محاولات في تجديد “علم الكلام”

في تخليص بعض المفاهيم من شحنتها التيولوجيّة مفهوم " أهل الكتاب " نموذجا قراءة في فكر محمد أركون

 توطئة:

منذ سنة 1970  أدان محمد أركون الملتقيات الإسلاميّة – المسيحيّة، رغم أنّه قد شارك في  إحداها (1) وقد تكون مشاركته لسببين اثنين: الأوّل هو معرفة مدى التّغير الّذي قد يكون أصاب الدّراسات التّقليديّة سواء في المجال الإسلاميّ أو المجال المسيحيّ، لاسيّما بعد النّص الّذي كتبه وعنوانه  ” التّماس من مسلم إلى المسيحيين ” وأشار إليه في كتابه، العلمنة والدّين (2). والسّبب الثّاني هو تقديم رؤيته الخاصّة في معالجة بعض مسائل الفكر الإسلاميّ ولعلّ عنوان مداخلته يكفي للدّلالة على ذلك : ” الإسلام ، التّاريخيّة والتّقدم “.

إن ّهذه الملتقيات بحكم اندراجها ضمن خطّ تاريخ الأفكار التّقليدي – المرتبط بالمنهجيّة الفللوجيّة والسّائد في جهة الاستشراق- تعمل على إفراغ مضامين العقائد الدينيّة من أيّة علاقة لها بالوسط والظّروف الّتي انبثقت فيها وتبلورت لأوّل مرّة. فالعقائد عند المسلمين والمسيحيين وكذلك عند اليهود بمثابة الجواهر الثّابتة الّتي تقف فوق الزّمان والمكان.  ومادامت الأمور على هذا النّحو،  فإنّ أي ملتقى إسلامي – مسيحي أو إسلامي – يهودي هو من قبيل حوار الصّم، حيث يعتلي كلّ طرف فيه المنصة منافحا عن عقائده، مؤكّدا صحّتها،  ومتهما الآخر بالتّحريف ثمّ يعود إلى قواعده سالما.

في نقده لمثل هذه المقاربات، اتّخذت أبحاث محمد أركون منحى جديدا يتّصل بأنظمة الفكر، حيث يتلازم فيه التّاريخي بالسّوسيولوجي،  وعلم الألسنيات الحديث بعلم الأديان المقارن والّذي يهدف إلى تأسيس أنتروبولوجيا دينيّة تتوسّل بالمعارف المشار إليها وبغيرها بغاية البحث عن مقاربة علميّة وموضوعيّة لماهيّة الظّاهرة الدينيّة.  إنّ المنظور الأنتروبولوجي الحديث الذّي يتبنّاه أركون، يعمل على رصد الظّّاهرة الدينيّة أو ظاهرة التّقديس في أي مكان وفي أي مجتمع بشري دون أي تفضيل لبعضها على البعض الآخر بشكل مسبق، فالتّجربة تثبت لنا وعلم الأنتروبولوجيا المقارن يثبت لنا أيضا أنّه لا يمكن أن يوجد مجتمع بشري دون تقديس، أو دين،  ولكن هذا التّقديس يختلف من مجتمع إلى آخر،  كما أنّه يتعرّض للتّغير والتّحول عبر العصور. إنّ هذا المنظور العام الّذي يعتمده أركون في دراسة الظّاهرة الدينيّة، لم يمنعه من الإهتمام بالأديان التّوحيديّة الثّلاثة – أي أديان الوحي والكتاب – ومن محاولة الإمساك بالجذور العميقة الّتي تقبع خلف القوالب التّيولوجيّة الموروثة والّتي ترسّخ خصوصيّة كلّ دين وتعزله عن الأديان الأخرى.

مفهوم “مجتمع الكتاب”:

إنّ مفهوم “أهل الكتاب” المستعمل من قبل القرآن،  كان يعني اليهود والنّصارى،  أولئك الّذين تلقوا كلام الله ودونوه في كتب. وكثيرا ما نعثر في الخطاب القرآنيّ على دعوة موجّهة إلى اليهود أو إلى النّصارى أو إلى كليهما للالتحاق بالدّين الجديد (3). هذه الدّعوة جعلت المسلمين يتناسون أنّهم هم أيضا ” أهل كتاب ” ويعتقدون أنّ دينهم فريد من نوعه ومتفوّق عن كلّ ما عداه.  وقد يكون ذلك عائد إلى أنّ للإسلام نزعة احتوائيّة إزاء الأديان السّابقة عليه. وهذا ما جعل محمد أركون يعمل على انتشال هذا المفهوم المضمخ بالتّيولوجيا واستبداله بمفهوم ” مجتمع الكتاب ” . وعمليّة الإستبدال هذه لا تعني مجرّد نسخ مفهوم بآخر بقدر ما ترمي إلى تقويض المنظور الكلاسيكي لهذه الأديان المنزلة وبناء تصوّر جديد على أنقاضه، قائم على إدخال آليات جديدة لفهم هذه المجتمعات الّتي أنتجتها الكتب المنزلة وتحليلها وفق نظرة مختلفة هي ثمار الحداثة في بعدها المعرفي أو ما بعد الحداثة. إنّ مفهوم “مجتمع الكتاب” كان قد نحته محمد أركون بعد دراسة أنتروبولوجيّة للأديان المنزّلة ، منطلقها الأساسي هو اعتبار هذه الأديان متساوية من حيث فعلها في التّاريخ وهي بذلك تطرح جانبا مسألة أفضليّة أحدها على الآخر. فمفهوم “مجتمع الكتاب ” هو أكثر اتّساعا وفي الآن نفسه أكثر تعقيدا من مفهوم “أهل الكتاب”، لأنّه يدخل مكوّنات مشتركة للمجتمعات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة. هذه المكوّنات هي: أوّلا اعتماد كتاب موحى من الله المتعالي المفارق الّذي يكلّم النّاس،  ثانيا الكتاب الموحى- المقدّس يصبح المنبع الأوحد لكلّ التّعاليم المثاليّة للفكر والسّلوك الرّوحي والأخلاقي والسّياسي،  ثالثّا إنّ ضبط هذه المعايير يحتاج إلى تقنيّة خاصّة لقراءة الكتابات المقدّسة،  هذه التّقنيّة يمتلكها الفقهاء وعلماء الدّين. (4)

إنّ هذه المكوّنات الموصوفة بأنّها تطغى عليها الصّيغة التّعميميّة والّتي تمثّل المثالين اليهودي والمسيحي تتّخذ في القرآن تدقيقات لا بدّ من الإشارة إليها فعبارة “أهل الكتاب” وردت في صيغة المفرد لأنّ كلّ الأنبياء والرّسل الّذين سبقوا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم تلقّوا رسالات مستمدّة من أمّ الكتاب المحفوظة بدورها في اللّوح المحفوظ، فالنّسخ المتتاليّة للوحي هي بمثابة الطّبعات الأرضيّة  des Éditions terrestres  للكتاب السّماوي الأمّ.  هذا الاعتقاد تترتّب عليه نتائج لا بدّ لكلّ قراءة جديدة من بحثها بدقّة: أوّلا أنّ المعرفة الكاملة والصّحيحة والخالدة موجودة في أمّ الكتاب ولكنّها جزئيّة وتحتاج إلى المراجعة في طبعات أرضيّة، إضافة إلى ذلك فإنّ بلوغ المعنى الصّحيح لكلام الله مرتبط بمدى صلوحيّة أدوات التّأويل والأنماط النّموذجيّة للمعرفة في مجتمعات الكتاب. ثانيا إنّ علوم اللّغة لها الدّور الأوّل في تنظيم المعرفة ولكنّ هذه العلوم مرتبطة في الوقت نفسه بنظام العقائد واللاّعقائد المفروض من قبل الكتاب المقدّس والأطر الاجتماعيّة – الثّقافيّة للمعرفة الخاصّة بكلّ فترة وبكلّ مكان. فتأويل النّص القرآني لم يكن يسمح به خارج دائرة المختصّين في اللّغة وفي الدّين، فالمفسّر أو المؤول يجب أن تتوفّر فيه الشّروط التّالية: امتلاك ناصيّة اللّغة العربيّة والعلوم المتفرّعة عنها كالنّحو والبلاغة ومعاني غريب الألفاظ وشاذّها والشّعر الجاهلي لأنّه يمثّل ذاكرة العرب،  العلم بأسباب النّزول الّتي يميّز بواسطتها بين الآيات  النّاسخة والآيات المنسوخة، ومعرفة بالحديث النّبوي معرفة دقيقة لأنّه يوضّح عددا من كبيرا من الأوامر الّتي تمسّ أحيانا مظاهر أساسيّة في الإسلام كالصّلاة الّتي اكتفى القرآن بالدّعوة إليها ثمّ الإحاطة بتاريخ الإنسانيّة عامّة وبتاريخ الأنبياء خاصّة والشّعوب الّتي ذكر القرآن قصصها ثمّ التّحلي بالأخلاق الإسلاميّة والتّقيد بسلوك مشرف لا تشوبه شائبة من جميع الوجوه (5). إنّ الأديان التّوحيديّة الثّلاثة اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، خاضعة لنصوص مقدّسة منفتحة في الأصل على شتّى التّأويلات ويدخل كلا منها فيما يسمّيه محمد أركون بالحالة التّأويليّة المؤسّسة على مقولة : “الإيمان من أجل الفهم و الفهم من أجل الإيمان” وهي حالة مشتركة لدى أهل الكتاب. تعقب هذه الحالة الحدث التّأسيسي  L’événement inaugurateur   لكلّ دين وتنشأ عنها سنة تأويليّة لهذا الحدث، تنزع عن طريق منطقها الدّاخلي وبتأثير ظروف بروزها التّاريخيّة إلى الإنغلاق على نفسها وتنتهي إلى نظام إقصائي. لقد تفطّن أركون من خلال دراسته للمجتمعات الّتي لها كتب منزلة إلى وجود نظام إنتاج يتحكّم بها. يقوم هذا النّظام أوّلا على حدث تأسيسي يتمثّل في تدخّل الإله الحيّ في التّاريخ، فموسى عليه السّلام وعيسى عليه السّلام ومحمّد صلّى الله عليه وسلّم هم الممثلون الأساسيون الّذين اختارهم الله من أجل أن يقدّموا في كلّ مرّة لتاريخ النّجاة أي لتاريخ البشر على الأرض، انطلاقة جديدة للوحي الإلهيّ. تأتي بعد ذلك الشّهادة التّأويليّة – المفسّرة وهي الّتي يتمّ بواسطتها الإنتقال من الحدث التّأسيسيّ إلى مرحلة الأمّة المبشّرة والفاعلة في التّاريخ الأرضيّ وهذا الإنتقال يتمّ على يد الصّحابة الشّاهدين على زمن الوحي، إنّهم الحواريون المتنورون بنور الله وقد لمسهم الفضل التّقديسي. وممّا يلاحظ أنّ هذا الإنتقال هو انتقال من المرحلة الشّفاهيّة إلى المرحلة الكتابيّة وقد تمّ ذلك من خلال خطاب شفاف محا كلّ المناقشات وكلّ الصّراعات المتّصلة بالتّسلسل التّاريخي لعمليّة الإنتقال هذه، وممّا يمكن الإشارة إليه في هذا السّياق هو أنّ النّقد التّاريخي الحديث يثير مشاكل عويصة عندما يتعرّض لمسألة صحة النّصوص. إنّ ثنائيّة الكتابات/القراءات في الأديان الثّلاثة تقتضي وجود جدليّة اجتماعيّة – ثقافيّة ما بين الكتابات المقدّسة والقراءات المتتابعة لها جيلا بعد جيل. إنّ هذه القراءات سوف تكون في اتّجاهات متشعبة ومختلفة وذلك حسب القراءة المسيطرة وثقافة أصحابها ومخزونهم المعرفي، فتكون حرفيّة أو رمزيّة أو تاريخيّة أو تيولوجيّة أو فلسفيّة أو تصوفيّة (6).

هكذا يتحوّل مفهوم “مجتمع الكتاب” وقد تخلّص من شحنته التّيولوجيّة الجاثمة عليه منذ قرون إلى مجتمعات للكتاب بصيغة الجمع بعد أن أخضع لآليات التّحليل التّاريخيّة والإجتماعيّة، فإذا بالكتاب وهو يقحم الوحي في التّاريخ، يعمل على تشكيل مجتمعات لها خصوصياتها المحكومة بالظّروف التّاريخيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة وكذلك بطبيعة المتلقين للكتاب أي الفاعلين الاجتماعيين.

*******

الهوامش:

1 – Rencontre Islamo – Chrétienne : Conscience musulmane et conscience chrétienne aux prises avec les défis du développement, ed université de Tunis,centre d’études et de recherches économiques et sociales, Carthage  – Hammamet – Kairouan, 11 – 17 Novembre, 1974.

  1. Arkoun, ” L’Islam, l’ historicité et le progrès ” op cit,pp 29 – 53.

2 – محمد أركون: العلمنة والدّين،  دار السّاقي، ط1 ، لندن، 1990، هامش ص ص 39- 40.

3 – من الأمثلة على ذلك، سورة المائدة، الآيّة 16.

4 – Mohamed arkoun, Lectures du Coran, ed Maisonneuve, Paris, 1982, p 40.

5 – عبد المجيد الشرفي: ” تنزيل القرآن وتأويله “، مجلّة الحياة الثّقافيّة،  تونس، عدد 56، سنة 1990 ، ص 28.

6 – محمد أركون:  تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي،  مركز الإنماء القومي،  بيروت،  ط 1 ، سنة 1986 ، من ص170 إلى ص 175.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق