“غرفة المسافرين”.. العودة إلى الحياة على طريقة عزت القمحاوي / أحمد شوقي علي

باكرًا جدًا، في مراهقتي، راودني حلم السفر إلى ألمانيا. ربما أدمنت مشاهدة “النمر الأسود”، متأثرًا بالرحلة التي قطعها محمد حسن، من عامل معدم لا يستطيع القراءة أو الكتابة إلى رجل أعمال ناجح. أو ربما فُتنت بجمال وفاء سالم المغوي وهي تنطق “مهمد”، وتعشق أسمرَ له لوني، لذلك أحببت كل فتاة لقيتها في غرف دردشة المدن البافارية، ولأنه كان عصر ما قبل اختراع الهواتف الذكية، وصعوبة امتلاك صورة فوتوغرافية تغوي الشقراوات، فشلت مساعيَّ كلها في الإيقاع بإحداهن، فقررت سرقة ذهب أمي لتدبير أموال السفر.

كان الأمر صعبًا، ليس لأني لم أر من ذهبها سوى خاتم الزواج، الذي لم يفارق اصبعها قط، وإنما أرّقني وخز الضمير. سأكسر قلبها إن فعلت. إذا لم يكن من طريقة غير الاختلاس لتدبير نفقات السفر، فالحل في ما نحفظه في بيتنا كملكية عامة. قد يفي التلفاز بالغرض، ومعه بعض الثمين الذي نملكه من أجهزة كهربائية أخرى. ولكي تكون الخطة محكمة، استخدمت كل اتصالاتي بالحبيبات اللواتي لم يقعن في غرامي، لجمع المعلومات عن سبل العيش في ميونخ؛ أسعار الإيجارات والأطعمة، وفرص العمل ومشاكل البطالة، وصولًا إلى ثمن البيرة السوداء المشهورة هناك، والتي لم أكن قد رأيتها في حياتي أو تذوقت طعمها قط. لكنني، وبعد حسابات كثيرة ودقيقة، اكتشفت أن ذهب أمي وغيره مما نملكه في شقتنا، بالإضافة إلى راتب أبي -الذي سأسطو عليه يوم القبض- وملابسنا المنشورة على الحبل، لن يوفروا ثمن تذكرة السفر والإعاشة لمدة شهر واحد، وهو ما أحتاجه لبداية مشواري كمحمد حسن جديد، فتخليت عن الفكرة، لكن رغبة السفر لم تفارقني قط، وهي الرغبة التي يعلمها جيدًا الروائي المصري عزت القمحاوي، ويستغلها ضدي وضد غيري، ممن سيقرأون كتابه الأحدث “غرفة المسافرين(*).

كابن للريف المصري، امتلك القمحاوي حلمًا بالسفر إلى نظيره الإنكليزي، ربما لأن العالم بالنسبة إليه كان “مجرد ريف متعدد الأشكال”، وربما للسبب نفسه حلمت بميونخ كمقابل للقاهرة، وتعلقت بمحمد حسن كعامل في مصنع، يشبه ما شيده جمال عبد الناصر، في جنوبها، بعدما انتزع الأخضر منه واستبدله بالأسمنت والدخان المتصاعد من مصانع الحديد والصلب، غير أن “معرفة منطلقات الحلم ليست مهمة بذاتها (…) وما كنت لأرويه إلا لافتراضي أن الشوق إلى لقاء المختلف والمدهش الذي انطوى عليه حلمي يتطابق مع أحلام ملايين البشر”، مثلما يقول صاحب “غرفة ترى النيل”.

يحفز القمحاوي، بداية من الاستهلال في كتابه، تلك الغريزة في قارئه، يتحداه: “من لم يسافر، ولو عبر قصة في كتاب، لم يعش”، لكنه وعبر ما سيطرحه عليه لاحقًا، لا يستعديه بل يستثير شغفه لمحاكاة ما يقرأ. فإذا كان المسافر –حسبما يقول- يعاين في سفراته إعادة تمثيل للحياة، فإن القارئ سيكون بمثابة المُشاهد المتوحد مع بطله.

“السفر تحديقة؛ نظرة إلى الجميل تكون خطرة أحيانًا”. تختصر تلك العبارة فلسفة البناء الذي شيده القمحاوي في كتابه، فـ”غرفة المسافرين”، وإن لم يكن رواية، يلتزم السرد فيه بناءً يستلهم فعل التحديق، وما يمثله من إطالة النظر والتأمل، بداية من تدبر معاني السفر ومفرداته إلى حياة المسافر، وتاريخه الشخصي مع الأماكن التي يزور، والحكايات التي شيدت عمرانها، وصولًا إلى ما يشبه حتفهم جميعًا: السائح ورحلته والأرض التي لم تعد تتسع لأي منهما. فإعادة تمثيل الحياة، الذي يعاينه المسافر منذ ركوبه الطائرة، يمكن أن يكون عبر الكتاب، إعادة تمثيل لسيرة الكون ذاته، ورحلة الإنسان عبره، معتمدًا على أسئلته، ليس للوصول إلى حقيقة وجوده، وإنما للبحث عما يثير شغفه، مقاومًا الموت، حتى إذا لم يعد يجد ما يدهشه فَنياً: “يبدو المكان، ظاهريًا، هدف مطاردتنا، لكن في العمق نحن نطارد الزمن. نعود إلى أماكن الطفولة بأمل يائس في استرداد الزمن الذي قضيناه فيها، ونسافر إلى أماكن جميلة بعيدة، وفي داخلنا تصور ساذج بأن الموت لا يصلها”.

لكن السفر عند عزت القمحاوي، له أصول، يفسد متعته الابتعاد عن إتباعها، فإذا كنت مسافرًا بذهنية المحارب، تريد العودة بغرائب ترصع حكاياتك “مثلما يعود الفارس بجراح ترصع جسده كدليل مادي على الجسارة”، فالأفضل لك ألا “تخرج من بيتك إذا لم تكن متأكدًا من مهارتك في العودة إلى الطفولة. وإلا فإنك لا تهدد سعادتك الشخصية في الرحلة فحسب؛ بل مستقبل صناعة السياحة”. آرثر رامبو، على سبيل المثال، “سافر حتى استنفد الدهشة سريعًا ومات”، لكن الفرق بينه وبين الرحالة الأوروبيين الآخرين، أنه “بحث عن الدهشة ليعيشها، لا ليصفها. لم تصدر منه إساءة لأي مختلف، ولم يبالغ في تقدير المدهش، لأن روحه كانت تطلب أكثر من قدرة أي واقع على الإدهاش”.

وعلى هذا الأساس يُصدر القمحاوي تصوراته عن السفر، في صورة تساؤلات ملحة، يطرحها على نفسه والقارئ، مستعرضًا تمثيلاتها عبر تجربته الشخصية، وتجربة غيره من الأدباء الذين تضمنت نصوصهم فعل انتقال الشخصيات من بيئتهم إلى بيئات أخرى لم يسكنوها. فالسفر في الكتاب ليس وصفا لأماكن زارها المؤلف فحسب، وإنما هو انتقال في المكان وبين نصوص الأدب والسينما، وكأنما يخوض الكاتب رحلته، عبر السماء والفن معًا، ويعايشها وفق مشاعره وذاكرته البصرية، ومشاعر وذاكرة كل من مر بها دونه. وهو بذلك يطرح كتابه -إضافة إلى ما يمثله من نص في أدب الرحلة- كبحث في أدبيات السفر في المنجز الأدبي الإنساني، منذ ألف ليلة وليلة وحتى الأعمال السردية شديدة المعاصرة، التي عايش أبطالها تجربة الاغتراب والسفر.

وكوسيلة إضافية لإثارة الشغف، يُضمن القمحاوي كتابه، مغامرات يستقيها من قصص سمعها من أصدقائه، ثم يقدمها إلى القارئ، في ما يشبه أحاديث النميمة، ساردًا –بكثير من الغموض بعدما جَهَّل أسماء الأبطال- مغامراتهم الخاصة الخطرة والماجنة خلال أسفارهم المتعددة. وكأن ثمة غواية –مستمرة- يمارسها صاحب “الأيك” على قرائه، منذ بداية كتابه وحتى صفحته الأخيرة، لترغيبهم في السفر، وحثهم على المغامرة، واضعًا الشغوفين منهم في مواجهة الرغبة في التمسك بالحياة ومقاومة للفناء. فالارتحال، وفق صاحب “الحارس”، يضع المسافر على مسافة واحدة من الأنبياء، الذين كان لكل منهم هجرة صنعت معجزته، فرحلة الحياة التي ستنتهي مهما طالت، هي نفسها رحلة المسافر التي قد تنتهي سريعًا. لكن معجزته بخلاف الميت، أنه سيعود!

(*) صدر الكتاب في القاهرة عن الدار المصرية اللبنانية.

عن المدن

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق