صورةٌ للفنّان في شبابهِ: حوار مفتوح في الفنّ والشّعر والسّياسة مع الشّاعر والموسيقيّ الفلسطينيّ وسام جبران (ج3)

هويّات اللاّمنتمي ومشروع فلسطين الرّؤية

 متى بدأ مشروعك الشّعريّ، زمنًا وجسدًا، وماذا أضافَت لك هذه الهويّة، هويّة الشّاعر، لمشروعك الفنيّ المتنوّع؟

منذ صغري وأنا أكتب الشّعر. لكنّ مشروعي الشّعري الجادّ بدأ في العشرينيات من عمري (مرحلة موسكو وما بعدها). وباختصار، ليس الشّعر بالنّسبة لي مسرحًا إضافيًّا للخيال فقط، بل هو ميدان معرفي بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، وبالتّالي فهو مفتاح آخر للوجود ومدخلٌ آخر لفهم الذّات، استكشافها، وبالتّالي تغييرها. ولهذه المعرفة بعد جماليّ لا يُشبه أيّ فنٍّ آخر، ففي الشّعر الّذي يتمتعّ بالتّكثيف والمجاز والتّشظي والصّمت مُتّسعٌ للسّير على خطٍّ دقيقٍ بين المعنى واللاّمعنى. هنا مكمن اللّذة في الممارسة الشّعريّة في رأيي؛ في هذا البين بين البرزخيّ.

دَعني أسحبك إلى هويّة أخرى، هويّة موازية لا يمكن الإغفال عنها: أن تكون فلسطينيًا يعيش في هذه البلاد هو في حدّ ذاته أمر معقّد في أرض الواقع- سابقًا وحاضرًا ومستقبلا. فكَيف الحال وأنت تجسيد لمفهوم الواحد المتعدّد… أين يذهب صوت وسام جبران في معمعة الهويّة: العربيّ، الفلسطينيّ، الفنّان وما إلى ذلك من طبقات مركّبة للهويّات المكلومة الّتي تشبه المكان؟

في البدء، وجدت في “الهُويّة الآتيّة من المُستقبل” ملاذًا لهذه المُعضلة؛ لكن من السّخف التّعامل مع موضوع شائكٍ كهذا باختزالٍ للمفاهيم. وإن أردت أن أبدأ بشرح نفسي من النّهاية أقول إنّ هُويّتي انتشارٌ زمنيّ، حيث “الحاضرُ” “يَمضي” الى “مُستقبلٍ”، فتكون الأزمنة كلّها حاضرة في الوقت ذاته؛ الموروث الثّقافي الآتي من ماضٍ، الطّموح الرّؤيوي الآتي من مُستقبلٍ، ولحظة الإبداع ذاتها بحضورها الكلّي الرّاهن. كيف نفصل فعلاً بين هذه الأزمنة في عمليّة تشكيل ذواتنا عبر الزّمن؟ ليس هذا وحسب، ولكن، وبُناءً على هذا الفهم الّذي يؤكّد حضور الموروث في الوقت الّذي ينفيه، ويرسّخ حضور الرّاهن الفاعل في الوقت الّذي يُحيله إلى عدمٍ، بُناءً على هذا، فإنّني لا أرى اليوم في استخدام مفهوم “الهُويّة” سوى أنّه “حاويّة ميتافيزيقيّة” تتّسع لكلّ حضورٍ نريدُ (مصلحيًّا) أن نلقيه فيها؛ هذا ما يمنح الهُويّة معناها، وهذا هو ذاته ما ينفي ويُبطل وجودها. أو ليست “الهُويّة” وهمٌ نعيشه مثل كثيرٍ من الأوهام الّتي تتشكّل منها انتماءاتُنا المختلفة؟ لست متأكدًّا من شيء. إنّنا نعيش في عصر تتساقط فيه الأمثولاتُ والأفكار الشّموليّة الكبيرة كأوراق خريفٍ، ووحده هذا الخريفُ يُعلّمنا كيف نحيا (على حدّ قول أدونيس).

-ولكن لو أخذنا السّؤال إلى الحيزّ الذّي تتقاطع/ تتصادم فيه الثّقافة مع السّياسة؟

لقد نشأت داخل حياةٍ حزبيّة وتربيّت في أجواءٍ نضاليّة في زمن توفيق زياد وإميل حبيبي وغيرهما، استمرّ هذا حتّى تخرجي من الثّانويّة، وقبل ذلك تتوّج في دخولي إلى السّجن بتهمة التّظاهر ورشق الحجارة وما شابه في مظاهرات ذكرى صبرا وشاتيلا عام 1987. وبقيت أدفع ثمن هذا “الملف الأمنيّ” سنوات طويلة من عمري. كان هذا بمثابة المواجهة الأولى لي مع المؤسّسة السّياسيّة واختباري الأوّل لمعنى أن تعيش في دولة احتلال بشكل عملي محسوس ومؤلم. كانت فلسطين وقتذاك حلمًا رضعناه مع حليب الأمّ وأشعار درويش وأغاني مارسيل.

في بداية العشرينيات من عمري، مع وجودي في موسكو والتقائي الأوّل بفلسطينيين من خارج النّطاق الّذي عرفته حتّى ذلك الوقت، واكتشافي للانتماءات الفصائليّة المتناحرة حول قضايا لم نعهدها من قبل، ومع سقوط الاتّحاد السّوفييتي على مرأى عينيّ (وقد كنت شاهد عيان على مرحلة التّحولات هذه أثناء إقامتي في موسكو)؛ إذن، هي تراكمات كثيرة في التّجربة الشّخصيّة والمشهد العامّ تسببت في انهيار الحلم الفلسطينيّ الرّومنسيّ أمام عينيّ وتحوّله إلى وجعٍ داخل هذا الشّرخ في زمن الوعي. بعدها تحرّرت من انتماءاتي الحزبيّة بوعيٍ وبدأت رحلة اللاّإنتماء إلى الجماعات في حياتي. هكذا أصبحتُ فلسطينيًّا بوجداني، وصارت فلسطين اجتهادًا ورؤية ومشروع علمٍ ومعرفةٍ وفنٍّ، لا مجرّد شعاراتٍ ومشاعر.

  • لكنّك لم تتخلّ عن العمل المشترك مع اليهود؟

أنا أعيش في فلسطين التّاريخيّة، صحيح أنّ فلسطين لم تكن يومًا دولة، ولكنهّا وشعبها كانوا جزءًا عضويًّا من الحيّز الثّقافي السّوري والشّرق أوسطي؛ كان الفلسطينيون في وضعيّة فائقة (superposition) داخل الفضاء العربي السّوري على الأقلّ، أي “وجودًا بالقوّة” بلغة أرسطو، فحولهم الاحتلال، الّذي تسبّب في انهيار هذه الوضعيّة الفائقة، إلى “وجودٍ بالفعل” (بلغة أرسطو كذلك). بمعنى أنّ الاحتلال جعل الفلسطيني يعي وجوده كفلسطيني بالمعنى الحديث وأجبره على التّحول من الوجود الإنسانيّ الثّقافيّ الواسع إلى الوجود القومي الضيّق. نعم، أنا فلسطيني في وجداني، ولكن ثمّة واقع احتلالي أتى إليّ ولم أذهب إليه. عام 1970 وُلدتُ هنا على أرضي في مدينتي العربيّة الفلسطينيّة النّاصرة، فكيف لي أن أتعامل مع هذا الواقع المهزوم المُركّب؟

  • كيف؟

أولّاً، لا أحد منّا يملك إجاباتٍ جاهزة. عن نفسي، فقد مرّرت بمراحل من التّجربة ومراحل من الوعي. لا مشكلة عندي مع اليهوديّ بوصفه يهوديًّا، ما من أحد من البشر اختار انتماءاته الأولى. لكن عندي مشكلة مع السّياسات والرّؤى والاحتلال. مثلي مثل كلّ فلسطيني على أرضه، عليّ أن أتعلّم وأعمل وأدفع الضّرائب ولي حقوق أساسيّة لا يُمكن إدراجها تحت مُسمّى “المِنّة”. لقد أسّست أوركسترا عربيّة يهوديّة للشّباب، تابعة لليونيسكو في فرعه الإسرائيلي، وفرت فرصة لعدد كبير من الشّباب والشّابات الفلسطينيين للعزف والتّطور الموسيقي والمنح والآلات الموسيقيّة والعرض في أرجاء العالم؛ عملتُ مجانًا بل وصرفت من جيبي الخاصّ أحيانًا كي أُنجح هذا المشروع، وتمكّنت، دون ضجيج، أن أقنع عددًا من الموسيقيين اليهود الشّباب بعدم التّجند في الجيش وصاروا من المناصرين للقضيّة الفلسطينيّة، كلّ ذلك، الى أن تعاركت مع المؤسّسة اليمينيّة وسياساتها فاستقلّت وانهار المشروع بطبيعة الحال. لقد دفعت ثمنًا لأنّني لم أقبل بالعمل بشروط المؤسّسة الحاكمة. هل كانت هذه التّجربة خاطئة أم مُصيبة؟ ليس من السّهل الحكم على أمور بهذا التّعقيد دون خوض التّجربة والتّهشّم داخلها أحيانًا؛ الوعي لا يُكتسب بالجلوس في مقاهي التّنظير الخاملة.

  • ماذا عن تجربتك مع الأوركسترا الفلهارمونيّة؟ ليس بوسع كلّ موسيقيّ أن ينخرط في أوركسترا كهذه، أليس كذلك؟

عملت كذلك فترة من الوقت مع الأوركسترا الفلهارمونيّة الإسرائيليّة الّتي يقودها “زوبن ميتا” (المايسترو الهندي الشّهير)، وهي واحدة من أهمّ الأوركسترات في العالم. حاولت أن أغيّر في سياساتها وأن يكون لي تأثير مّا، لكن عبثًا. فالنّظرة الاستشراقيّة الاستعلائيّة للموسيقى العربيّة كانت متحكّمة في عقل القائمين عليها، وكان وجودي هناك، بالنّسبة لهم، لا يتعدّى رغبتهم في تجنيد بعض الأموال أو تلميع صورة إسرائيل أمام العالم. طبعًا استقلّت بعد كفاحٍ دون كيشوتيٍّ مرير وبصمت. أيضًا دفعت ثمن هذا الموقف.

– ثمّ جاءت دعوتك للمشاركة في حفل تنصيب أوباما. 2009. الحرب على غزّة وعمليّة الرّصاص المصبوب. تردّ على دعوة المشاركة الموسيقيّة في حفل تنصيب الرّئيس باراك أوباما برفض الدّعوة. خطيئتك النّبيلة كفنان فلسطينيّ لا بدّ وأن رافقها العقاب. أي ثمنٍ دفعت مقابل هذا الرّد؟ حدّثني عن هذه الحادثة وحيثياتها.

لم أفعل أكثر من واجبي الأخلاقي الطّبيعي، لا بوصفي فلسطينيًّا وحسب، بل بوصفي إنسانًا أولاً وقبل كلّ شيء. كان الإغراء كبيرًا، المشاركة بالعزف في حفل تنصيب الرّئيس الأمريكي، وبثّ حيّ في أرجاء العالم وغير ذلك الكثير، لكنّ الدّعوة جاءت مشروطة بأن أعزف مع أحد الفنّانين اليهود. الفنّان الّذي كان يُفترض أن أشاركه ويُشاركني هو صديق وفنان رائع بكلّ المعايير، وقد عزفنا معًا سابقًا، لكنّ، هذه المرّة علينا أن نعزف، بينما جثث الأطفال لم تُدفن بعد في غزة المُعتدى عليها، وبصفتنا القوميّة! ما معنى هذا؟ هل من معنى آخر سوى استدعائنا من أجل “التّجمُّل” السّياسيّ؟!

هل من إهانة أكبر  للفنّان من أن يُدعى إلى منصّة لا بصفته الفنيّة أوّلاً، بل كأداة تجميل سياسي. إنّه نوعٌ من العهر الّذي أرفض ممارسته قطعيًّا.

في الوقت الّذي رفضت فيه العزف في تنصيب رئيس أمريكي، كنت أجلس على مسرح دار الأوبرا “بافاروتّي” في مدينة مودِنا الإيطاليّة مع عازفين طليان ويهود وجوقة فلسطينيّة مقدسيّة لتقديم عرض موسيقي نقي. مشكلتي ليست مع بشر وُلدوا يهودًا؛ مشكلتي مع السّياسات والأفكار والممارسات.

-ذكرتَ لي بأنّك قُمتَ بتأسيس الأوركسترا العربيّة الوحيدة في البلاد الّتي تضمّ عرباً ويهوداً. ماذا كانت الرّؤيّة من وراء هذا التّأسيس، وأين ذهبت هذه الرّؤيّة اليوم في سياق الخطاب السّياسيّ الرّاهن؟

بعد مشاركتي في تأسيس أوركسترا ديوان في فايمر Weimar عام 1999، الّتي أسّساها إدوارد سعيد ودانييل بارنبويم، فهمت أنّ مشروعًا كهذا ينبغي أن يقوم على أرض المشكلة والصّراع، وفي بيئته الطّبيعيّة، وليس في منتجعٍ ما بعيد عن واقع الأزمة وتفاعلاتها، وبعيدًا كذلك عن “سطوة” بارنبويم. فعدت إلى البلاد وأسّست أوركسترا الشّباب العربي اليهودي عام 2002 حتّى استقلت منها عام 2008. كنت وقتها لا أزال مؤمنًا بضرورة الحوار بين الجانب الفلسطينيّ واليهوديّ، وما زلت مؤمنًا بالحوار ولن أتخلّى يومًا عن لغة الحوار، لكن الواقع تغيّر إلى الأسوأ، والإحباطات كثيرة من الطّرفين، وبعد اصطدامٍ مع المؤسّسة الإسرائيليّة قرّرت أن أستقيل وأستريح قليلاً قبل أن أتابع مسيرتي ومشروعي الفنّي في هذا السّياق. لم أتوقّف يومًا عن التّعاون مع أصدقائي اليهود على المستوى الإنسانيّ والمهنيّ، لكنّني توقّفت لسنين عن التّعامل مع المؤسّسات الإسرائيليّة والعربيّة على حدٍّ سواء، فالجميع ملطّخٌ بالضّياع والفساد. اليوم رهاني الأساسي هو على نفسي وعلى مشروعي الفنّي الشّخصي. لا يعني هذا ألاّ أنخرط في أيّ نشاط سياسي جماهيري ولا أتفاعل مع القضايا المُلحة لمجتمعي، لكنّنا نعيش في عصر يحتاج منّا أحيانًا الى وقفة صمتٍ وتأمل.

 

الأقليّة الفلسطينيّة في الدّاخل: ليست عددًا بل قضيّة ومقولة 

-أنتَ فلسطينيّ، ابن مدينة النّاصرة، تنتمي لأقليّة عربيّة فلسطينيّة صامدة موجودة في صراع مستمرّ على إثبات وجودها، إثبات وطنيّتها وانتمائها، وفي حالة دفاع عن حضورها كجزءٍ من الكلّ العربيّ. خطاب التّخوين والتّطبيع، التّشكيك، الخوف من الآخر، التّفتّت، الصّراع من أجل البقاء، الاضطهاد والقمع والاحتلال – أقليّة تعاني من عُنف يُوجّه إليها من جميع الجهات. كَيفَ يُمكن لهذه الأقليّة أن تنجو من هذه الخطابات لتصل إلى أفق حرّ  ومفتوح؟

انظري! أوّلاً، بمجرد أن نتبنى التّعبير “أقليّة”، فإنّنا نكون مباشرة في مرمى الخطاب السّلطويّ. نحن لسنا أقليّة أو أكثريّة، هذا يحوّل الصّراع إلى خانة العدد، أي الانتخابات، أي الدّيمقراطيّة الإسرائيليّة، أي اللّعب في ملعبهم المُحكم. نحن لسنا عددًا، بل قضيّة ومقولة، وإذا قبلنا بالصّراع على الأساس العددي وتبعاته الّتي ذكرتها فإنّنا خاسرون، أمّا إذا بدأنا بتشكيل وعينا على نحو مستقلٍّ عن خطاب الآخر الصّهيوني، ومن خلال رؤيّة فلسطينيّة واضحة، فهنا قد نغيّر المعادلات. التّطبيع، هو تخبُّطٌ من نوع جديد يُضاف إلى التّخبّطات والهزائم السّابقة؛ أنا أفهم أن يُقاطع إنسان يعيش خارج إسرائيل بضائعها وبرامجها وفعالياتها إلخ… هذا موقف. لكن ما معنى تخوين مليوني فلسطيني يعيشون داخل إسرائيل على أرضهم التّاريخيّة؟ كيف يقترح أصحاب “التّطبيع” أن يعيش هؤلاء؟ أين يعملون؟ أين يأكلون؟ والمُحبط في الموضوع أنّ أحدًا لا يُحاسب آلاف الأطباء العرب في المستشفيات الإسرائيليّة على عملهم فيها ومشاركتهم من خلالها بأبحاثٍ طبيّة أو مؤتمراتٍ علميّة الخ… لكن وحده الفنّان هو المُستهدف؟ ما العبرة في ذلك؟ أين ينبغي على الفنّان أن يعمل؟ وهذا لا يبرر، من طرفي، مشاركة الفنّانين وتعاونهم في مناسبات تتعارض مع موقفنا الوطني ووجداننا الأخلاقي تجاه قضيّتنا العادلة. حياتنا هنا ليست رفاهيّة، نختار فيها ما شئنا بمزاجنا، ونرفض ما نشاء بمزاجنا. “مُحاكمات التّطبيع” أصبحت تشبه إلى حد ما “محاكم التّفتيش” في القرون الوسطى. علينا أن نتحرّر من هذه العقليات “التّكفيريّة”، فالشّعوب العربيّة لم ولا تستطيع التّحرر من الاحتلال الإسرائيلي لأنّها كلّها تعيش ظروف احتلال؛ احتلال السّلطات غير المنتخبة للحياة العامة، احتلال الأفكار، احتلال الحيز العام، احتلال الفئات الضّعيفة في المجتمع، احتلال العُرف والدّين للحياة المدنيّة والحقوقيّة إلخ… أي، يمكن للمليوني فلسطيني الّذين يعيشون داخل إسرائيل على أرضهم الأصليّة ويحمون وجودهم كفلسطينيين أن يتّهموا كلّ عربي بالتّطبيع مع الأنظمة العربيّة الخائنة والفاسدة والمُستلبَة… لكنّ ثقافة التّخوين لا توصل الى أي أفقٍ مفتوح، بل إلى صداماتٍ وكوارث كالّتي نشهدها في زماننا هذا في عالمنا العربي. كيف نصل إلى أفق مفتوح؟ لا وصفة سحريّة هنا، لكن برأيي ما تفعله الشّعوب العربيّة اليوم (الشّعوب الحيّة الثّائرة الوحيدة في العالم) هو بالضّبط ما يجب وما يمكن فعله رغم المخاض العسير.

أنا متفائل جدًّا من صحوة شعوبنا، لأنّ أهمّ ما يجب أن يحصل هو حاصلٌ الآن: رفض الخطاب السّلطوي بكلّ معانيه وأبعاده. وربّما هذه هي وظيفة الفنّ في هذا الزّمن؛ أن يحمي نفسه من خطاب الأدلجة ولغة السّلطة.

وماذا سيأتي بعد الثّورة ورفض الخطاب السّلطوي؟ كنّا نعوّل على خطاب المثقّفين الّذي سقط… هل ستنجح الشّعوب بما تفعله في فتح أفق منظم وواضح لمستقبلها؟ أم أنّ أفقًا من الفوضى ينتظرها؟

كنت أتمنى أن يكون ثمن العبور من الظّلام إلى النّور أقلّ ألمًا، وهذا يتفاوت بحسب وحشيّة النّظام الحاكم وطرق تعامله مع ثورات الشّعوب، لكنّ الحياة بطبيعتها لا تقبل الفوضى المستديمة، ولا حتّى الأنظمة الاستبداديّة تستطيع البقاء في فراغات الفوضى، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فهناك تطوّر عام بشري تكنولوجي علمي معرفي فنّي إلخ… هو أكبر من أن يسمح لأنظمة عتيقة كأنظمتنا العربيّة من البقاء؛ فما بالك والشّعوب العربيّة تقلب الطّاولات فوق رؤوس حكامها ولا ترضى إلّا بسقف مرتفع من المطالب! قد أكون متفائلاً أكثر ممّا تحتمله الصّورة القاتمة الّتي هي أمام أعيننا الآن، ولكن، هل من خيار آخر؟ وهنا، أعود إلى ذاتي كفنان، وأسأل أنا بدوري، في هذا السّياق، ما هو معنى الفنّ؟ ما هي وظيفته؟ فالثّورات يجب أن تتغلغل إلى عمق الوجود الثّقافي وخلخلته يوميًّا وانتزاعه من حضانة الخطاب السّلطوي السّائد، وإلاّ ستكون الثّورات فارغة من معناها وطاقتها الحقيقيّة.

-كيف ترى إلى فلسطين في المستقبل؟

لا أستطيع فصل الثّقافة عن السّياسة، لكن، هناك مسألة أهمّ برأيي، وهي كيف يرى الفنّان إلى نفسه؟ لو استعرنا أدورنو للحظة، هناك فنّ شعبي وظيفي أفقي وغالبًا آنيّ زائل، وهناك فنّ نخبوي عامودي وكلاسيكي (عابر للزّمن)؛ هناك إنتاج فنّ يخدم المرحلة وهناك إنتاج فنّ يتجاوز المرحلة، وقد يُفطنُ إليه ذات يوم، وتحت ظروف مختلفة، وقد يُصبح ثروة وطنيّة حقيقيّة، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا في تاريخ الفنون.

من هنا أقول، من المهمّ بمكان المراهنة على الذّات الثّقافيّة أفرادًا وجماعة؛ من المهمّ بمكان تحصين الخطاب الإنساني الفنّي وعدم الانجرار إلى متاهات وحسابات السّياسة بمعناها القذر اليوم في فلسطين وفي أوطاننا العربيّة الثّائرة. لقد فشلنا، فلسطينيًّا وعربيًّا، في مواجهة المشروع الاستعماري الصّهيوني لعدّة أسباب، منها أنّنا فقدنا بوصلة الصّراع الحقيقي، بمعنى أنّ الصّراع ليس عربيًّا-يهوديًّا في حقيقته العميقة والجوهريّة؛ ثمّة اختلاف يمكن العيش معه، وليس ذريعة للصّراع بالضّرورة، لكنّ المعركة الحقيقيّة الّتي نفوّتها دائمًا هي المعركة بين خطاب تنويري إنساني أرضي (متوفر عند كلّ الأطراف) مقابل خطاب ظلاميّ غيبي سماوي (متوفر عند كلّ الأطراف كذلك). هذا ما يجعلنا نغفل عن كَون المشروع الصّهيوني مشروعًا فاشلا في ذاته، فهل يُعقل بناء دولة “شريعة” في القرن الـ 21؟ من جهة أخرى، انهمكنا في إعلاء صوت المعركة على صوت بناء الإنسان العربيّ والفلسطينيّ، وأجّلنا مشروع بناء المجتمعات العصريّة بذريعة “وجود عدو”، كما وفّرنا للآخر الصّهيوني ذريعة “وجود عدوّ”، وهكذا تغذّى الخطاب الصّدامي هنا على الخطاب الصّدامي هناك بتمويل خارجي لا علاقة للشّعوب فيه، وانهزم الخطاب الإنساني القادر على إيجاد صيغ للتّفاهم والتّعايش الّذي كان سيؤدّي، لا محالة، إلى انصهار اليهود القلّة في البحر العربيّ. نعم، لقد فشلنا في ابتلاعهم.

لست متفائلاً بالمستقبل القريب، ثمّة مخاض طويل ستمرّ فيه شعوبنا، وقد بدأ، وقد تُدفع فيه أثمان باهظة أخرى كالّتي شهدناها حتّى الآن، وستظلّ التّمويلات الخارجيّة الانتهازيّة تفرض علينا أشكالاً من التّبعيّة إلى حين، ولكن، في خضم ذلك، على المثقف أن يحمي خطابه، وأن يتابع عمله بمثابرة ودون يأس، وأن يبثّ روح الأمل والثّقة بالنّفس في جمهوره الممكن؛ علينا أن نكون جاهزين ومتجهّزين بإنسانيتنا لمستقبل أفضل سيأتي لا محالة، ولو بعد حين. ربّما يتوجّب على المثقّف الفلسطينيّ والعربي أن يكون هاملتيًا، بمعنى أن يكون إنسانًا في أكثر الظّروف لا إنسانيّة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق