينتمي بندر إلى جيل كامل من المثقفين والشعراء الذين تاهوا بين السياسة والأدب، بين الالتزام واللا-انتماء، بين الوجودية والماركسية، بين القومية والدين. هو الجيل الذي برز في السبعينات. سبقهم جيل محدّد المعالم، واضح الاتجاه، مثّله سعد الله ونّوس وممدوح عدوان وفايز خضّور وعلي كنعان، الذين اعتبروا أنفسهم جزءا ن حركة التقدّم والتحرّر، انتسب معظمهم إلى حزب البعث حين كان الحزب في مرحلة صعوده، وحين كان لا يزال حزبا للفلاحين ومثقفي المدينة المتأثرين بالفكر الاشتراكي الغربي، والذين كانوا يعانون من قلق وجودي وفكري. وحين جاؤوا إلى دمشق، كانوا كالفاتحين الذين يريدون نقل المدينة من الظلمة إلى النور، من التخلّف إلى الحداثة، فتولّوا مراكز حسّاسة في المؤسّسات الثقافية والإعلام، ولعبوا دورا كبيرا في بناء ثقافة جديدة، فحرّروا القصيدة من العمود وحرّروا القصّة من الحدّوثة، وحرّروا المسرح من التمثيل. ثمّ صفعتهم هزيمة حزيران 1967، التي اعتبروها هزيمة لهم ولجيلهم ولحكومتهم ولتوجّهاتهم الثورية. أغضبتهم الهزيمة، فانكفأ بعضهم على ذاته كما فعل فايز خضّور، وفجّر بعضهم غضبه في ثورة مسرحية كما فعل سعد الله ونّوس، وانغمس بعضهم في سيل من الكتابة، شعرا ومسرحيا وروايات، كما فعل ممدوح عدوان.

جيل بندر جاء على أنقاض الهزيمة. حين انحدر بندر إلى دمشق للدراسة في جامعة دمشق نهاية الستينات، صعقته المدينة الفاتنة بجمالها وأناقتها، وفيها تعرّف على جيل كامل من الشباب الذين كانوا يصعدون في سماء المدينة كالشهب: نزيه أو عفش ومحمد كامل الخطيب ودعد حداد وسحبان سواح وتوفيق الأسدي وجليدان الجاسم وحسن يوسف. حين انقضت هزيمة حزيران كالصاعقة، كان جيل بندر يفتح عينيه على الثقافة والمدينة والسياسة والفن، وبينما كان جيل الستينات واضحا في إيديولوجيته واتجاهاته السياسية المبسّطة (حبّ الفقراء والثورة والوحدة العربية والمقاومة الفلسطينية)، كان جيل بندر يلهث باحثا عن الحقيقة، متنقلا بين لامنتمي كولن ويلسون وغريب ألبير كامو وفيلم “رغبة آنا” لإنغمار بيرغمان، من جهة، وثورة 1986 ومؤلفات هربرت ماركوزه وغي ديبور وناجي علّوش، وحرب فيتنام والمقاومة الفلسطينية وأفلام  الواقعية الجديدة في الستينات ومطلع السبعينات، وتنظيرات حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي الذي كان يمدّ سيطرة خبيثة على المشهد الثقافي السوري.

خرج جيل بندر عبد الحميد من هزيمة حزيران ليقع في مهزلة حرب تشرين 1973. في البداية انخرط جميع أفراد هذا الجيل في الحرب، وآمنوا بها، وبشّروا بالنصر والثأر لهزيمة حزيران. أحدهم، سحبان سواح، كان قائد دبابة، وقد انفجرت دبابته ونجا من الموت بأعجوبة، ليحتفظ ببعض الشظايا تحت الجلد في عنقه حتى اللحظة.  على أن الحرب تجلّت عن هزيمة إضافية، صُبِغت بألوان نصر زائف.

ثمّ رأى هذا الجيل دكتاتور سوريا الراحل حافظ الأسد وهو يثبّت دعام حكم دكتاتوري طائفي بغيض، ورأوا الفساد والمحسوبية وهي تتحكّم في كلّ مفاصل الحياة، وعصَر الألم قلوبهم وهم يرون خمس مشانق تتدلّى منها أجساد خمسة شباب في العشرينات بسبب عملهم مع المنظّم الشيوعية العربية، ثم وهم يرون مئات من الشباب اليساري يساقون على السجون، ليلحق بهم  آلاف المحسوبين على الإخوان المسلمين، ورأوا رئيسهم وهو يقمع حركة النقابات في 1980، فلم يعرفوا أين يقفون، وعجزوا عن فعل شيء في 1982 حين دمّرت قوّات حكومتهم مدينة من مدنهم فسوّتها بالأرض، وحين اجتاح الإسرائيليون عاصمة عربية تبعد عنهم أقل من مائة كيلومتر، وحين حوصرت بلادهم بسبب دعم رئيسهم لعمليات إرهابية في الخارج، وحين فتح الرئيس بعد ذلك الاقتصاد فسمح لعائلته ومحسوبيه بمراكمة ثروات لم تكن تخطر على بال أي منهم بأي حال.  ورأوا مهزلة الوريث، وصدّق بعضهم أن الرئيس الشاب يحمل أجندة للإصلاح، فانخرطوا في المنتديات ووقّعوا بيان التسعة وتسعين، مطالبين بالحريات والانفتاح ووقْفِ الاعتقال السياسي، ثمّ فغروا أفواههم وهم يرون قادة ربيع دمشق يذهبون إلى السجن.

وأخيرا فاجأت الثورة السورية بندرا وجيله، كما فاجأت الجميع. وانقسم الجيل على بعضه، فانغمس بعضهم في الثورة، وآثر البعض الاحتماء بالنظام. وفيما تفرّق أبناء جيل بندر أيدي سبأ في كلّ أصقاع الأرض، بقي بندر في دمشق، ينطر بيوت أصحابه وقصائدهم وذكرياتهم، كما بقيت زاد الخير في مسرحية “ناطورة المفاتيح” للرحابنة، لتنطر البيوت والمفاتيح، حتّى يعود أصحابها.  أصحاب البيوت في مسرحية الرحابنة عادوا وعادت معهم الضحكة تدر في شوراع المدينة، أما ناطور المفاتيح الدمشقي، فتفجّر قلبه الكبير، وما زالت البيوت خالية، وأصحابها يهيمون على وجوههم.

عن موقع تلفزيون سوريا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق