صورةٌ للفنّان في شبابهِ: حوار مفتوح في الفنّ والشّعر والسياسة مع الشّاعر والموسيقيّ الفلسطينيّ وسام جبران (ج2)

بين شعرٍ ونثرٍ ثمّة كائن رينيسانيّ المزاج

-ثلاث مراحل في عمرك الشّعريّ، تفصل بين كلّ مرحلة وأخرى ما يزيد على عقد: انت Anti ماء 1991، رُتيلاء 2003، كَونٌ لا زمن 2019. هل يمكن أن أقول إنّ جبران انطلق فيها من التّجريب الغضّ واللّعب بمعماريّة القصائد، أفقيًا، قطريًا، عاموديًا، في اتّجاهات الاضطراب بحثًا عن وجهة… ليدخل بعدها مرحلة الحوار الصّاخب مع الذّات وبركانها في “رُتيلاء”، وينتهي إلى تجريب أكثر نضجًا منفتحًا على معماريّة الزّمن وفضاء الكَون ومحاورته؟

دون أن أخطّط يبدو لي، بعد كلّ هذه السّنين، ومع فارق يُقارب العقد من الزّمن بين إصدار شعري وآخر، أن ثمّة مشروعا شعريا متواصلا يربط بين “إنتـِ _ Anti _ ماءات” و”رُتيْلاء” و”كونٌ لا زمن”. لا شكّ أنّ تجربتي مرّت بمساراتٍ موضوعيّة وشكلانيّة متنوعّة، وأنا أتحفّظ على مصطلح “تطوّر”، لأنّني لا أعتقد، والشّعر من الشّعور، أنّ كلّ ما أكتبه اليوم، هو بالضّرورة أكثر تطوّرًا ممّا كتبته سابقًا؛ مرّة أخرى، ثمّة تغيّرات، وتطوّرات أحيانًا، لكنّ الأهمّ أنّني أكتب بهاجس من أسئلة كبيرة تشغل همّي الشّعري وبالتّالي مشروعي الشّعري، وكأنّني لا أذهب إلى طاولة الشّعر إلّا بدافع من هذه الهموم الكبيرة.

في ديواني الأول “إنتـِ _ Anti _ ماءات”، ربّما أكون، في بداياتي (العشرينيات من عمري) قد اهتممت بالشّكل وعلاقته بالمعنى أو اللاّمعنى في الشّعر. لقد جئت إلى الشّعر من الموسيقى (كما لاحظ أدونيس في تظهيره لرتيلاء)، والموسيقى تعني بالضّرورة (اللاّمعنى) والتّعدديّة الصّوتيّة، والاهتمام بالفونيما الصّائتة المجرّدة من المعنى المُعجمي كمكوّن أساسي في اللّغة. وجئت كذلك إلى الشّعر، من “مقولة الإبداع” بوصفه “تحرّرًا مّا” من قواعد اللّغة وسطوة قانونها ومخزونها الموروث. لم أتخلّ عن “الشّكل” في “رُتيلاء”، وهو عبارة عن قصيدة واحدة ممتدّة على الدّيوان بأكمله، لكنّها معقّدة التّركيب في داخلها، ومُقسّمة إلى سبعة خيوط وثامن خارج النّسيج، وداخل كلّ نسيجٍ ثمّة تقسيماتٍ أخرى متكرّرة. إذن، ثمّة بُنيّة هيكليّة تختلف عن تجربتي الأولى؛ الاهتمام بالشّكل، لم يتوقف، ولا ينبغي أن يتوقّف، لكنّه يأخذ مناحي جديدة. أو ليست الكتابة الشّعريّة لعبة بمعنى مّا؟

في “كون لا زمن” أخذ الشّكل البصري للقصيدة عندي منحى جديد، يختلف عن سابقيه، لكنّ الشّكل في تجربتي الشّعريّة لا يأتي من خارج الفكرة، إنّه دائمًا في خدمة الفكرة يُراقصها لا يقمعها أو يوجهها أو يتجاهلها.

على مستوى الفكر، ربّما لم أجدد كثيرًا، وما زلت على قناعاتي، لكنّني أحفر في العمق وأوسّع أفقي المعرفي. مثلاً، منذ بداياتي الأولى لم أحب لغة اليقين أو لغة الوعظ في الكتابة الشّعريّة وعمومًا. مازلت على هذا المنوال حتّى الآن. هل يُسمّى هذا “عدم تطوّر”؟ لكنّ، سؤال الفنّ ليس دائمًا فيما نقول، ليس في قناعاتنا، بل في كيف نقول. فهل نقول أنّني أُنوّع على ثيماتٍ تتكرّر في شعري؟ نعم، ولم لا… الآن، بعد “كونٌ لا زمن”، سأصمت قليلاً… سأصمت، لأنّني أبحث عن تجربةٍ جديدة تغريني، وإمّا أن أجدها أو أتوقّف عن الكتابة. أنا لا أكتب الشّعر رغمًا عن اللّغة والفكرة واللّحظة الجماليّة؛ لا أكتبه بالقوّة.

مسكون بفكرة الصّمت، هذه المادّة الهلاميّة، الطّيفيّة، الّتي تسبحُ بحركة ثقيلة في القصائد.  لماذا كلّ حمولة الصّمت والسّكون في الشّعر… أليس الصّمت نهاية العالم… بدايّة موت، جمود لا ضجيج له… أم أنّ الصّمت لغة ما قبل التّعبير الّتي تُكملُ نقصان الكلام؟

حتّى الآن، تعاملت مع الصّمت في كتاباتي بوصفه تلك المساحة الّتي لم تنطق بعد. من هنا، يأخذ الصّمت معانيه، فهو المُستقبل مثلاً، الّذي لم يُفصح عن نفسه بعد، وهو بالتّالي مركّب مهم ورؤيوي في تشكيل مفهوم الهُويّة عندي، بمعنى أنّ “الموروث” هو إفصاح قد تمّ، والماضي هو بمكانٍ ما “مُسْتَنْطَق”، أمّا المُستقبل الّذي لم يُفصح عن نفسه، فهو الصّمت الّذي تأتي منه “الهُويّة” بالمعنى الرؤيوي للمعنى، والّذي يُعطي للهُويّة/ الإنسان قيمة إضافيّة ونافذة إبداعيّة لا تُقفل على تعريفات الهُويّة، بل يجعلها مكوّنًا متحوّلاً قابلاً للتّشكّل والنّمو مع الانسان نفسه.

الصّمت إذن، هو خزائن احتمالاتٍ ممكنةٍ لمم تتحقّق بعد في الوجود. والصّمت بالتّالي هو سؤال؛ فما الّذي يُمكن أن يستثير خزائن الصّمت ويستحضر الاحتمالات الممكنة للوجود من حيّز الغياب/ الصّمت، إلى حيّز الوجود الصّائت (الصّوتي/ المنطوق)؟ وهل للصّمتِ، فلسفيًّا، في كتابتي الشّعريّة شحنة ميتافيزيقيّة؟ لا أعرف… ربّما…

هاملت شَغلك أيضًا على نحو مفاجئ… واشتغلتَ في دراستك حول المسرحيّة على خزائن الصّمت في المأساة… مرّة أخرى تجنح نحو الحفر  في الحركيّة والسّكون، الانتماء واللاّانتماء، الحضور والغياب… تدور رحاك حول جدليّة الثّنائيّات، دون القفز إلى مساحات أبعد من هذه الثّنائيّات، أقصد هاملت بصفته الكونيّ المتعدّد، لا الثّنائيّ.

من الجيد أنّك تتطرقين إلى هذا الموضوع. لكن من الصّعب الخوض في كلّ تفاصيل هذه الدّراسة، وأنا أحيل القارئ هنا إلى الكتاب نفسه الّذي صدر عن دار “كلّ شيء” في حيفا. وفيه قمت بدراسة مفهوم الصّمت فلسفيًّا وأنطولوجيا وتوصّلت إلى استنتاجاتٍ مُدهشة، فهذا المدخل مكّنني من قراءة واكتشاف شكسبير من جديد بوصفه كاتبًا وجوديًّا بامتياز. ونعم، طالما أنّك تسألينني عن تعدديّة ذوات هاملت، فهذا محور هام في الدّراسة ومثير للبحث، ويُشكّل مدخلاً هامّا لقراءة من نوع آخر لنصّ شكسبير في هاملت وعمومًا؛ قراءة تلقي بظلالها على كثير من الشّخصيات والأحداث والمواقف على نحو ليس متداولاً في النّقد الأدبيّ الشّكسبيري، وعلى الكثير من “المسكوت عنه” في النّص.

أعودُ معك إلى مفهوم الصّمت المتعدّد: تعكفُ على كتابة من نوع آخر بعيدا عن الشّعر والموسيقى والبحث. القصّة القصيرة، واليوميّات. ماذا تحمل هذه الكتابة في طيّاتها؟ ولماذا تتجه الآن بالذّات إلى النّثر من بابَين مختلفَين عن دفيئتك الأولى، الشّعر؟

باعتقادي أنّ الفكرة سابقة للنوّع الفنيّ، وهي بالتّالي الّتي تُملي إلى حدٍّ مّا الشّكل، فالفكرة تأتي عادة من طبيعة “الصّمت” أي من طبيعة وجودها الفائق الّذي يسبق تحقّقها بالفعل، وهي حين تتحقّق فهي تتحقّق بلغةٍ مّا وبشكلٍ مّا وبإيقاعٍ مّا، طبعًا لا شيء نهائي، فبين لحظة الانفعال الأولى ومراحل “اكتمال” العمل الفنّي مساراتٌ تتغير فيها عوالم شتّى على مستوى المضمون والشّكل، لكن ثمّة بدء، غالبًا ما يحدّد بطبعه وطبيعته النّوع الفنيّ.

كتابة اليوميات، أو ما أسمّيها “دفاتري اليوميّة”، هي الطّريقة الوحيدة الّتي يُمكن فيها العودة بالزّمن إلى الوراء. هذا النّوع من الكتابة ليس عمليّة استذكار وحسب، بل إعادة مُعايشة وإعادة وعي اللّحظة، بل وإعادة إنتاجها على نحو مّا. أنا لا أكتب “الدّفاتر اليوميّة” في آخر كلّ نهارٍ، لا ليس الأمر وسواسًا، بل أفعل ذلك بين فتراتٍ متباعدة. هذا ما أسمّيه “الزّمن الأخلاقي”، بمعنى أنّنا لا نستطيع العودة إلى الماضي إلاّ بالمعنى الأخلاقي للكلمة. هل من وسيلة أخرى للتّغلب على عدونا الرئيسي: الزّمن؟

بالنّسبة لكتابة القصّة، فمن طبعي وطبيعتي التّنوع والتّعدّد؛ قالها لي أحد الأصدقاء ممازحًا ذات مرّة، إنّني رينسانسيّ (نهضوي) المزاج والطّبيعة. نعم، ربّما هكذا هو حالي، وأعتقد أنّ هناك أكثر من فائدة حين نخرج من ذاتنا الواحدة أحيانًا لنمكث في ذاتٍ أخرى وأخرى، أي الخروج من الذّات الشّعريّة مثلاً إلى تلك الموسيقيّة أو تلك النثريّة أو القصصيّة إلخ… فهذا يمنح الأطباع متّسعًا من التّنفس والتّهوئة من جهة، وإطلالة جديدة من نافذة أخرة على هذه الأطباع عند العودة إليها من جديد. أمّا لماذا القصّة أو لماذا الشّعر أو لماذا الموسيقى، فهذا، كما قلت، يتعلّق بطبيعة الأفكار وما تستدعيه من شكل وأسلوب وإيقاع ولغة.

خطّ واحدٌ لا يصنعُ دلالة

كيف تتطابق/تتحاور مادّة “علميّة” كالموسيقى، مع الشّعر بصفته مادّة “عاطفيّة”؟ تعال نعرّف معك من جديد هذه العلاقة: نشاز  وتناغم، متنٌ وهامش، روح تجاورها روح أخرى؟

ثمّة شروط أوليّة لممارسة أي فنّ في الحدّ الأدنى. امتلاك اللّغة أولاً، ثمّ تأتي فنيّة اللّغة ويأتي الأفق المعرفي والثّقافي والموهبة وغير ذلك… الإنسان، كلّ إنسان، يملك لغة يتحدّث بها، ولو في الحدّ الأدنى، وبها المخزون البسيط يمكن أن نجرّب الكتابة ومنها الكتابة الشّعريّة، من هنا، يكتفي البعض بهذه المعرفة اللّغويّة ويخوض في تجربة الكتابة. نعم، ما زلنا نتحدّث عن الحدود الدّنيا والبدايات المتواضعة، ولكن حتّى هذا غير ممكن موسيقيًّا، لا لشيء سوى أنّ معظمنا لا يتعلّم الموسيقى لغةً منذ طفولته كما نكتسب اللّغات الكلاميّة. فحتّى هذا الشّرط الابتدائي لا يكون في متناول غالبيتنا. لكن، إذا افترضنا أنّ أحدًا يملك هذا العلم البسيط الأوّلي في الموسيقى كما يملك غالبيتنا الحدّ الأدنى من اللّغة الكلاميّة، فعندها، سننتقل إلى الأسئلة ما بعد هذه المرحلة، وهناك ستخضع تجربة التّأليف الموسيقي لشروط يجب أن تخضع لها أي ممارسة فنيّة أخرى. ما أضطرّ إلى قوله لتلاميذي، عادةً هو أكثر ما أتعلّمه بنفسي، وهنا أطلب من تلاميذي أن يتعاملوا مع النّص الموسيقي أو الأدبي كما لو كان عمارة. ففي الهندسة المعماريّة يجب أن تقف العمارة أوّلاً ولا تقع في كلّ الحالات؛ هذه هي نقطة البدء، ثمّ تأتي الجماليات. بمعنى أنّني لا أفهم جماليات قصيدة أو مقطوعة موسيقيّة لا تتوفّر فيها شروط الوقوف على الأقدام أوّلاً، ولا تتوفّر فيها مقوّمات الصّمود “البنيوي”؛ أمّا ما هي هذه المقوّمات، فهذا موضوع لا يُناقش في سطور، بل هذا في صميم تجربة العمر الّتي نكرّسها لتطوير وتهذيب هذه القدرات؛ ففي الهندسة ثمّة فيزياء وأرقام وحسابات قوّة، أمّا في الموسيقى والأدب فالمسألة أعقد. فما معنى أن نؤلّف سمفونيّة؟ هذه مهنة لا يعرفها العرب! لذلك فإنّني بالكاد أجد رواية عربيّة تؤثّر بي، فالرواية هي عمل سيمفوني بامتياز.

-وماذا عن الشّعر؟ أليست هذه المقابلة بين التّأليف الموسيقي والتّأليف الروائي مجحفة وقاسية في حقّ الرواية العربيّة الّتي تؤسّس لمعماريّتها، والرواية أكبر حقل بوليفوني اليوم في الأدب؟

لا أريد أن أعود إلى شرح البديهيات، لكن في تاريخ الشّعر العربيّ والعالميّ عمومًا، ثمّة أشكال ثابتة، أوزان، قوافي، تصميمات، وحتّى موضوعات، تأطّر الشّعر فيها وبها، وشكّلت له قوانينه المعماريّة إن صحّ التّعبير. اليوم، وبعد أن فقد الشّعر كلّ الأطر التقليديّة، وصار يعيش خارج أي إطار أو شكل محدّد سلفًا. في زمن “الحداثة” وما بعدها، إن صحّت هذه المُسمّيات، باعتقادي أنّ القانون المعماري (قانون القوّة) للقصيدة، القصّة، الرواية إلخ… يستمدّ قوانينه ويُشكّلها من داخل الكتابة العينيّة ذاتها، لا من خارجها؛ بمعنى، أنّ ثمّة “متانة” داخليّة، وثمّة “تحديدات/ رصانة” داخليّة، وثمّة “ترابطات/ تشكُّلات/ تواشجات/ عوالم…” يجب أن تتوفّر لتُشكّل معماريّة العمل الفنّي بعينه ولا تتركه في مهبّ ريح الشّطح والتّشتت البنيوي. ما عدا ذلك، يظلُّ ممكنًا، بشرط أن ينجح في “إقناع” المتلقّي… فالقانون الوحيد الثّابت في الفنّ، برأيي، هو “اختراق القوانين”، وإلاّ يُصبح العمل الفنّي، عمومًا، محض تكرار وتنويع على ما سبق.

هناك عبارة للرسّام الفرنسي ديلاكروا يقول فيها: “ثمّة خطوط مسخيّة… إنّ خطّاً لا يصنع وحده دلالة؛ يلزمه خطٌّ آخر ليمنحه تعبيراً…”

وهناك سؤال هامّ أفترض أنّ من الجدير أن نطرحه على أنفسنا دائماً: ما هي نقطة البدء الّتي تسبق تأليف عمل موسيقي أو أدبي، مكتوب أو مسموع، أيًّا كان نوعه؟ والجواب البسيط هو “الصّمت”؛ صمت الورقة البيضاء، وصمت الفضاء الصّوتي. ومن هنا، فإنّ هويّة العمل الفنيّ بوصفه ذلك “الصّائت/ المُفصح” لا يمكن أن تتشكّل دون أن نطرح السّؤال عن هُويّة “الصّمت/ غير المُفصح” الّذي يُشكّل خزانة الاحتمالات لكلّ ما يُمكن أن يتحقّق ويُفصح عن ذاته كتابةً أو صوتًا.

الموسيقى العربيّة ثقافة ارتجال وتذكّر

في اشتغالك في حقل الموسيقى، أثرٌ واضح لرسالة كَونيّة. الموسيقى تفتّت وتفكّك حضور المعنى الواحد ودلالة المعنى الواحد. مثلها مثل الشّعر والرواية. في رأيك، هل ساهَمت الموسيقى، كحَقل معرفيّ، في رفع الجسد العربيّ بوجه عام والفلسطينيّ بوجه خاصّ الجريح والمحاصر والمحتل والمهزوم، إلى منطقة، ولو حدوديّة تأمليّة على الأقلّ، لفَهم وفتح هذا الجسد على دلالات تتجاوز مفهوم الهزيمة؟

أوّلا لنتّفق على تعريف واضح للموسيقى. بالنّسبة لي أنا أفصل بين الغناء، وخاصّة الشّعبي، وبين الموسيقى المحض. وماذا أعني بذلك؟ ثمّة فارق بين تلحين نصّ شعري أو كلامي، بمعنى تلبيس النّص الكلاميّ لباسًا لحنيًّا خطيًّا تابعًا، وبين الموسيقى بوصفها لغة تفكير خالصّة. فتأليف سوناتا لآلة موسيقيّة أو سمفونيّة لأوركسترا يتطلّب نوع آخر كليًّا من التّفكير والمعرفة والخيال. لا نتحدّث هنا عن شكل أو جانر موسيقي دون غيره بقدر ما نتحدّث عن نوعيّة تفكير ينطلق من اللّغة الموسيقيّة ذاتها وينتهي بها وإليها، ولا يكون خطيًّا سرديًّا بالضّرورة، بل غالبًا ما يكون متعدّد الأصوات ونسيجيًّا، لا بالمعنى التقني فقط، بل بالمعنى الفلسفي الواسع أساسًا.

في الفضاء الثّقافي الموسيقي الفلسطيني هناك تجارب وأسماء محدودة تشتغل في الموسيقى بمعناها الّذي حدّدته هنا. وهذه الأعمال والتّجارب لم تكتسب صيغة تراكميّة بعد؛ بمعنى، لا توجد في الحياة الثّقافيّة العامّة في فلسطين كونسرتات دوريّة تُسمع فيها هذه الأعمال وتؤثّر، ولا تُدرّسُ بشكل منهجي وتراكمي ومؤثّر في المعاهد الموسيقيّة المعنيّة، ولا هي جزء من اهتمام الميديا العامّة، ولا هي موثقّة بشكل مريح لأي باحث أو دارس أو مهتمّ لكي يتناولها بشكل أو آخر. بكلماتٍ بسيطة، هذه اللّغة لا تزال على هامش الثّقافة الّتي هي بالأساس ثقافة كلاميّة فصيحة، وبالتّالي فإنّ تأثيرها لا يزال ضئيلاً جدًّا. ولكن، هذا الحضور الهامشي في اتّساع نسبي، وهذا مؤشّر يمكن أن يُبنى عليه في المستقبل. المهمّ أن تتمأسس الثّقافة الموسيقيّة في المجتمع الفلسطيني ويُرصد لها من الميزانيات ما يمكنها من الحضور الفاعل والمؤثّر كما هي عليه في مجتمعاتٍ أكثر تقدّمًا منّا مؤسّساتيًّا.

الخروج من “الهزيمة” عبر الموسيقى، إذن، هو خروج الموسيقى من اللّغة؛ لغة الهزيمة. فصل الموسيقى عن اللّغة الكلاميّة، بات أمرًا مُلحًّا لتخليص الفكر الفلسطيني من “اللّغة” (النّظام الرمزي) الّتي يتشكّل منها وفيها الخطاب السّياسي والثّقافي والفنيّ عمومًا. فإنّ كتابة “سمفونيّة فلسطينيّة” (وهنا أستخدم هذا المًسمى مجازًا لا بحرفيته بالضّرورة) تتطلّب قراءة من نوع لم يألفه “العقل” الفلسطيني (الكلامي) من قبل؛ قراءة طِباقيّة متواشجة، لا في طبقات الحياة الفلسطينيّة الشّديدة التّعقيد فقط، بل هي متواشجة مع طبقات الحياة البشريّة وثقافات العالم أجمع. للموسيقى القدرة على الولوج المباشر للعقل الإنسانيّ دون وساطات اللّغات والتّرجمات والمحمول الثّقافي الأيديولوجي لكلّ لغة وثقافة وخطاب. إنّها، في ذاتها، فعل تحرّر وانعتاق. بهذا المعنى، تكون الموسيقى فعل مقاومة لكلّ سلطة على العقل.

 

-دَعني آخذك الآن إلى منطقة تخوميّة بين الموسيقى الغربيّة والموسيقى في الثّقافة العربيّة. لديكَ أطروحة هامّة في هذا الباب تتأسس على قاعدة الحضور والنّسيان، الشّفهيّ والمدوّن. ماذا قدّم الغرب موسيقيًا للعالَم، واضح في مدوّنتهم الهائلة. فماذا قدّم العرب موسيقيًا-في مستوى الممارسة والنظريّة لأنفسهم وللعالَم؟

قُبيل سقوط الدّولة العباسيّة شهد ما كان يُسمّى بالعالم الإسلاميّ العربي بدايات نهضة فكريّة موسيقيّة على أثر ترجمة الأدبيات الإغريقيّة ثمّ تطويرها ثمّ إعادة تصديرها إلى الغرب فيما بعد على نحو جديد ومؤثّر في الثّقافة الغربيّة. هذه المنجزات، (الفارابي، الكندي، ابن سينا، الأرموي الخ) لمن يتمعّن فيها، هي الاثبات على أنّ “العرب” لم تملك نظريّة موسيقيّة وجاءت هذه المحاولات لوضع نظريّة للموسيقى العربيّة لم تسمح الظّروف السّياسة باستكمالها وتطويرها، فتمكّنت الثّقافة الغربيّة فيما بعد من الاستفادة منها والمراكمة فوقها دون العرب. وما كان شائعًا عند العرب بالدّرجة الأولى هو الغناء وتوابع من الموسيقى الشّعبيّة الملحقة بالغناء، أمّا ما يُمكن أن نطلق عليه اسم “مُؤلَّف موسيقي بحت” فلا وثائق أو مدوّنات أو مراكمات تشير إلى وجوده.  وبحكم أنّ الموسيقى العربيّة لم تُدوّن يومًا، ولم تكن بطبيعتها وطبعها ثقافة تدوين و”نسيان”، بل ثقافة ارتجال وتذكّر، فهي لم تصل إلينا مباشرة ولم تتراكم معرفيًّا، وظلّت تعيش داخل المجتمعات ضمن وظيفتها ودورها الاجتماعي الطّقوسي أو التّرفيهي لا غير. هذه من الخواص الّتي جعلت للمغني وضعًاً اجتماعيّاً أهمّ من (الملحن) في الممارسة الموسيقيّة عبر الزّمن في الفضاء العربي، وهذه الميزة كانت مُسيطرة كذلك في ثقافة الغرب (في نوع الأوبرا تحديدًا) حتّى زمن غير بعيد (القرن التّاسع عشر، ومع قدوم روسيني في إيطاليا).

في القرن العشرين، حدثت طفرة شكليّة مع تمكين التّكنولوجيا للموسيقيين العرب من توثيق (وليس تدوين) أعمالهم، بمعنى أن البُعد التّوثيقي في التّدوين فقط قد تحقّق بفعل التّسجيلات الصّوتيّة وغيرها، لكنّ “التّدوين” بوصفه أبعد من مجرد تقنيّة توثيق، أي بوصفه عقليّة ماهويّة نوعيّة مختلفة للتّأليف الموسيقي والأداء، هذا لم يتحقّق في الثّقافة الموسيقيّة العربيّة، الّتي لا موروث لها بوصفها “موسيقى” أي بوصفها “فكرة موسيقيّة محض” أو “نظريّة موسيقيّة خاصّة”.  ولو أردت أن أتحدّث بلغة العلوم أو الفيزياء تحديدًا (فيزياء الكم خاصةً)، فإنّ التّدوين هو شكل من أشكال “الرّصد” للفكرة، لا يُشاهدها ويراقبها كما هي في الطّبيعة إلّا بقدر ما يُغيّرها ويتدّخل في تكوينها، بفعل هذا “الرّصد” ذاته. “التّدوين” هو حالة وعي مختلفة تُعيد إنتاج موضوعها، لا تحتضنه كما هو في الطبيعة وحسب.

الموسيقي “العربي” اليوم أو “الفلسطيني” الّذي درس الموسيقى والتّدوين عبر سنين من عمره، هو يختلف، بحكم هذا المسار التّرشيدي، جوهريًّا عن “الموسيقي الشّعبي” التّقليدي، وهو ابن العالم، وليس ابن الثّقافة المحليّة. هنا ثمّة مُعضلة، أسوأ ما فيها هو ذاته أجمل ما فيها: وهو أن لا حلّ لهذه المُعضلة في الماضي (غير الموجود)، ولا حلّ لها سوى في المُستقبل عبر الإبداع. بتعبير آخر: الموسيقي العربي/ الفلسطيني اليوم هو بداية سلالة.

 

-لكنّنا لا نزال في معضلة الرّاهن. دعنا نضع إصبعا على مكامن العطب في المشروع الموسيقيّ الفلسطينيّ اليوم. هل  يمكن توطين مشروع موسيقيّ جادّ ضمن حالة الفراغ أو الغياب الراهنين، وهل يمكن أن نقرأ المشروع الموسيقي والثّقافيّ الفلسطينيّ قراءة طباقيّة؟

الواقع الفلسطيني اليوم، سياسيًّا، هو واقع طباقي (متعدّد الأصوات)، والواقع الوجودي الإنساني هو كذلك بطبيعة الحال. أنا لا أستطيع أن أتصوّر واقعًا أحاديّ الصّوت حتّى داخل قطيع من الأغنام، فكم بالحري حين نتحدّث عن مجتمع إنساني حيوي وفاعل ومتحوّل كالمجتمع الفلسطيني! من هنا، لو أردنا أن نكتب “سمفونيّة فلسطينيّة” مجازًا أو حرفيًّا، فمن الصّعب أن نقارب الواقع التّعددي هذا في موسيقى من نوع آخر. هنا أي موسيقى خطيّة ستتحوّل إلى مجرّد حالة ترفيهيّة أو وظيفيّة، كما هو الحال في الموسيقى الشّعبيّة البسيطة، وهذا ليس مجال حديثنا.

لا أعرف ما هو تعريف “المشروع الموسيقي الفلسطيني” في هذه اللّحظة، ثمّة تراكمات جديّة كثيرة ينبغي أن تحدّث من أجل الوصول إلى مقاربات لمفاهيم من هذا النّوع، حتّى الآن من الصّعب بمكان أن نحدّد. قبل عام تقريبًا، ولأوّل مرّة، صدرت إسطوانة في ألمانيا (Deutschlandfunk) بمبادرة من “جدعون بوص”، تحتوي على مؤلّفات للبيانو لمؤلّفين موسيقيين فلسطينيين من بداية القرن العشرين حتّى يومنا هذا (بدءًا من سلفادور عرنيطة، ومرورًا بأمين ناصر، باتريك لاما، حبيب توما، نصري دويري، منير أنسطاس، ووصولا الى سمير التميمي ووسام جبران) وبآداء عازف البيانو الفلسطيني فادي ديب. هذا مثال على وثيقة تراكميّة يُمكن أن تُسمع وتُدرّس ثم يُبنى عليها، تأسيسًا أو نقضًا، ليس مهمًّا كيف، المهمّ أنّها تمثّل سلسلة من الحجارة في بناية موسيقيّة فلسطينيّة ممكنة، لو أخذنا هذا المثال وسواه مأخذ الجدّ. ما أريد قوله، هو أن ليس هناك أي عطب في “المشروع الموسيقي” الفلسطيني، لكن هناك عطب في المشروع السّياسي الّذي يُلقي بظلاله على السّياسات الثّقافيّة وما يتداعى عنها. هنا تكمن المشكلة الحقيقيّة، وهي أزمة مؤسساتيّة لا أزمة أفراد.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This