أنا السّوري الّذي يصلّي لإله لاحم

قراءة في كتاب "سبعة فاصلة 62 – نصوص"

 

كلّنا في الهمّ شام، كلّنا في الوجع سوريا، حتّى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الألم، حتّى يتّفق أصحاب السّيادة والفخامة والجلالة والسّعادة والسّمو والفضيلة، على توزيع كعكة المغانم من أسلاب أجسادنا، ويجدون ضوءاً في آخر نفق المصالح المشترَكة والمشترِكة في ذبحنا. كلّنا في الهمّ شام، حتّى يجلس التّركي، والأمريكي، والروسي، والإيراني، والإسرائيلي، والسّعودي والقطري، ليقرروا وقف المجزرة كي يباركهم العالم المتحضّر المتفرّج على القتلى والغرقى واللاّجئين والمتجمدين من البرد حتّى الموت. أيّام تكرّ، وشهور تمرّ، وسنوات تتعاقب على هذه الزاوية التّيه من العالم. والآلام هي هي والدّمار هو هو والدّماء مازالت تسيل ومآتم الأحزان مازالت منصوبة وما من معزّين.

لكن هناك من يسجّل كلّ هذا أو جلّ ذاك على طريقته. يسجّله في نصوص كتاب “سبعة فاصلة 62 ” وهو الكاتب زياد العامر. صدر كتابه هذا عن دار كنعان في دمشق مؤخّراً. ليوثق كلّ ما قد سلف وليكون شاهداً أبدياً على ما جرى وما زال يجري هنا في سوريا. وهو القائل “أنا السّوري الّذي يصلي لإله لاحم”.

“ألحدتُ.. منذ أن كنت في الثّانويّة.. ومع ذلك أصلي كلّ يوم من أجل سوريا…أصلّي لكنّي لستُ صديقاً لله أو لأسمائه..الله الّذي كنت أعتقد أنّه يأكل الكثير من الفواكه في طفولتي..كما كان يعتقد كلّ أطفال الحيّ.. قبل أن أكبر..وأعلم أنّه لاحم..أنا السّوري الّذي يصلّي لإله لاحم.. لايحبّه.. من أجل أن يوقف حرباً لا يحبّها أكثر.. كان أبي يعطيني خمس ليرات عن كلّ سورة أحفظها.. ولكنّي كنت أخشى من الآيات الّتي تتحدّث عن الجلود واحراقها..لكنّي أغضّ النّظر كي أشتري البوظة.. طريق البوظة كان صعباً في طفولتي.. ويمرّ من جهنّم..”.

نصوص زياد العامر سهل ممتنع بانسيابيّة وصفاء ماء الينابيع الرقراق.. يُدهشك، يُضحكك، ثمّ يبكيك. يشغلك يُنسيك، يسلّيك، ثمّ يوجعك ويحتويك ويغويك بالكفر ثمّ يردُك  فرحاً إلى مقدّساتك، يلهبك بوصف الفاجعة بكوميديا سوداء، ثمّ يعود كي يستدعي لك التّراجيديا الفنطازيّة ليضحكك من كلّ قلبك عليه وعليك، ثمّ يغضبك ليسرق وقتك كي تتابع قراءة نصوصه بنهم. ثمّ يقطع الحبل فيك ولما ترتوي بعد من سلسبيل حكاياته وتنظيراته. يسخر منك ومن اهتمامك وتركيزك عندما يباغتك وهو يهزّ قيمك ومقدّساتك، ويهوي على الثّابت منها والمتحوّل بمعول الهدم وأنت مبتسم تراقب هذا المشاغب، ثمّ يردك ردّاً جميلاً للمعاناة وللألم السّوري فيك.

“سبعة فاصلة اثنين وستين هو عيار جفّ البندقيّة الروسيّة الكلّاشنكوف..هذا العيار اّلذي لا يخفى على أي سوري، العيار الّذي تلقنه كلّ السّوريين منذ الصغر، العيار الخفيف عسكرياً، الثّقيل مدنياً ووطنياً..إلى هذا العيار أهدي ألمي هذا”.

بهذه الكلمات وهذا الإهداء يأخذنا زياد العامر إلى نصوصه، ليُقرئنا نشيده المتواصل لما يقارب الصّفحات المائة، بقدرة هائلة على الرّبط والتّواصل السّلس للأفكار، والصّور، المختلفة، المتمازجة المتصارعة، المتناقضة، الصّادمة. نصوصه ابتكار يستبيح الكلّمات ليشكلّ منها صورة جديدة فالنّص عند زياد العامر صور، وليس قفزاً على غريب الألفاظ ولا رقصاً على كلمات المنجد (الّذي لا ينجد) إلّا منْ يمتلك مخيالاً خصباً يضجّ بالقدرة على الخلق والّتجديد. من هنا تأتي الإضافة ومن هنا طريق الخروج على المألوف والمكرّر. والاستفادة من السّابق في خدمة اللاّحق وليس الجمود والرّكود عند القديم والطّواف من حوله. من الصّفحة الأولى نقرأ:

“أنا السّوري متدرّب جدّاً على المسدس تسعة “أربعطعش”..

والـ ” تمانة ونصّ” والكلّاشنكوف والدوشكا..

ولكنّي أرتبك بغباء أمام غسالة الأوتوماتيك أو آلة النسكافيه..

أنا السّوري..

ليس لديّ مشكلة بالمرور في شارع مقنوص أو ملغّم..

ليس لديّ مشكلة في مباراة كاملة وديّة مع قذائق الهاون..

ولكن تنقصني الجرأة أن أنظر إلى عينيك وأعترف بعد أعوام الصّداقة أنّي أحبك..

أنا السّوري..

يمكنني الصّمود دون أن يرف لي جفن، أمام نشرة أخبار مكتظة بالرّؤوس المتدحرجة والقلوب المنهوشة…

ولكنّني أبكي أمام بَيْتَي عتابا حزينين..

أنا السّوري.. يجتمع الكثير ممن لا أعرفهم، من أجل أن يقرروا مصيراً لي لا أعرفه..

ولكن ما يهمني، هو أنّي لا أعرف ما يجري في عينيك..

أنا السّوري..

ولم يتبق لي من إنسانيتي سوى هذا الحبّ وهذا الحزن..

فهل هما كافيان؟!

هل هما كافيان؟!

أنا السّوري حياتي طويلة.. طويلة جدّاً

أقضي سنوات حتّى أستيقظ..

وعمراً كاملاً حتّى أصنع القهوة

**

ينتقل زياد العامر على أحرّ من الجمر من موضع إلى آخر ومن مفردة يوميّة إلى أخرى ومن جدل إلى جدل. نصوصه مفردات الحياة اليوميّة السّوريّة، سوريا الأزمة والحرب والدّمار والموت والضّحايا واللاّجئين والمشردين في زوايا العالم الأربع. ينتقل من الجدل حول المناهج الدراسيّة إلى تغلغل التّطرف بشكلّ مفاجيء في مجتمع تعايش بتسامح لسنوات طويلة.

“هذه البلاد مدرسة رسب فيها كلّ طلابها.. الجميع عم يساوي دورات تقويّة برّا…

ولا أحد يريد أن يعترف أنّ الخطأ بالمنهاج”

ولا ينسى أن يعلّق على مدارس اليوغا، والطّاقة الحيويّة، والتّنميّة البشريّة، والمحطّات المحليّة الّتي تبثّ الرومانسيّة،  والبلد تحترق، كمن يرش السّكر على الجرح، دون أن ينسى برامجها الّتي تستقبل دكاترة التّجميل ونفخ الشّفاه وتكبير الأرداف إلى آخر انجازات ثورة السّليكون، وينتقل إلى أبطال الفيسبوك وصراع الهويّات الصّغرى أبان الحرب الطّاحنة الّتي يحلو لبعض القنوات الفضائيّة أن تسمّيها الحرب الأهليّة. تقف نصوص زياد عامر أمام كلّ الظواهر الّتي أفرزتها الأزمة السّوريّة لتفضحها، لتسخر منها. فمن طوابير المساعدات الّتي توزعها المنظمات الإنسانيّة إلى موقف الأمم المتّحدة الشّاجب والمستنكر، إلى الغرقى في بحار العالم القريبة والبعيدة.

نصوص “سبعة فاصلة 62″” عبارة عن لوحة بانوراميّة دقيقة التّفاصيل، سهلة المتابعة، مكثفة الفكرة، بلا تعقيد بل ببساطة الحديث العادي اليومي، المتشعّب المحاور، الّذي ينتقل من وصف حالة إلى أخرى بكلّمات تُقرأ من أول كلّمة حتّى آخر حرف، هذه النّصوص ملحمة غنائيّة تعزف موسيقاها مواويل التّغريبة السّوريّة، ولا يمكن أختصارها خوفاً من الابتسار. لا يملك قاريء هذه النّصوص إلّا أن يكملها وجبة كاملة الدّسم. لذا اختم هذه الإطلالة بمقاطع من هذه النّصوص.

“نحن ملوثون ياحبيبتي..

ملوثون..

واليد الّتي تضرب وتر عود هنا…تضغط زناداً هناك..

الحنجرة الّتي تغنّي ” شوفوا حبيبي ياعيوني على المينا.. شوفوا عمال يتمايل ما بيسقينا”..تتلو فاضربوهم أنى ثقفتموهم هناك..

موسيقى هنا وقذيفة هناك والمصير واحد…”

***

نعيش كطلقة في “بيت النار”

غير أنّه تمّ اطلاقنا كثيراً

معظمنا لم يعد صالحاً للتّعبئة من جديد..

ومع ذلك يُصرّون على وضعنا من جديد مرّة تلو الأخرى..

حتّى لو لم نُصب شيئاً..

ثمّ إنّي أحبّك..

فقط أمهليني حتّى يعمل قلبي من جديد..

***

داماسكوس

داما..أسكوس…أي جلد الإله أسكوس إله الخمر..عاقبوه فسلخوا جلده ورموه على الرض فصار دمشق..هكذا نحن..جلد الإله المُعاقب..نحن الخطيئة الملقاة على وجه هذه الأرض..خطيئة إله خُلِق من أجل السّعادة..

نحن “خطيئة السّعادة”..ولذلك ترانا دوماً بين بين…مبتسمون وباكون…سواري وشادور..لتر ويسكي وبرّاد شاي…مسبحة وكوندوم..

حتّى الله لم يعد يدري أين يضعنا.. في جنّته أم في ناره…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This