“مبادئ علم الاجتماع الاقتصادي”.. مفاهيم أساسية ومنظور جديد 

صدر مؤخراً عن سلسلة “ترجمان” في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب “مبادئ علم الاجتماع الاقتصادي”، وهو ترجمة جهاد الترك العربية لكتاب ريتشارد سويدبرغ Principles of Economic Sociology (راجعه عمر سليم التل).
يقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن الهدفين الرئيسين من تأليفه يتمثلان في إدخال منظور جديد إلى علم الاجتماع الاقتصادي، “إضافةً إلى بسط مفاهيمه الأساسية، وأفكاره، واستنتاجاته. إن المنظور الجديد الذي أرغب في تقديمه يركز على نطاق هذا المجال المعرفي؛ إذ ينبغي في علم الاجتماع الاقتصادي ألا يكون اهتمامه محصوراً في تأثير العلاقات الاجتماعية على الأفعال الاقتصادية (الذي هو محل عنايته الرئيسة الآن)، ولكن أن يجعل المصالح محل عنايته أيضاً، وأن يسعى بشكل أعم إلى تثبيت التحليل عند مستوى المصلحة”.

مؤلفات في علم الاجتماع الاقتصادي
يتألف الكتاب (636 صفحة بالقطع الوسط، موثقاً ومفهرساً) من 12 فصلاً.
في الفصل الأول، “المؤلفات الكلاسيكية في علم الاجتماع الاقتصادي”، يعرض سويدبرغ ما يسميه التراث المكتوب الغني والنابض في علم الاجتماع الاقتصادي، “الذي بدأت تباشيره تلوح على مقربة من منعطف القرن العشرين وتستمر حتى اليوم. وقد أثمر هذ التراث المكتوب عدداً من المفاهيم والأفكار المفيدة إضافةً إلى نتائج مثيرة للاهتمام”. ويرى المؤلف أنه لإنتاج علم اجتماع اقتصادي قوي، “يجب علينا دمج تحليل المصالح الاقتصادية مع تحليل آخر للعلاقات الاجتماعية. وانطلاقاً من هذا المنظور، يمكن، والحال هذه، فهم المؤسسات باعتبارها تشكيلات متميزة من المصالح والعلاقات الاجتماعية، والتي لها من الأهمية الاعتيادية بحيث يفرضها القانون. وهناك أعمال كلاسيكية عدة في علم الاجتماع الاقتصادي – كما سأحاول أن أثبت – تتشارك في هذه النظرة إلى الحاجة لاستخدام مفهوم المصلحة في تحليل الاقتصاد”.
ويقول المؤلف في الفصل الثاني، “علم الاجتماع الاقتصادي المعاصر”، إن ثمة تقليداً مميزاً لعلم الاجتماع الاقتصادي، أسفر عن سلسلة من المؤلفات التي تعالج المسائل الاقتصادية من منظور سوسيولوجي، كانت قد أنجزت خلال فترة من الزمن طويلة نسبياً. ومع ذلك، فإن علم الاجتماع الاقتصادي المكتوب ليس اصطلاحاً حسن التكامل والائتلاف؛ بمعنى أن المؤلفات اللاحقة تنطلق من حيث توقفت مثيلاتها الأقدم، “ويمكن العثور في اصطلاح علم الاجتماع الاقتصادي المكتوب على وفرة من الأفكار التي تقترح كيفية استخدام مفهوم المصلحة؛ إذ يقترح فيبر أن هناك مصالح مادية وأخرى معنوية/ مثالية؛ ويرى غرانوفيتر أن الأفعال الاقتصادية مدفوعة بمزيج من المصالح الاقتصادية والاجتماعية؛ بينما يعتبر بورديو أن لكل حقل مصالحه الخاصة به”.

في التنظيم الاقتصادي
في الفصل الثالث، “التنظيم الاقتصادي”، يجد سويدبرغ أن ثمة منافع معينة في استخدام مفهوم التنظيم الاقتصادي بالمعنى التقليدي، وكذلك بالمعنى الواسع، أي بوصفه مرادفاً للتنظيم العام للاقتصاد. ويذهب إلى إمكانية فهم الرأسمالية بوصفها شكلاً من أشكال التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، الذي يتسم بحقيقة أن الربح أحد أهدافه، وليس الاستهلاك وحده؛ وأن الربح ينبغي أن يعاد استثماره دائماً في إنتاج جديد. كما يرى أن المناطق الصناعية وعملية العولمة مثالان من أمثلة التنظيم الاقتصادي بالمعنى الواسع. كما أن للأدبيات المتعلقة بالمناطق الصناعية أهمية فائقة لعلم الاجتماع الاقتصادي.
أما في الفصل الرابع، “الشركات”، فيقول المؤلف إنه لإحداث تطوير واقعي ودقيق في علم اجتماع الشركات، يغدو تعزيز علم الاجتماع الاقتصادي بطرائق عدة أمراً على قدر من الأهمية؛ لذا ينبغي لعلم الاجتماع الاقتصادي أن يفارق النزعة الحالية في نظرية التنظيمات المتمثلة في مساواة الشركة بسائر التنظيمات الأخرى، “وفي هذا، ثمة حاجة إلى معرفة تاريخية أفضل حول ظهور مختلف أنواع الشركات، ليس أقلها الشركات العائلية التي أهملت بغير حق في علم الاجتماع الاقتصادي. كما يجدر إيلاء المزيد من الاهتمام لدور العمل اليومي داخل الشركات، وحول هذه المسألة، يمكن استخدام علم الاجتماع الصناعي الذي كان سائداً في خمسينيات القرن العشرين، كأنموذج للمحاكاة”.
مقاربات مختلفة للأسواق
في الفصل الخامس، “المقاربات الاقتصادية والسوسيولوجية للأسواق”، يناقش سويدبرغ نظريات مختلفة حول الأسواق. يقول: “كانت عناية علماء الاجتماع بالأسواق أقل من عناية علماء الاقتصاد بها على نحو ملحوظ. وعلى الرغم من ذلك، ظهرت نظريات عدة حول الأسواق، من قبيل فكرة فيبر عن الأسواق بوصفها منافسة في المبادلة، وأنموذج W(y) لهاريسون وايت، والأسواق بوصفها شبكات، وفكرة أن الأسواق يمكن صياغتها مفاهيمياً كجزء من حقل. كما نوقشت أفكار مختلفة حول الطريقة التي يمكن أن تحدد الأسعار من خلالها وتحلل من وجهة نظر سوسيولوجية، بدءاً من فيبر حول دور السلطة في تحديد الأسعار، وصولاً إلى فكرة فليغشتاين أن المؤسسات التجارية تحاول تجنب المنافسة وتسعى إلى استقرار الأسعار. ومع ذلك، يبقى ثمة عمل وافر ينتظر الإنجاز قبل أن نتمكن من القول إنه أصبح لدينا طائفة كافية من الأدبيات السوسيولوجية حول الأسواق، بما فيها تكوين الأسعار”.
ويدعو المؤلف، في الفصل السادس، “الأسواق في التاريخ”، إلى إدخال مفهوم المصلحة ضمن التحليل، حيث يعمد إلى إيضاح الرصانة المحتملة لهذا المفهوم بمساعدة من مواد تاريخية. وهو يقول إن المصلحة، باختصار، “هي في صلب ما يجعل أسواق العمل مختلفة، إلى حد بعيد، عن أسواق أخرى، لأن هذه هي الأسواق الوحيدة التي تكون فيها السلعة المبيعة هي نشاط الكائن البشري. إن ما يجري الاتجار به في أسواق العمل يختلف عن الأشياء الجامدة العادية التي تجرى مبادلتها في السوق، لأن هذا النوع من الاتجار يتميز بمصالح هي من نسج ذاتها، ذاتية مغايرة، وروابط مع أناس آخرين. إن نظرة الشخص إلى ما يعتبر ثمناً عادلاً قد يؤثر أيضاً على إنتاجيته، وكذلك الأمر بالنسبة إلى روابطه بالآخرين”. كما يعرض لأنماط الأسواق على مدار التاريخ.

اقتصاد وسياسة وقانون
كان الفصل السابع، “السياسة والاقتصاد”، مجالاً يجادل فيه سويدبرغ لإثبات الحاجة إلى علم اجتماع اقتصادي للسياسة. ومن الأشكال التي ينبغي لهذا النوع من التحليل اتخاذها علم الاجتماع المالي ودراسات حول مختلف محاولات القوى السياسية توجيه الاقتصاد، سواء من جانب الدولة أو من جانب جماعات المصالح. ويرى أنه يمكن تعلم الكثير عن دور الدولة في الاقتصاد، من علم الاقتصاد ومن الأدبيات السوسيولوجية. بالنسبة إلى الأول، فقد جرى التطرق إلى “الواجبات الثلاثة للعاهل ذي السيادة” وفقاً لآدم سميث، وعلم الاقتصاد المؤسسي لجيمس بوكانان، والنظرية النيوكلاسيكية للدولة لدوغلاس نورث. وفي علم الاجتماع، ثمة نظرية الهيمنة لفيبر، إضافة إلى مواد أخرى حديثة، مثل أفكار فليغشتاين حول مركزية الدولة في الحياة الاقتصادية.
ويناقش سويدبرغ في الفصل الثامن، “القانون والاقتصاد”، تجاهل علماء الاجتماع الاقتصادي دور القانون في الحياة الاقتصادية، ويقول إن اتجاهاً كهذا يحتاج إلى تصحيح، “وفي المعتاد، ثمة بعد قانوني للظواهر الاقتصادية، وهذا من شأنه أن يدخل طبقة جديدة ضمن التحليل. وقد وضعت مخططاً تمهيدياً لأجندة تتعلق بعلم الاجتماع الاقتصادي للقانون، تتركز حول مؤسسات من قبيل: الملكية، والميراث، والشركة بوصفها فاعلاً قانونياً. وأشدد على مسألة أن القانون قد يعرقل النمو الاقتصادي أو يبطئه أو يسرعه”. كما يجد أن دراسة القانون وعلم الاقتصاد متقدمة في كثير من الجوانب على علم الاجتماع الاقتصادي المتعلق بالقانون، ويمكنها، تالياً، أن تكون مصدر إلهام على غرار دراسات محددة في القانون والمجتمع وفي علم اجتماع القانون.
ثقافة وتنمية وثقة واستهلاك
في الفصل التاسع، “الثقافة والتنمية الاقتصادية”، يناقش سويدبرغ مفهوم الثقافة؛ فيشير إلى أنه في وقت يعنى علماء الاقتصاد بالمصلحة الذاتية ويهملون الثقافة، يفعل بعض علماء الاجتماع الاقتصادي النقيض تماماً. لكنّ الثقافة والمصالح ليستا نقيضين، “وإنما ينتميان معاً في نوع التحليل الذي أرى أنه ينبغي على علم الاجتماع الاقتصادي أن يعززه”. ويعرض المؤلف طرائق مختلفة لكيفية صوغ نظرية تثبت أن الثقافة والمصالح تتبادلان الانتماء، بما في ذلك الطريقة التي يمكن العثور عليها في الفقرة الشهيرة لفيبر حول عمال تحويل السكك الحديد. ففي نظره، وفقاً لهذا الأنموذج، تعمل المصالح على دفع أفعال الناس، بينما تقوم الثقافة (ولنقل في شكلها الديني) بتزويدهم بالوجهة العامة.
ويواصل المؤلف، في الفصل العاشر، “الثقافة والثقة والاستهلاك”، تحليل الثقافة والاقتصاد امتداداً للفصل التاسع. وقد حاجج ليثبت أن نقلة حدثت في علم الاجتماع الاقتصادي خلال العقود الخمسة الماضية، بدءاً من معالجة دور الثقافة، في الأساس، في التنمية الاقتصادية، وصولاً إلى تفحّص دور الثقافة في الحياة الاقتصادية، على نحو عام. وهو يرى أن الاستهلاك، مثل الثقة، ينتمي إلى الثقافة إلى حد أنه يجسد شيئاً يقدّره الناس. وفي حين تطورت دراسة الاستهلاك، منذ فترة طويلة، على نحو مستقل عن علم الاجتماع الاقتصادي، فقد حان الوقت لتبذل محاولة لدمجه في علم الاجتماع الاقتصادي.
جندر واقتصاد وأسئلة أخرى
في الفصل الحادي عشر، “الجندر والاقتصاد”، يشير سويدبرغ إلى أنه جرى تجاهل الجندر على نطاق واسع في علم الاجتماع الاقتصادي الراهن، على الرغم من أن باحثين من مختلف العلوم الاجتماعية أنتجوا مادة ضخمة يمكن الاستناد إليها. ويرى المؤلف أن علم الاجتماع الاقتصادي ينبغي له معالجة المسألة المتعلقة بكيفية دمج الأجزاء ذات الصلة من هذه المادة الضخمة. ويقترح أن يصار إلى الاعتناء بالأفكار الثلاث التالية نظراً إلى أهميتها البارزة: الاقتصاد المنزلي (المتركز حول فكرة توحيد المصلحة العائلية)؛ والنساء والعمل في سوق العمل (وهي متركزة حول فكرة المصالح النسائية المستقلة)؛ ودور العواطف في الاقتصاد. ويذهب إلى أنه ينبغي ألا ينظر إلى العواطف باعتبارها أمراً يعيق طرائق عمل الاقتصاد الاعتيادية، والتي هي وجهة نظر شائعة اليوم، ولكن باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الفعل الاقتصادي.
أما الفصل الثاني عشر والأخير فكان مجالاً يطرح سويدبرغ فيه مسائل أربعاً أساسية، تحتاج إلى مناقشة بحسب ما يراه موضوعات مهملة، حالياً، في علم الاقتصاد الاجتماعي، “غير أنها ينبغي أن تكون جزءاً منه، وكيفية معالجة المسألة المتعلقة بالانعكاسية في علم الاجتماع الاقتصادي، مزايا استخدام مفهوم المصلحة في علم الاجتماع الاقتصادي وعيوبه، وأي دور بمقدور علم الاجتماع الاقتصادي تأديته بوصفه علماً لوضع السياسات”.

ريتشارد سويدبرغ: كاتب سويدي متخصص في علم الاجتماع الاقتصادي. أستاذ علم الاجتماع في جامعة كورنيل الأميركية، ومدير مشارك في مركز دراسة الاقتصاد والمجتمع في الجامعة نفسها. من مؤلفاته: Max Weber and the Idea of Economic Sociology، وTocqueville’s Political Economy، وJoseph A. Schumpeter: His Life and Work. . كان عضواً في هيئة تحرير The Handbook of Economic Sociology.

جهاد الترك: صحافي وكاتب لبناني، عمل في صحف ومجلات عربية. صدر له في عام 2011 كتاب “الضفة الثالثة”، ويتضمن بحوثاً ومقالات في الثقافة السياسية والنقد.

عنوان الكتاب: مبادئ علم الاجتماع الاقتصادي المؤلف: ريتشارد سويدبرغ المترجم: جهاد التركشارك هذا المقال

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق