أصل الحياة وتطوّرها

دراسة في دراما نشأة التّركيبات البيولوجيّة وتطورّها

لم تكن للخلايا الأولى في الواقع نواة ولا عضيات (وهي أجزاء خلويّة خاصّة ذات وظيفة نوعيّة شبه عضويّة)، فهي لم تكن على الأرجح إلّا عبارة عن كيس مجهري صغير مملوء بخليط من البروتين والحموض النّوويّة، وكلّ هذا كان محاطاً بغشاء يؤمن الحماية ضدّ مؤثّرات العالم الخارجيّ غير المرغوبة، كما كان يسمح بدخول جزيئات صغيرة معينة تمدّ الخليّة بالمواد الأوليّة والطّاقة اللاّزمة لعمل الرّوابط البروتينيّة – الحمض أمينيّة الّتي لا تتوقّف. إنّ غشاءً بسيطاً بدائياً كهذا الغشاء اللّيبيدي الجزيئيّ، يمكن تحضيره في أي وقت تجريبياً في المخابر. وإذا ما درسنا خواصه نجد أنّه يسمح لجزيئات معيّنة بالنّفاذ إلى داخل الخليّة، بينما يشكل حاجزاً منيعاً ضدّ جزيئات أخرى، لذلك يمكن الاستنتاج أنّ الخطوة الهامّة الّتي مهّدت في ذلك العمر المبكر للحياة الطّريق لاستقلال الخليّة المفردة، كان قد انطلق من تلك الخواص البسيطة نسبياً. خواص مهّدت الطّريق لجميع الخطوات اللاّحقة الّتي كانت نتيجة مبدأ الاصطفاء الطّبيعي، الّذي كان لديه حتّى اليوم أكثر من 3 مليارات من السّنين، كي يؤثّر في اتّجاه التّحسين المتواصل لغلاف الخليّة ومكوّناتها. ذلك أنّ الاصطفاء بدأ منذ أن بدأت الحياة نفسها، وعدم معرفتنا لخلايا أخرى اليوم غير الخليّة المؤلّفة من  DNA وبروتينات، لا يعبّر عن شيء في هذا الصّدد، فمن المرجّح أن تكون قد وجدت خلايا ذات تركيبات مختلفة أخرى، كان لا بدّ لها من أن تخلي السّاحة منهزمة أمام منافستها الأقوى الّتي هي الخليّة المكوّنة لكلّ أشكال الحياة الّتي نعرفها اليوم. وقد اعتقد الباحث جيرالد جويس** أنّ أساس التّشكل الأولي للخليّة الحيّة كان مع الحمض النّووي الرسول، RNA حيث تستطيع قطعة من RNA  أن تستنسخ نفسها، وبالتّالي فإنّه قبل نشوء أبسط أنواع البكتريات، ربّما كانت الحياة تتألّف من جزيئات الـ RNA الموجودة في المياه الأولى، ومن ثمّ حصل اصطفاء طبيعي ذاتي أدّى لتكون جزيئات DNA  والبروتينات، الّتي أخذت أغلب المهام من الحمض الرسولي   RNA  كونها أكثر تخصصاً منه.

وإذا ما تابعنا مشوارنا التّطوري للحياة مطبقين المبدأ المذكور، نجد أنّ الخلايا البدائيّة الأولى قد عانت من أزمة خطيرة هدّدت وجودها، هي أزمة الغذاء، فقد كانت الخلايا تستمدّ غذاءها من موادها نفسها، بمعنى أنّها كانت تستمدّ الأساس الطّاقي لها ممّا هو متوفّر في محيطها من الجزيئات الكبيرة المشكلة بطريقة لاعضويّة، وقد واجه ذلك التّركيب نهم الخلايا المتشكلة بكثافة وهنا بدأت مشكلة الغذاء والصّراع التّكيفي الأوّل، أمّا الحلّ الّذي تمّ في هذه المرحلة فيمكن إيجازه وفق ما يلي: كانت هناك مع مجموعة الخلايا المتشكلة، خلايا احتوت بالصّدفة على جزيئات البورفيرين الموجودة بكثرة في المحيطات الأولى، هذا الجزيء يحتوي على خاصيّة راتعة هي امتصاص الضّوء الشّمسي وتحويله إلى طاقة، من هنا نفهم أنّ الخلايا الحاويّة على هذا الجزيء بدأت أوّل عمليّة تكيفيّة بحيث أنّها بدأت تحضر غذاءها وفق مبدأ الاكتفاء الذّاتي، أي مكتفيّة بما يرد إليها من ضوء الشّمس، أمّا الخلايا الّتي لم تكن تحتوي على مثل هذه الجزيئة، فقد وجدت نفسها في صراع مصيري من أجل البقاء، وبالتّالي فقد بدأ بعضها الّذي لم يموت بالتهام بعض خلايا البورفيرين الّتي يبدو بأنّ بعضها لم يمت في الخليّة البالعة، بل ظلّ يقوم بعمليّة التّركيب الضّوئي ليحدث تكامل بين الخليتين (ولعلّ هذا كان أوّل انفصال بيولوجي كبير بين مملكتي النّبات والحيوان).

أمّا الواقع البيولوجي التّكيفي الهامّ الثّاني الّذي ساهم في دفع عمليّة التّطور، فهو ظهور الخلايا المتحرّكة. لقد كان الكثير من وحيدات الخليّة النّباتيّة ذات طابع حركي، وهذا بدوره فرض على الخلايا المفترسة أن تكون متحرّكة لتأمين غذائها وإلّا انقرضت، وفي هذه المرحلة مات عدد لا حصر له من الخلايا التّي لا تسمح لها مؤهلاتها التّكيف مع هذه الخصائص المتبدلة، بينما تمكنت بعض الخلايا القليلة الأخرى من الاستمرار حين تحولت بالوقت المناسب عبر أداة مكنتها من الحركة السّريعة والمطاردة، هذه الأداة هي الهديبيات الحركيّة، وهذه العضيّة أيضاً لم تحصل عليها الخليّة شيئاً فشيئاً، وإنّما أخذتها كقوّة جاهزة وفقاً لمبدأ التّعاون المتبادل، حيث وجدت الخليّة الجائعة الّتي علقت على سطحها الخارجيّ حلزيّة شعريّة لأوّل مرّة، وجدت نفسها فجأة تتحرّك بسرعة كافيّة لمنحها فرص أكبر في الغذاء.

وهنا أيضاً لا بدّ أنّ الوجود البيولوجي تعرّض إلى خطر جديد محدق هدّد وجوده، تمثّل بتغير الوسط النّاتج عن زيادة نسبة الأوكسجين في الجوّ نتيجة عمليات التّركيب الضّوئي الّتي قامت بها الخلايا النّباتيّة المخضرّة، إذ تقول عالمة الأحياء الأميركيّة (لين مارجوليس):” إنّ الغاز الّذي أنتجته البكتريا الزّرقاء (والمقصود هنا الخلايا البورفيرينيّة) قد غيّر العالم”. وعند تلك المرحلة، ظهرت أهميّة جسيمات جديدة هي الجسيمات الكوندريّة الّتي مثّلت الرّد المناسب على خطر قاتل هدد الوجود البيولوجي على الكوكب، فكان ردّ الخلايا الحيّة على هذا التّحدي الأكسجيني الجديد مشابهاً بالخطوط العريضة لما حصل في حالات سابقة، حيث ظهر طراز جديد من الخلايا، وكان الطّراز هذه المرّة هو البكتريات الّتي تمكّنت بواسطة أنزيمات لم تكن معروفة من حماية نفسها من هذا الغاز الجويّ الجديد، وعبر الصّراع التّكيفي وانهيار الخلايا غير المتكيّفة، استطاعت الخلايا المتكيّفة من أن تستغل النّشاط الكيميائي الكبير للأوكسجين بما يخدم مصالحها، وهذا ما كان ليحدث لولا وجود الجسيمات التّعاونيّة الّتي رافقت الخلايا المتكيّفة أي (الجسيمات الكوندريّة أو الميتوكندريا) الّتي اعتبرت الأساس الأوّلي لنشوء كافة الأحياء الّتي تعتمد مبدأ التّنفس، وقد وصلنا إلى تلك المرحلة منذ حوالي المليار سنة، حيث نرى وجود خلايا محتويّة على نواة و تجهيزات داخليّة (عضيات) عاليّة التّخصص.

الآن نستطيع تلخيص الأمر كالتّالي: منذ حوالي أربعة مليارات عام، فور أن قلّت درجة حرارة الأرض بما سمح للمياه السّائلة أن تتكثّف، كانت المحيطات تعدّ بالبراكين، وتوالت عليها النّيازك، وتعرّضت لعواصف وحالات مد أعتى ممّا هي عليه اليوم (كان القمر أقرب إلى الأرض)، وكانت أيضاً عبارة عن مواد كيميائيّة فائقة النّشاط، بها العديد من أنواع الجزيئات الّتي تتشكّل على نحو مستمر ثمّ تتحوّل، بعضها تلقائياً، وبعضها بمساعدة محفّزات. وتصادف أنّ أحد تلك المحفّزات قد خفّز تكوين بعض أنواع الجزيئات الّتي يتكوّن هو منها، لم يكن ذلك المحفز حيّاً، لكنّه كان أوّل مبادرة للحياة. ولم يكن المحفّز وقتها قد تطوّر بعد ليصبح محفّزاً ذا هدف محدّد، لذا سرّع أيضاً من إنتاج أنواع أخرى من المواد الكيميائيّة، بما فيها أشكال مختلفة من نفسه، وباتت المحفزات هي الأقدر على تعزيز إتاج نفسها (ومنع تدميرها) أكثر عدداً مقارنة بالأشكال الأخرى، ثمّ عزّزت بدورها بناء أشكال أخرى من نفسها، واستمرّ التّطور على هذا المنوال. تدريجياً أصبحت قدرة تلك المحفّزات على تعزيز إنتاج نفسها من القوّة والدّقة ممّا يسمح بتسميتها (النّاسخات)، ثمّ نتجت بفعل العمليّة التّطوريّة ناسخات استطاعت أن تنسخ نفسها على نحو أسرع وأكفأ من ذي قبل. ففي مرحلة من تلك المراحل، تكون جزيء مميّز مصادفة، هذا الجزيء مميّز لأنّه “متضاعف” يمتلك القدرة على مضاعفة نفسه، ولعلّ هذا المتضاعف لم يكن بالضّرورة الجزيء الأكبر حجماً أو الأشدّ تعقيداً، لكنّه تحلّى بالمقدرة الاستثنائيّة على استحداث نسخ منه، وقد يبدو حدوث مثل هذه المصادفة مستبعداً جدّاً. لكنّ هذا ما كان عليه الحال، فوجود مثل هذا المتضاعف كان مستبعداً إلى أبعد الحدود، وفي عمر الإنسان، يمكن التّعامل مع الأشياء المستبعدة باعتبارها مستحيلة، وذلك لأسباب عمليّة. لهذا السّبب تحديداً لن تربح يوماُ جائزة كبرى في المراهنات على مباريات كرة القدم. لكن في إطار تقديراتنا البشريّة لما هو محتمل وغير محتمل، لم نعتد التّعامل مع فترات تقدّر بمئات ملايين السّنين. فإذا ملأت قسائم المراهنات كلّ أسبوع على مرّ مائة مليون سنة، فمن المرجح جدّاً أن تفوز بعدد كبير من الجوائز الكبرى المتراكمة.

بدأت النّاسخات المختلفة بالاتّحاد في مجموعات، وتخصّص كلّ عضو في كلّ مجموعة في إيجاد جزء من شبكة معقّدة من التّفاعلات الكيميائيّة، تمثّل تأثيرها الإجمالي في بناء المزيد من النّسخ من المجموعة ككلّ. مثل هذه المجموعة كانت عبارة عن كائن أولي، وكانت الحياة في تلك المرحلة في مرحلة مماثلة لما حدث في الطّباعة غير العموميّة، إذ لم تعد حالة خاصّة بكلّ ناسخ على حدة، لكن حينئذ لم يوجد أيضاً نظام عمومي بعد ليتم تخصيصه أو برمجته بغيّة إنتاج مواد معينة، وربّما كانت أكثر النّاسخات نجاحاً هي جزيئات (الرنا RNA ) لأنّ لديها خصائص محفّزة خاصّة بها، تعتمد على التّسلسل الدّقيق للجزيئات المكوّنة لها (القواعد)، من هنا باتت عمليّة النّسخ أبعد عن عمليّة التّحفيز المباشرة، وأقرب إلى البرمجة بلغة أو شفرة جينيّة، الّتي كانت تستخدم القواعد باعتبارها أبجديتها، وبالتّالي يمكن النّظر للجينات باعتبارها أوامر من شفرة جينيّة.

في البداية كانت كلّ من الشّفرة الجينيّة والآليّة الّتي فسرتها قيد التّطور، شأنهما شأن كلّ شيء آخر في الكائنات الحيّة، حتّى جاءت لحظة توقفت فيها الشّفرة عن التّطور بينما استمر تطوّر الكائنات الحيّة، لم يُمارس النّظام التّشفير حينها إلا لمخلوقات أوليّة وحيدة الخليّة، لكن كلّ الكائنات تقريباً الّتي وجدت على كوكب الأرض من وقتها إلى يومنا هذا، بُنيت على ناسخات DNA ، وباستخدام نفس أبجديّة القواعد. لقد بدأت آلات البقاء (النّماذج الأوليّة للحياة) كأوعيّة غير فاعلة للجنينات بالكاد تتجاوز مهمتها في توفير جدران تحمي الجينات من حرب خصومها، ومن الخراب النّاجم عن التّصادم العرضي للجزيئات. وفي الأيّام الأولى، كانت هذه الآلات تتعذى من الجزيئات العضويّة الطّليقة في الحساء العضوي الأوّل (المياه)، لكنّ هذه الحياة السّهلة نسبياً انتهت عندما أستنفذ كامل الغذاء العضوي الّذي تمّ بناؤه في الحساء ببطء في ظلّ التّأثير الحيوي لأشعة الشّمس على مرّ قرون عدّة. وعندها بدأ فرع أساسي من آلات البقاء، يتشكّل اليوم مما يُعرف بالنّباتات، باستخدام أشعة الشّمس مباشرة لبناء جزيئات معقّدة من جزيئات بسيطة وإعادة تمثيل العمليات التّوليفيّة للحساء البدائي بسرعة أعلى. في المقابل، اكتشف فرع آخر، يُعرف اليوم بالحيوانات، كيفيّة استغلال الجهد الكيميائي للنّباتات، إمّا عبر التهامها، وإمّا عبر التّهام حيوانات أخرى. والواقع أنّ كلا الفرعين الأساسيين من آلات البقاء طور جيلاً أشد ذكاء لتعزيز فاعليته في أساليب حياته المختلفة، فبدأت أساليب حياتيّة جديدة تتظهر على نحو مستمر. وعندئذ، تطوّرت فروع ثانويّة وفروع من هذه الفروع، وبرع كلّ منها بطريقة متخصّصة في كسب عيشه، في البحر، وعلى اليابسة، وفي الجوّ، وتحت الأرض، وعلى أغصان الأشجار، وداخل الأجساد الحيّة الأخرى. وقد أدى هذا التّفرع الثّانوي إلى التّنوع الهائل في الحيوانات والنّباتات الّتي تثير إعجابنا اليوم إلى حدّ كبير.

وهذا يقودنا بدوره إلى سؤال آخر: لماذا نشأ الانفجار الحيوي الكبير من وحيدات الخلايا البدائيّة إلى متعددي الخلايا في العصر الكمبري تحديداً منذ نحو 540 – 520 مليون عام. ما الّذي حصل في هذه الحقبة لهذا التّحول المذهل من وحيدات الخليّة إلى متعددات الخليّة؟ في الواقع كلّ الدلائل المستمدة من الصّخور في تلك الفترة تفيد أن خواص درجة الحرارة، والتّغير من محيط مائي حمضي إلى محيط قلوي، وظهور قارّات مرّت بظروف تجويّة، وأنتجت مياهاً ضحلة وازدهاراً بيولوجياً بعد أكثر من 100 مليون عام عن عصر جليدي قاسي سابق. كلّ ذلك يشكل مظاهر أساسيّة للإنفجار الكمبري للحياة متعدّدة الخلايا. لقد كان الظّهور الحقيقي لمئة شعبة نباتيّة وحيوانيّة هو الّذي استغلّ البيئة لتكوين أجزاء صلدة من أجسامها بشكل أصداف من كربونات الكالسّيوم، وأنتج ذلك استهلاكاً كبيراً لل CO2 الجوي. لقد استمرّ الانفجار الكمبري 20 – 30 مليون عام، ومنذ ذلك الوقت لم تظهر حيوانات جديدة على الأرض، وحتّى بعد حدوث الانقراض الجماعي، ومنذ الانفجار الكمبري كان هناك تنوّع هائل للأحياء. ولكن ما الّذي حرّك هذا الانفجار الكمبري؟ قد يكون هناك محفز بيئي مع فوسفور، وكالسّيوم، وحديد، وثاني أوكسيد الكربون منصهرة في مياه المحيط بعد تجويّة وتآكل ما بعد جليدي مكثّف. ولعلّ هذا الحديد قد حفّز ازدهار الطّحالب، وهي كائنات قادرة على التّمثيل الضّوئي، ما زاد من مستوى تمثيل الأوكسجين الجوّي، والأوكسجين والفوسفور ضروريان للعضلات، وأنّ ثاني أوكسيد الكربون و الكالسّيوم العاليين أساسيان للأصداف الّتي تحمي من التّجفيف والأشعة فوق البنفسجيّة. كما غيّر تفكك قارة كبيرة في تلك الفترة (تدعى رودينيا) التّيارات البحريّة في المحيطات، وغيّر شكل قيعانها وجلب الفوسفور إلى سطح المحيط، وكانت المحيطات هي العامل الّذي ساعد هذه العمليّة، فقد كانت دافئة فترة طويلة بعد التّغير السّريع لتجمد المحيطات وتسخينها خلال العصر الجليدي السّابق، ولربّما لعبت حركة الصّفائح التّكتونيّة دوراً آخر حيث كان هناك إندفاع قاري سريع في العصر الكمبري، وقد كان لوضع القارّات أثرّ في تيّارات المحيطات، ساعد في رفع مياه المحيط العميقة والمليئة بالمواد الغذائيّة. وهذا ما سنوضحه في الفقرة التّاليّة.

متعدّدات الخلايا ونشوء الأنواع

ذكرنا أنّه عند تاريخ التّأقلم مع الأكسجين تكاثرت في البحار أعداد كبيرة من وحيدات الخلايا المتخصّصة، غير أنّ الشّروط الكيميائيّة والفيزيائيّة حالت دون حصول الانقسام الخليوي (أي تشكّل كثيرات الخلايا)، وبالتّالي تضاعف جزيئات   DNAبلا أخطاء كما أنّ الأشعة المتحرّرة من التّفكك الإشعاعي في الطّبيعة الأرضيّة والأشعة الكونيّة أدّت إلى حصول تشوّهات صبغيّة طفيفة وقليلة في DNA  الخليّة، بذلك تغير معنى الرّسالة الواجب على هذه الجزيئات نقلها بمقادير قليلة ولكنّها اعتباطيّة، هكذا نشأت الطّفرات، الّتي ومن خلال لعبة متبادلة مع المحيط قامت بعمليّة التّطور البيولوجي. إنّ فكرة التّطور نفسها، تعني أنّ نوعاً يخضع لتغييرات جينيّة عبر الزّمن، ما يعني، أنّه عبر أجيال كثيرة يمكن لنوع أن يتطوّر إلى شيء مختلف تماماً. وهذه الاختلافات تقوم على التّغيرات في الحمض النّووي منزوع الأكسجين (D N A) الّتي تنشأ كطفرات. إنّ أنواع الحيوانات و النّباتات الّتي تحيا اليوم لم تكن منتشرة هنا وهناك في الماضي، بل تحَدّرت من تلك الّتي عاشت في زمن أقدم. فالإنسان كمثال، تطوّر من كائن شبيه بالقردة العليا. لكنّه ليس ذات القردة العليا الموجودة حالياً. والواقع أنّ فكرة الانتخاب الطّبيعي لم تأتي وفق التّصور المغلوط السّائد الّذي ينطلق من فكرة القفزة الكاملة من نوع لآخر، وهي الحجة الّتي يبنى عليها عادة النقاد نظريّة التّطور.

******

* تابع لمعهد سكريبس للأبحاث في سان دييجو.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق