يوديت هيرزبيرج.. أُفضّل أن أكون حزينة ممّا لو كذّبت / عماد فؤاد

تُعتبر الشّاعرة الهولنديّة يوديت هيرزبيرج (مواليد 1934) إحدى أهمّ الشّاعرات الهولنديات اليوم وأكبرهنّ سنّاً ومقاماً، توّجتها هولندا عام 2018 بجائزة الأدب الهولندية الرفيعة بعد مشوار حافل مع الشِّعر والكتابة للمسرح والرواية والمقالات، بدأته عام 1964 وحتى يومنا هذا، وتخلّلته العديد من الجوائز والتّكريمات.
أصدرت هيرزبيرج أكثر من 30 مجموعة شِعرية، بدأتها في العام 1963 بمجموعتها الأولى “بريد البحر”، ثم توالت مجموعاتها التّالية: “طيران” 1970، “27 أغنية حب” 1971، “سقوط إيكاروس” 1983، “بقايا اليوم” 1984، “مثل” 1992، “ما أرادت رسمه” 1996، “هل تعرف ما الذي لم أعرفه أبداً؟” 2002، “أحياناً كثيرة” 2004، “أغنيات للشّكوى” 2011، “البحر” 2014 وغيرها.
تكتب يوديت هيرزبيرج عادة عن كلّ ما هو عادي وبسيط، لكنه يتحوّل في قصائدها إلى شيء أيقوني بفضل استخدامها الفلسفي للمفردات. لم تتظاهر هيرزبيرج طوال حياتها بكونها شاعرة “كبيرة” أو حاملة رسالة. حتى أنها تختار أن تكتب عن كل ما هو عابر وراحل وقابل للاختفاء، لتتحوّل التّفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد في قصائدها إلى اكتشافات، تختار “باقة عشب” منسية على قارعة الطريق لتكون بطلة قصيدة لها، أو ذبابة تحاول الخروج فتصطدم بزجاج النافذة. وفي غالب الأحيان تدور قصائدها حول صلابة العلاقات الأسرية والعاطفية.
في عام 1994 صدرت لها مختارات شعرية في مجلد فخم لتنفد فور طرحها بالأسواق، ليعاد نشرها في طبعات شعبية لاقت رواجاً كبيراً في هولندا وبلجيكا.
ترجمت قصائد هيرزبيرج إلى العديد من اللغات، لكن أغلب من تصدّوا لترجمتها أشاروا إلى صعوبة نقل المعاني التي تطمح إليها قصيدتها، فعلى الرغم من أنها في أغلب قصائدها تكتب عن الأشياء البسيطة واليومية والمعتادة، إلا أنها دائمة اللعب بالمفردات وبالصوتيات الكامنة في اللغة الهولندية، ما يجعل نقل قصائدها إلى لغة أخرى أمرا صعبا دون أن تفقد الكثير من مقومات نجاحها في لغتها الأصلية.
إلى جوار الشِّعر كتبت هيرزبيرج المسرح (19 إصداراً)، والسِّيناريو السِّينمائي (5 أفلام كتبت مباشرة في شكل سيناريو)، إضافة إلى عملها في الصحافة والرواية وكتب الأطفال، إلى جانب عديد من الكتب التي صدرت متضمّنة مقالاتها الصّحافية.

أُغنية

من فضلك لا تكذب عليّ

لا عن كبيرة ولا عن شيء آخر.

أُفضّل معرفة أكثر الأشياء تدميراً

ممّا لو كذّبت

لأنّ كذبك سيكون أكثر تدميراً.

لا تكذب في الحبّ

لا في شيء تشعر به أو في شيء تحبّ

أن تشعر. أُفضّل أن أكون

حزينة ممّا لو كذّبت

لأن هذا سيكون أكثر تعاسة.

لا تكذب عليَّ بشأن الخطر

لأنّي أشعر بخوفك

وإن كنتُ لا أثق بما أشعر به

فأنا لا أعرفك

وهذا أكثر خطورة.

لا تكذب عليّ بشأن المرض،

أُفضّل النّظر إلى هذه الهوّة

من أن أفقد نفسي في أحد

ألغازكَ اللطيفة

لأنّي سأخسر نفسي فيها أكثر.

لا تكذب عليَّ بشأن الموت

لأنّه طالما بقينا أحياء

فلا سبيل لي

إلّا إلى مشاركتك ما تعانيه

ما سوى هذا

سيكون أثقل من الموت ذاته.

المواساة لروزا

كلماتُ تعزيةٍ

للقتيلة ابنة السّتة عشر

تلك التي في بلاد بعيدة

لم تجد أهمية كبيرة

لما ألهمها:

يسافر الرّحالةُ

بغرض الاكتشاف

لا ليتمّ اكتشافهم.

أرواحهم تبقى هناك..

لتحرس البيوت.

آآو

هل يُعقل هذا، قانون

للحفاظ على الألم؟

حتّى إذا ما قاومناه هنا،

فإنّ شخصاً ما، في مكان آخر، سيدفعه الوجع

إلى ما هو أسوأ من كلمة آآو؟

أو هكذا ألم، مثل طاقة

(عذراً، مجرّد قياس)

يُنَقِّلُ نفسه، ليس إلى السّخونة،

بل إلى ما يشبه التّجمُّد

لهو أسوأ من كلمة آآو؟

أم أنّ الألم الذي نبدّده

إلى أشكال أخرى سيبقى هنا

دون ضحك، دون غناء

يُيَبِّسُ أجسادنا المتعطِّشة للألم

وهي تتوق إلى كلمة آآو؟
هيرزبيرج تكتب عن الأشياء البسيطة واليومية والمعتادة، إلا أنها دائمة اللعب بالمفردات وبالصوتيات الكامنة في اللغة الهولندية (Getty)
عاطفيّ

يجلسان في لحظة ازدحام مروري داخل سيّارة،

الرّاديو مفتوح، أبخرة العادم

والموسيقى، وأغنية يقول

إنّها تعجبه، عن كمانات مشتعلة ورقص يستمرّ

حتّى نهاية الحب (*).

ليس الأغنية ولكن ما يقوله

يجعلها غير قادرة على النّظر إليه.

الآن يدخل شيء آخر إلى السيّارة:

الموسيقى ودخان العادم و.. الخجل.

الخجلُ لأنّ الرّقص

حتّى نهاية الحبّ كثير جداً

ستعيدني رائحته إلى الماضي،

ثم تلقيني بعيداً إلى الأمام، روحه

ستتضخّم فجأة دون حماية، هكذا، بلا دروع

هي فقط تقول: “عاطفيّة”.

ويقول هو: “نعم، عاطفيّة”!

هي لن تعرف أبداً ما إذا كان يعلم

كيف قنصتْ هذه الكلمة.

ولن يعرف هو أبداً ما الذي فهمته،

أو إلى أي مدى فهمها عميق،

ولن تعرف هي أبداً

أنه أدرك أنّها عرفت السّبب في

الزلزلة التي أصابته، لا بدّ أن يأتي

شخص ما، مؤرِّخ ربّما،

ليعيد لاحقاً تمثيل الطّريقة التي اعتاد النّاس

التّعامل بها في الاختناقات المرورية

بصحبة أجهزة الرّاديو.

ما أرادت رسمه

ترسم ما لا تستطيع أكله

ما لا يمكن امتلاكه أو وصفه.

ترسم ما لا يبقى ساكناً

ما لا يتشابه وما لا يتغيّر. ترسم

ما لا تستطيع إنباته وما لا تملك قنصه

ما لا يُنسى. ترسم

ما لا يمكن لها تخمينه

أو فهمه. ما لا تستطيع

احتضانه مواساةً أو تأنيباً. ما لا تملك إهماله

حتى يتوحّش. تعلِّقه بخطّاف

تمزّقه. تحرقه.

وتندم. ترسم ما بسببه

لا تستطيع النّوم

ما لا تتذكّره،

ما لا يُلَوَّن. ما لا يمكنها غناءه،

ما لا يمكنها التّمتع به.

فما لم يُخطّط بعد

يظلّ مغرياً.

(*) الإشارة هنا إلى أغنية “Dance Me to the End of Love” للمغنّي الكندي الراحل “Leonard Cohen”.

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق