عكّاز الذّات في خريف العمر

 

كانت أمّي في شبابها امرأةً فاتنة الجمال باسقة القوام، ولا تزال صورها شاهدة على ذلك الجمال مع أنّها صور بالأبيض والأسود وقد أنهكها بدورها عامل الزّمن، لكن، لعلّها صور “الزّمن الجميل” أيضاً. فكيف لا يهاجمني الحزن حين أرى اليوم تجاعيد العمر تغطّي وجهها الذّابل، وأرى بقع الشّيخوخة تلطّخ بشرتها المنهكة، وأرى ظهرها مقوّساً مثل عود يابس من ثقل السّنين، وتقاوم الانحناء بكبرياء النّساء، لكنّها تستعين بعكّازها بين الفينة والأخرى، ولا تملّ من معاودة البحث في كلّ مرّة عن عكّاز أجمل من الّذي لديها، فأي جمال لأيّ عكاز هذا الّذي يمكنه أن يعوّض امرأة في طور الذّبول؟!

غير أنّي أفترض أنّ البحث نفسه عن “شيء مّا”، عن “أي شيء”، وحتّى عن “لا شيء”، هو ما يمكن أن يمنح لامرأة طاعنة في السّن قدراً من المتعة لكي تواصل العيش بعد أن أخذت منها الحياة صحّتها وجمالها وأحلامها، ولم تمنحها مقابل “شقاء العمر” غير مشاعر تعيسة يمتزج فيها ألم التّذمر بحزن الحنين. فما الّذي يمكن أن تتعلّق به في أرذل العمر غير “صخرة سيزيف” تطوف بها في دائرة مفرغة، مثل فطور الصّباح الّذي يكاد يكون هو نفسه كلّ يوم، ومثل سائر التّفاصيل اليوميّة الّتي لا تتبّدل منذ مطلع اليوم إلى غاية النّوم، وحتّى النّوم هو نفسه على نفس الجانب مثل الموتى. فهل هذه هي الحياة الّتي تستحق أن ينسج من أجلها نيتشه فرضيّة “العود الأبديّ”؟!

أنظر إلى أمّي ثمّ يخطر ببالي على سبيل السّلوى أن أستعين بقاعدة تقول: حين ننظر إلى جيل الآباء نرى الماضي الّذي يموت، وحين ننظر إلى جيل الأبناء نرى المستقبل الّذي يولد، وفي الوقت الّذي ينظر فيه المتشائمون إلى الماضي المتقادم ينظر المتفائلون إلى المستقبل القادم. على هذا الأساس أحاول أن أوجّه نظري نحو ابنتي الصّغيرة، غير أنّي سرعان ما أدرك أنّ أمي المسنّة ليست مجرّد ماض مضى وانقضى، بل هي المستقبل بالتّمام، إنّها مستقبلي، ومستقبل ابنتي، ومستقبل كلّ واحد وواحدة منّا، إنّها المستقبل على وجه التّحديد.

بعيداً عن عزاء الأوهام، نعترف بأن لا شيء جيّد في الشّيخوخة: الوهن شرّ في كلّ أحواله، ومن يشعر بالوهن يفقد كثيراً من ملامح الطّيبة الطبيعيّة تماماً كما هو حال الأطفال الصّغار وفق شهادة فيلسوف التربية، جان جاك روسو (إميل)، وكما هو حال الطّاعنين في السّن وما هم فيه من نكد وتذمّر وثرثرة، وفق شهادة “فيلسوف الشّيوخ”، شيشرون (الشّيخوخة).

لكنّ المؤكّد أن لا عكّاز أنفع للمرء من عكاز الذّات، وهو المعوَّل عليه دوماً. أمّا إذا تعلّق الأمر بخريف العمر، فبصرف النّظر عن الحاجة إلى عكاز خارجي، فالمطلوب هو العمل على ترميم عكّاز الذّات بين الفينة والأخرى وكلّما اقتضت الضّرورة، وذلك وفق قواعد العلم والفنّ والحكمة.

كلّ امرئ مدعو إلى ترميم كينونته تماماً مثلما يحرص على ترميم أسنانه المسوسة والمتهدّمة بفعل الزّمن، وأثر الإنهاك، وعوامل الشّيخوخة، والّتي هي عوامل لا راد لها مثل القدر، غير أنّ التّخفيف من آثارها ممكن في المقابل. لكن كلّما كان الاعتماد على قواعد الوقاية مبكراً إلاّ وكان التّرميم أقلّ كلفة وعناء.

لعلّ القدرة على ترميم عكّاز الذّات هي ما ينقص أمّي، بيد أنّها تنقص ملايين الرّجال والنّساء على حدّ سواء.

ههنا بوسعنا أن نستلهم من شوبنهاور بعض الإجراءات المطلوبة لأجل صيانة عكّاز الذّات، وإعادة ترميمه بين الفينة والأخرى، أو كلّما اقتضت الضّرورة ذلك، وذلك لأجل خريف عمر جدير بالحياة:

أولاً، يجب علينا أن نستثمر معطيات الشّيخوخة بنحو إيجابي:

كيف ذلك؟

تمنحنا الطّبيعة درساً ملهماً ومهماً، يتعلّق بوجود أزهار لا تزهر إلاّ في فصل الخريف، بل يكون بعضها أكثر جمالاً من أزهار الرّبيع نفسها. كذلك هو خريف العمر حين نرعاه بتدبير قائم على معطيات المعرفة ومهارات الحكمة. فقد كتب شوبنهاور يقول: “لا تزهر شجرة المجد ولا تينع إلّا في شتاء العمر، والمجد أشبه بالإجّاص المتأّخر الّذي يزهر صيفاً ويُؤكل شتاءً. فالعزاء الوحيد للشّيخ هو شبابه الّذي أفناه في إعطاء أحسن ما لديه، أي نتاجه الفكري العصّي على الشيخوخة والذّبول” (فنّ العيش الحكيم). وإن كانت “الأيّام في ربيع العمر طويلة جدّاً تماماً كالأيّام في فصل الرّبيع إلى الحدّ الّذي يتضايق منها الإنسان، وتكون في خريف العمر أقصر، على غرار الخريف الطّبيعي، إلّا أّنها أصفى وأنقى من الأكدار وأكثر ميلاً إلى اّلسكينة والاستقرار” (فنّ العيش الحكيم). بهذا النّحو تغدو الشّيخوخة فرصةً للعيش بسكينة أكبر، لا سيّما وأنّ من طبيعة الآمال أن تفقد سلطانها في الشّيخوخة كما يشرح شيشرون (الشّيخوخة). غير أنّ الآمال قد تتحوّل إلى جهة الحنين في المقابل، وهذا ما يجب العمل على تفاديه أو الحدّ من وطأته، ولأجل ذلك يمكن التّعويل على المطالعة والفنّ واللّعب، وهي الممارسات الّتي من شأنها أن تساعد العقل على التّركيز في الحاضر.

ثانياً، يجب علينا أن نتفادى استنزاف طاقتنا الحيويّة:

كيف ذلك؟

يرى شوبنهاور أنّ هناك سبيلاً أساسياً لكي نبلغ سنّاً متقدّمة ونبقى في صحّة وعنفوان، يتعلّق الأمر بحسن تدبير مخزون الطّاقة الحيويّة الّذي يتوفّر عليه كلّ امرئ منا، والّذي لا يجب أن ننسى بأنّه محدود في كلّ أحواله. ولأجل توضيح الفكرة يقدّم شوبنهاور توصيته في شكل مثال لقنديلين اثنين، “القنديل الأوّل تطول إضاءته لأنّ فتيلته تحترق بقليل من الزّيت، بينما الثّاني فتيلته وهاّجة لأنّه يستهلك زيتاً كثيراً. فالزّيت هنا يرمز إلى القوّة الحيويّة” الّتي يجب علينا أن نحسن تدبيرها (فنّ العيش الحكيم). إنّ الّذي سيوضحه نيتشه في هذا المضمار، هو أّن غرائز الانحطاط، من قبيل الحقد والكراهية والشّعور بالذّنب، لا تعمل سوى على استنزاف الطّاقة الحيوية للإنسان، وتحرمه بالتّالي من القدرة على الحياة.

ثالثاً، يجب علينا العمل على اجتناب الفقر:

لماذا؟

ليس شوبنهاور بالفيلسوف المثالي والمتعالي على معطيات الواقع المادي للنّاس؛ فهو لا يتوهّم أنّ جودة الحياة تُحسم داخل التّصورات الذهنيّة للإنسان، بل يتعلّق الأمر بفيلسوف واقعي بامتياز، ولذلك لا يتردّد في الاعتراف بمتطلبات الواقع، حيث يرى أنّ الطّامة الكبرى في الشّيخوخة هي الفقر، وبالتّالي يلحّ على ضرورة الكفاح من أجل اجتناب الفقر ما أمكن ذلك. فإن لم يكن المرء من الوارثين كما كان حال شوبنهاور نفسه، فليس أمامه سوى التّدبير العقلاني لحياته بعيداً كلّ البعد عن غرائز الخوف، والتّذمر، والتّواكل، والطّمع، والرّيع، وغيرها من غرائز الانحطاط. فإن نجح الشّيخ في “إبعاد شبح الفقر المخيف عن بقية حياته، وحافظ على صحّته، فستكون شيخوخته برداً وسلاماً، خالية من المشاكل الكبيرة ومن الشّكوى الكثيرة ومن التّأفف لسبب أو دونه. ذلك أنّ الشّيخوخة الجيّدة تحتاج إلى شيئين لا ثالث لهما: اليسر والأمان” (فنّ العيش الحكيم).

رابعاً، يجب علينا أن نواصل شغفنا بالمعرفة والفنون الجميلة إلى آخر يوم من حياتنا:

بحيث يرى شوبنهاور أنّ الفلسفة والفنّ، يمثّلان أجمل عزاء للإنسان في كلّ مراحل الشّيخوخة الّتي يجتازها، بل سيكون ذلك الشّغف كفيلاً بأن يمنحه الشّعور بالسّعادة، وكما يقول من باب التّأكيد، “إنّها لسعادة غامرة أن يحافظ الشّيخ على حبّ الدّراسة، الموسيقى، والمسرح” (فنّ أن نكون سعداء).

فهل هناك من إضافة؟

بوسعي أن أعيد التّذكير بأهميّة غريزة اللّعب، والّتي يجب أن تكون القاعدة الّتي يُبنى عليها كلّ ما نمارسه في الحياة، من التّعلم والدّراسة إلى الحبّ والسّياسة، ومن البحث والمعرفة إلى الفنّ والرّياضة، لا سيّما وأنّنا في اللّحظات الأخيرة من الحياة، بعد فوات المتع جلّها أو كلّها، ليس هناك ما ينفعنا أفضل من غريزة اللّعب، تماماً كما نفعت الحكيم الرّوماني يوليوس كانوس في آخر يوم له في زنزانة الإعدام.

ليس مقصود القول أن نلعب لكي لا نفعل أي شيء آخر سوى اللّعب، بل يجب أن نتعلّم كما لو أنّنا نلعب تماماً مثلما يتصرّف المعلمّون الحاذقون مع المتعلّمين على أيديهم، يجب أن نعمل كما لو أنّنا نلعب تماماً مثلما يتصرّف المدراء الحاذقون مع عمالهم، يجب أن نخضع للعلاج كما لو أنّنا نلعب تماماً مثلما يتصرّف الأطباء الحاذقون مع مرضاهم، يجب أن نعدّ الطّعام ومائدة الإطعام كما لو أنّنا نلعب تماماً مثلما يتصرف الآباء الحاذقون والأمّهات الحاذقات مع أسرهم، يجب أن نعيش كلّ إخفاق من إخفاقاتنا باعتباره مجرّد إخفاق في لعبة من بين الألعاب الكثيرة الّتي تؤلّف نسيج الحياة، وبعد ذلك كلّه بوسعنا أن نتعلّم كيف نستعدّ لمفارقة الحياة عندما ينتهي الأجل المحتوم كما لو أنّنا نلعب في الزّمن بدل الضّائع، أو إلى الدّقيقة الأخيرة، تماما مثلما كان يفعل الحكماء الملهمون.

أمّا عندما يحلّ مساء الحياة في آخر العمر، ويحلّ الموسم لكي تسقط ثمرتنا النّاضجة، فلا ننسى وقتها أنّنا كنّا محظوظين ببلوغ مرحلة الشّيخوخة، وأنّنا خلاف كثيرين غيرنا، لم نُنتزع من الحياة بقسوة مثلما تُقتطف الثّمرات الفِجَّةُ، غيرُ النّاضجةِ، بل سقطنا لأنّنا نضجنا بما يكفي لكي نسقط، وهكذا يقول شيشرون: يحدث للثّمرات أن تسقط بسبب نضجها (الشّيخوخة).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق