مراجعات حول الأكراد والثورة السوريّة  / مهند الكاطع

انطلاقة الثورة السورية 2011

اندلعت الثورة الشعبية السورية السلميّة ضدّ النظام في شهر آذار/ مارس 2011 في خضم الربيع الذي شهدته بعض الدول العربية، وشهدت سورية تفاعلاً سياسياً غير مسبوق منذ وصول البعث إلى السلطة، وسيفرز هذا التفاعل عبر مراحله المتتالية خطابات ورؤى وإرهاصات متعددة، وتبدلات في المواقف السياسية وتطورات على الساحة العسكرية، وتدخلاً إقليمياً ودولياً غير مسبوق على الأراضي السورية.

وستتفاعل الحركة القومية الكردية بشكل كبير مع هذه التبدلات وسينعكس بشكل جليّ على خطابها السياسي ومواقفها وسقف مطالبها، كل هذا يستدعي أن نتوقف كمحطة هامة خلقت الكثير من اللغط والضبابية، في حالات تضاربت بها المصالح الوطنية بالمصالح القومية أو المذهبية للأقليات السوري كما هو الحال بالنسبة للموقف الكردي.

مشاركة الأكراد في الحراك: “شباب التنسيقيات”

اندلعت الاحتجاجات الرسمية وباتت رقعتها تزداد في البلدات والمدن السورية، من درعا إلى دمشق وحمص، ولم تلبث أن انضمت محافظة الحسكة إلى الحراك، فكانت البداية من انطلاق مظاهرات لمجموعة من الشباب العرب في ناحية الجوادية تم قمعها بشدة من قبل النظام، ليتسع نطاق المظاهرات في كل من القامشلي وعاموده ومدينة الحسكة وناحية الهول. وكانت السمة الأساسية لهذه المظاهرات هي خروج مشترك للشباب العرب والأكراد في هذه المحافظة، تحت رايات وشعارات مشتركة.

يوم الجمعة كان يمثل الموعد الاسبوعي المحدد لخروج الثورة، استغلال موعد صلاة الجمعة لانطلاق التظاهرات كان عملياً لاستغلال التجمع وتشجيع الناس على الخروج والمشاركة، فحتى الشباب المسيحيين كانوا يشتركون من أمام المساجد في الحراك الجماعي، ويلتزم الجميع بالشعار الموحد في سورية لاسم الجمعة، الذي كان يجري اختياره عبر التصويت عليه في صفحات التواصل الاجتماعي.

موقف الأحزاب الكردية من المظاهرات

بقيت الأحزاب الكردية مترددة ولم تتخذ قراراً للمشاركة في الحراك الثوري ضدّ النظام الحاكم خلال الستة أشهر الأولى من عمر الثورة السورية، بل كان موقفها الأول يعبر عن تردد إزاء اتخاذ موقف واضح اتجاه الثورة، ف في أوائل أيّار/ مايو 2011 اجتمعت معظم الأحزاب الكرديّة في مدينة القامشلي، وأصدرت بياناً وضعت فيه تصوّرها لحلٍّ سياسيٍّ لما اسمته “الأزمة”، دعت فيه إلى إجراء حوارٍ بين السلطة والمعارضة لحقن الدماء ووضع مبادئ لإصلاحاتٍ ديموقراطيّة، من ضمنها تحقيق المطالب المشروعة للشعب الكرديّ في إطار وحدة البلاد، وعلى الرغم من اطلاق تسمية ” آزادي” التي تعني الحرية بالعربية، على يوم الجمعة 20 مايو / أيار 2011،

إلا أن الأحزاب الكردية لم تكن قد اتخذت موقفاً بعد إزاء المشاركة في الحراك على الأرض، في الوقت الذي كان الشباب الأكراد ينظمون التنسيقيات، ويشاركون بحماس كبير كان يزيد على حماس الشبان العرب في المناطق المتخلطة مثل القامشلي التي تضم عرباً وأكراداً وسرياناً، فالشباب الأكراد لديهم تجربة سياسية ووعي أقدم من عرب المنقطة، واستفادوا من الغطاء الذي وفره نظام الأسد للأحزاب الكردية التي كانت تنشط قومياً، حيث كان يتم تشجيعها واستخدامها ايضاً لأهداف إقليمية تتعلق بالساحتين العراقية والتركية. وبالتالي كان حجم مشاركتهم كبيراً مقارنة مع ترقب وتوجس العرب، خاصة اتجاه أهداف الأكراد، فتزداد شكوك المكون العربي من العوام، ويعمدون لتصديق دعاية النظام في المؤامرة أو التخويف من أهداف الأكراد وتذكيرهم بحراك الأكراد سنة 2004 المتزامن مع الغزو الأمريكي للعراق وما تبعه من أحداث وشعارات ومطالبات للأمريكان بالتدخل لإقامة فيدرالية للأكراد في سورية ..الخ.

وبالتالي كانت المشاركة مقتصرة على فئة من الشباب العرب جلهم من المثقفين والنخبة، وبعض الشبان المتحمسين في الريف أيضاً. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الأحزاب الكردية مارست ضغوطاً مختلفة على الشبان الكرد لمنعهم من الانخراط في الحراك خشية سحب البساط من تحت اقدام الحزاب التقليدية. بل وصل الأمر كما يشير رئيس تنسيقية الحسكة الموحدة ميرال بروردا “إلى أنّ الأحزاب السياسية سعت إلى تشويه صورة الشباب الكرد ونخبهم القيادية، وكانت تمارس إلى جانب الاعتقالات حملات ممنهجة لاتهامهم وترهيبهم”

لم تتخذ الأحزاب الكردية أي قرار بالمشاركة في التظاهر، معتقدة أن الوقت لم يحن بعد، باستثناء ثلاثة احزاب عرفت (بأحزاب لجنة التنسيق الكُردية) وهي: حزب يكيتي الكُردي في سوريا، حزب آزادي الكردي في سوريا وتيار المستقبل الكُردي في سوريا. التي اتخذت قراراً بالمشاركة رسمياً بالاحتجاجات في بيان اصدرته في 7 حزيران / يونيو 2011م.

ثانياً: تشكيل المجلس الوطني الكردي ENKS (2011):

تشكّل المجلس الوطني الكردي في سورية في 26 تشرين الأول/أكتوبر، 2011، في أربيل بالعراق، برعاية ودعم مسعود بارزاني رئيس حكومة إقليم كردستان العراق. وقد حظي المجلس في البداية بدعم الأحزاب الكردية التي كانت منضوية في السابق تحت لواء الجبهة الديمقراطية الكردية، والتي كانت تضمّ أحد عشر حزباً سياسياً كردياً سوريا. وقد أعقب تشكيل المجلس الوطني الكردي كمظلة للأحزاب المُعارضة لنظام الأسد إنشاء المجلس الوطني السوري في الشهر نفسه . وبحضور أكثر من 250 شخصية تم اختيارهم، انطلق المؤتمر التأسيسي للمجلس الوطني الكردي تحت عدة شعارات منها:

نحو دولة ديمقراطية برلمانية تعددية تضمن الحقوق القومية للشعب الكردي.
الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كمكون رئيس في البلاد.

كما أقر المؤتمر جملة من المقررات منها:
رأى المؤتمر أن الشعب الكردي في سورية هو شعب أصيل، يعيش على أرضه التاريخية.
الاقرار الدستوري بوجوده كمكون رئيسي وثاني أكبر قومية فيه.
إيجاد حل عادل لقضيته القومية بما يضمن حقه في تقرير مصيره بنفسه ضمن وحدة البلاد.

يتضح أن قرار مشاركة الأحزاب الكردية في الحراك كان قد حمل معه جملة من الأجندة و المطالب القومية الأحادية الجانب، وكانت تلك إشارة مبكرة إلى أن قرار المشاركة بالحراك الثوري كان ضمن شروط مسبقة يجب أن تفضي إلى تحقيق مطالب قومية، وهذا ما ستشهده مؤتمرات المعارضة من جدل حول المطالب التي كانت الأحزاب الكردية تقدمها كشرط للعمل ضمن إطار المعارضة.

انضم المجلس الوطني الكردي للائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية بتاريخ 7/9/2013م، وذلك بعد موافقة الاخير على توقيع مسودة تضمنت بنود اتفاق وضع تصوراً لمستقبل العلاقة مع الأكراد قدمها المجلس الوطني الكردي، وكان الائتلاف يهدف لكسب كتلة كردية لتأكيد تمثيله لجميع الأطياف.

أما بنود الاتفاق التي أصر عليها المجلس الوطني الكردي فقد تضمنت التالي:

التزام الائتلاف بالاعتراف الدستوري بهوية الشعب الكردي القومية.
العمل على إلغاء جميع السياسات والمراسيم والإجراءات التمييزية المطبقة بحق المواطنين الكرد.
يعمل الائتلاف على إقامة فعاليات وأنشطة تساهم في التعريف بالقضية الكردية في سورية والمعاناة التي مرّ بها المواطنون الكرد على مدى عقود من الحرمان والتهميش!.
تبني اسم الدولة في عهد الاستقلال. (الجمهورية السورية).
يُمثَّل المجلس الوطني الكردي في الائتلاف بنائب للرئيس وعشرة أعضاء في الهيئة العامة. وينتخب اثنان من ممثلي المجلس الوطني الكردي في الهيئة السياسية.
الحد الأدنى للتمثيل الكردي بحسب هذا الاتفاق هو 14 عضوا.
ارتفاع سقف مطالب المجلس الوطني الكردي

بات واضحاً بأن سقف المطالب الكردية كان يرتفع ويتراجع متأثراً بالوقائع على الأرض، وكان المجلس الوطني الكردي في كل مناسبة يطرح تصورات جديدة عن المسألة الكردية في سورية بشكل مستقل عن قوى المعارضة، كما أنه كان يشهر ورقة التهديد بالانسحاب من المعارضة في العديد من المناسبات في حال رفضت مطالبه، أو يتخذ موقفاً مغايراً لمواقف المعارضة في بعض المحافل الدولية في مناسبات أخرى، ومثال على ذلك البيان الاحتجاجي الذي قدمه المجلس الوطني الكردي للسيد رياض حجاب رئيس الهيئة العامة للمفاوضات في 6 / 9 / 2016م، على خلفية مسودة مؤتمر لندن الذي يمثل رؤية المعارضة للحل، وتمثل احتجاج المجلس الوطني على بعض البنود نلخصها بما يلي:

ان الوثيقة تلغي حقيقة التعدد القومي لاعتبارها ان سورية جزء من الوطن العربي.
ان الوثيقة تلغي مساهمة المكونات الاخرى في بناء سورية عندما تقول: (اعتماد الثقافة العربية الاسلامية معينا خصبا للإنتاج الفكري والعلاقات الاجتماعية…. ).
اعتماد الوثيقة اللغة العربية لغة رسمية وحيدة في البلاد يعتبر ذلك الغاء و تجاهلا للغة الكردية ولغات المكونات الاخرى.
ان الوثيقة تتجاهل الاعتراف وضمان حقوق الشعب الكردي القومية واللغوية والثقافية والسياسية دستوريا وفق العهود والمواثيق الدولية.
ان الوثيقة تحاول من خلال طرح اللامركزية الادارية لشكل الدولة استنساخ المجالس المحلية التي اعتمدها النظام سابقاً وتعيد انتاجه من جديد.
الوثيقة تخضع القرارات التي تؤثر على مكون بعينه الى مبدأ الاغلبية بدل من التوافق، والى ما هنالك من ثغرات في الوثيقة المعلنة.

وأعلن المجلس الوطني الكردي بأنه غير ملزم بهذه الوثيقة، ورفض المشاركة في مؤتمر لندن، وابلاغ الدول التي ستحضر المؤتمر بموقف المجلس للمشاركة للأسباب آنفة الذكر.

يتضح جلياً بأن المجلس الوطني الكردي كان يسعى لانتزاع اعتراف بحقوق قومية (للاكراد)، وبنفس الوقت كان يتحفظ على أي إشارة للهوية العربية في سورية والتي تمثل أغلبية السوريين من مختلف الطوائف والاديان عملياً.
المجلس الوطني الكردي و دستور (كردستان سورية)

يعتبر مشروع دستور (كردستان سورية) الذي طرحه المجلس الوطني الكردي أخطر تصعيد في خطابه منذ بدء الثورة السورية، خاصة انه صادر من قوى ضمن جسم المعارضة السورية، بخلاف الدستور الذي صدر بنفس التوقيت من الادارة الذاتية التابعة للعمال الكردستاني والمحسوبة في تحالفها على النظام، فقد ناقشت لجنة تابعة للمجلس الوطني الكردي مشروعاً لدستور مؤلفاً من 115 مادة، صرح المجلس الوطني الكردي لاحقاً بأنه لم يتبنى هذا الدستور رسمياً بعد.

تنص المادة الأولى من هذا الدستور على اسم الإقليم وهو “كورستان سورية” يتولى جميع الحقوق والواجبات التي تقع ضمن المسؤوليات الاختصاصية لكامل الدولة، ويساهم في جميع القرارات العامة للدولة السورية ويتم تمثيله في جميع مؤسسات الدولة المركزية، وان ثروات هذا الاقليم تقع تحت حماية الدستور لا يتم تغييرها دون موافقة الاقليم ونص على مايلي:

أما المادة السابعة من الدستور تحدث عن مقر حكومة الإقليم وجاء فيها أن مقر مجلس وحكومة الإقليم هو مدينة “قامشلو”، في حين مقر المحكمة الدستورية للإقليم هو مدينة “كوباني”.

أما المادة الثامنة فأنها تشير إلى اتخاذ العلم الكردي المستخدم في كردستان العراق رمزاً لها، وتشير لوجود نشيد وطني خاص وعطل رسمية خاصة.

إعادة استخدام العمال الكردستاني ( 2011)

تلقى نظام الأسد رسائل وعروض زعيم العمال الكردستاني أوجلان التي ارسلها من سجنه على شكل حوار مع محاميه تم نشره في الموقع الرسمي للجناح العسكري للعمال الكردستاني، وكانت تتضمن دعوة الاسد للقاء مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وليس العشائر الكردية، وابداء الاستعداد لدعم الاسد في اصلاحات ديمقراطية وفتح المجال امام الاكراد لادارة شؤونهم بنفسهم والاعتراف بحقوق الادارة الذاتية الثقافية والادارية.

وفي 18 أيار 2011 وجّه اوجلان رسالة أخرى طلب فيها التحالف مع النظام السوري والإيراني على قاعدة الادارة الذاتية. ويبدو أن النظام السوري أبدى اهتماماً بدعوات الكردستاني وسعى لاستخدام ورقة العمال الكردستاني في سورية مجدداً، وبدأ النظام منذ الأشهر الأولى من عمر الثورة بإطلاق سراح من له علاقة بالعمال الكردستاني من المعتقلين. كما تواصل النظام مع صالح مسلم عن طريق زوجته التي اطلق سراحها، حيث استدعاه للخروج من مخبأه وعفى عنه، وبدأت علاقة التعاون التي يبدو من خلال المعطيات أنها سارت بخطط مدروسة وفق توافق عريض على الخطوط التي وضعها أوجلان.

ظهور حواجز القوات الكردية

بدأت و لاول مرة مظاهر مسلحة للقوات الكردية في ريف محافظة الحسكة، وبشكل خاص المناطق الحدودية في محافظة الحسكة، وذلك قبل اندلاع أي مشاكل أمنية او عسكرية، وابتداءً من سبتمبر 2011 بدأت مظاهر تنظيم مجموعات pyd تبدو بشكل معلن في المدن والبلدات، بدأ تعزيز وجود هذا الحزب في الأحياء والقرى الكردية يزداد على حساب انسحاب النظام تدريجياً منها، كما لو كان الأمر استلام وتسليم، ضمن شروط مسبقة بإحكام سيطرة pyd على الشارع الكردي. يبدو أن النظام كان يتجنب التصادم مع الأكراد مباشرةً، لأن ذلك سيوحد موقف الأكراد مع الثوار السوريين في المناطق الأخرى، وسيجعل موقفها أقرب للمعارضة السورية، وبدلاً من ذلك قرر النظام استخدام تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يمتلك خبرة تنظيمية اكتسبها من المنظومة الأم العمال الكردستاني الـ PKK لقمع الأكراد.

استغلال المظاهرات ضدّ الأسد

كانت المظاهرات الشعبية ضد الأسد عارمة، لا يستطيع حزب الاتحاد الديمقراطي تقديم مبرر لمنعها بشكل مباشر، فقرر استغلال هذه المظاهرات، وبدأ باختراقها بشعارات مخالفة لشعارات الثورة المتفق عليها، وبدأ برفع أعلام ورايات حزب الاتحاد الديمقراطي، وصور عبد الله آوجلان، ومنذ 29 تموز /يوليو 2011 كان هناك قراراً برفع رايات وشعارات كردية، تحت ذريعة تأكيد الهوية الكردية، وتم رفع شعارات ولافتات تطالب بدستور جديد وسوريا ديمقراطية و”إدارة ذاتية لغربي كردستان” على حد وصفهم. والأمثلة كثيرة على التغير والعزلة التي فرضتها الأحزاب الكردية جميعها على الشارع الكردي عبر التوجه للشعارات والتسميات والأعلام القومية.

قوات الحماية الذاتية

هذه القوات هي الجناح العسكري الفعلي الممثل للعمال الكردستاني في سورية. وستنضوي لاحقاً تحت مسمى ” قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، وذلك بعد التقارير الحقوقية والدولية التي اشارت لتورطها بعدة جرائم ومجازر، وفي خطوة اعتبرها المراقبون بأنها جاءت بناء على طلب أمريكي لكي يكون الغطاء الأمريكي لهذه القوات تحت شعار أنها قوات ( سورية)، وبالتالي تجنب الإحراج أمام عضو آخر في الناتو ( تركيا) التي تعتبر العمال الكردستاني والميليشيات المرتبطة به قوات إرهابية.

انتهاكات ومجازر قوات الحماية الشعبية ( الــ YPG )

ستشهد سنة 2013 بداية جدية في عمليات القمع على أيدي وحدات حماية الشعب YPG، وستشهد هذه السنة أول عملية تصدي يقوم بها سكان القرى العربية لهذه القوى، حيث حدثت مقاومة شعبية من قبل العرب للقوات الكردية في منطقة رميلان وتل تمر وتجددت لأكثر من مرة.

وبالتالي ستكون منطقة الجزيرة في عامي 2013-2014 شاهدة على عشرات الجرائم ولانتهاكات والمجازر بحق المدنيين، في محاولة لترهيب السكان، وإخضاعهم لسيطرة الأمر الواقع. فقد تم ارتكاب مجزرة بحق المدنيين الأكراد في بلدة عامودة في نهاية حزيران 2013 ادت إلى سقوط 6 شهداء، ومجزرة بحق العرب في قرية الأغيبش التابعة لناحية تل تمر سقط خلالها 7 مدنيين على اأقل مع تجريف أكثر من 27 منزل في القرية،

كما كانت مجزرة ناحية تل براك في شباط 2014 من أكبر المجازر بحق العرب وسقط فيها ما يقرب من 40 مدنياً في ثلاث قرى وترافق ذلك مع تجريف وهدم عشرات المنازل، تلاها مجزرة بحق العرب في حي غويرن ضمن الحسكة بدعم من النظام السوري أوقع ما لا يقل عن 29 شهيداً ضمنهم ما لا يقل عن 8 أطفال ونساء ومسنين، ناهيك عن مئات الجرحى وتدمير كبير طال الحي وأجبر الآلاف على النزوح خارجه. أما المجزرة الأكثر فظاعة فقد تم ارتكابها في شهر أيلول 2014 بحق أهالي قرى ( تل خليل، الحاجية، المتينية)، وجميعهم من عشيرة واحدة، وكان عدد ضحاياها 35 شخص، بينهم أم وأطفالها الستة. وطالت الانتهاكات حرق عشرات القرى في مناطق ريف القامشلي الجنوبي وناحية تل حميس ورأس العين وجبل عبد العزيز وتل تمر وغيرها من المناطق.

تصاعد الإدانات المحلية والدولية لانتهاكات قوات الحماية الشعبية YPG

صدرت عدة تقارير لإدانة هذه الانتهاكات بحق المدنيين، منها تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش، ومنظمة نداء الانسانية السويسرية، ومنظمة العفو الدولية، ونشرت صحف عديدة كالتايمز البريطانية ومجلة فوكس الالمانية تقارير عن هذه الانتهاكات، واعترفت واشنطن ايضاً بهذه الانتهاكات مراراً وخاصة قبل التحالف العسكري الذي قامت به مع هذه القوات لاحقاً. كا أصدر الائتلاف وعدة قوى في المعارضة السورية بيانات ادانوا فيها الجرائم والمجازر التي قامت بها هذه القوات ضد مدنيين، وكذلك وثقت منظمات حقوقية سورية هذه الجرائم ضمن تقارير دورية اوضحت تفاصيل الانتهاكات والمجازر والقتل ضمن المعتقلات.. الخ.

مظاهر استهداف المؤسسة التعليمية

فرضت قوات ما يسمى الإدارة الذاتية سيطرتها على المدارس في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفرضت كذلك مناهج تسوق لإيديولوجية العمال الكردستاني وفكر أوجلان وتشجيع العنف الثوري إحدى ركائز الحزب، وبدأت تزداد أعداد المتسربين من المدارس مع إحجام معظم العوائل لإرسال أطفالها لهذه المدارس التي تسعى لأدلجة الأطفال في محاولة قسرية للتأثير على هوية التلاميذ وفرض رؤى إيديولوجية عليهم، غريبة عن بيئتهم ومنطقتهم وهويتهم ولغتهم وعاداتهم وتاريخهم أيضاً ولا تنسب حتى أعمارهم. كل المعطيات تشير إلى أن هذه الممارسات ساهمت في هدم العملية التعليمية برمتها، والقضاء عليها، وربما تهدد أجيال كاملة بالجهل في حال استمرارها.

الإعلان عن مشروع الإدارة الذاتية

في 13 آب/أغسطس 2013 أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي في مؤتمر صحفي بمدينة القامشلي حضرته آسيا عبد الله الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي عن انتهاء المرحلة الأولى لمشروع الإدارة الذاتية، ودخوله المرحلة الثانية عبر البدء بتشكيل هيئة تشريعية مكلفة بتشكيل الهيئة الإدارية الانتقالية للمنطقة . يوم الثلاثاء المصادر 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2013، بالتزامن مع إعلان المعارضة السورية عن تشكيل الحكومة الانتقالية، أعلن “الاتحاد الديمقراطي” PYD عن تشكيل ما أسماه: “الادارة المدنية الانتقالية لمناطق غرب كردستان – سوريا”، وتشكيل مجلس عام “للإدارة الذاتية”.

جرى الإعلان عن الإدارة الذاتية مرة أخرى، بعد اجتماع ما سمي بالمجلس التشريعي للإدارة الذاتية في 21 كانون الثاني/ يناير 2014 في مدينة عامودا، عشية مباحثات جنيف2 التي استبعدت حزب الاتحاد الديمقراطي من المشاركة في وفد المعارضة، وبذلك اتجه حزب الاتحاد الديمقراطي لخطوة الاعلان للادارة الذاتية مشكلاً نحو 22 هيئة ووزارة.

رداً على مؤتمر الرياض الإعلان عن مؤتمر “ديريك”

تزامناً مع انطلاق مؤتمر الرياض الذي عقد بين 8-10 كانون الأول / ديسمبر 2015 وضم لأول مرة أطراف المعارضة السورية المختلفة بما فيها معارضة الداخل المتمثلة بهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، وأسس قاعدة عمل مشترك واسعة لأطراف المعارضة، ونظراً لأن مؤتمر الرياض قد استثنى دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي PYD واستبعده من المؤتمر ورفض وجود شخص صالح مسلم فيه، على الرغم من أنه حتى لحظة انعقاد المؤتمر كان حزب الاتحاد الديمقراطي جزءً من هيئة التنسيق الوطنية، الأمر الذي دفع بحزب الاتحاد الديمقراطي إلى إعلان تجميد عضويته في الهيئة، وتحت شعار “معاً نحو بناء سوريا حرة وديمقراطية ” قام بتنظيم مؤتمر في بلدة المالكية التابعة لمحافظة الحسكة في نفس الفترة بين يومي 8-9 كانون الأول / ديسمبر 2015 تحت اسم “مؤتمر قوى المعارضة السورية”، بحضور هيثم المنّاع رئيس تيار “قمح” الذي انسحب من مؤتمر الرياض، وأعلن المشاركة في مؤتمر المالكية برعاية الإدارة الذاتية. أعلن في نهاية اعمال مؤتمر ديريك، عن ولادة جسم سياسي جديد يحمل اسم مسد “مجلس سوريا الديمقراطية”

الإعلان عن مشروع “فيدرالية – روجافا” :

تزامناً مع تصريحات روسية وأميركية ملتبسة بإمكان إقامة دولة فدرالية (اتحادية) في سوريا، مع تأكيد روسية نهاية شهر فبراير على لسان نائب وزير خارجيتها بانها لن تمانع فكرة إنشاء جمهورية فيدرالية في سورية، وباستغلال الأوضاع التي تمر بها سورية، أعلنت القوى التابعة لمشروع حزب العمال الكردستاني في سورية، في مقدّمتها حزب الاتحاد الديمقراطي “PYD”، في اجتماع عُقد بمدينة الرميلان، بمحافظة الحسكة، في 17 آذار/ مارس 2016، قيامَ ما اسموه “الفدرالية الديمقراطية لروجآفا – شمال سوريا”

لاقت خطوةُ الإعلان الجديد عن الفيدراليّة من قِبل مجموعة الاتّحاد الديمقراطيّ PYD ، رفضاً محلياً ودولياً واسعاً. وعىل الساحة السورية تم رفض هذا الإعلان من قبل المعارضة والنظام على حد سواء.
هيثم مناع رئيس تيار قمح والذي كان قد شارك في مشروع الـ PYD بصفة رئيساً مشتركاً لما سمي بمجلس سورية الديمقراطية، قدم ايضاً استقالته مبرراً ذلك بإعلان الفيدرالية من جانب واحد.
الورقة الكردية بين تركيا وأمريكا

حضت تركيا الولايات المتحدة مراراً عن العدول عن المضي قدماً في قرار تسليح القوات الكردية الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة رسمياً قبيل بدء معركة الرقة، وكانت تركيا تصرح وتقول بإن كل سلاح تحصل عليه «وحدات حماية الشعب» الكردية يمثّل تهديداً لتركي.

وجاء هذا الرد الغاضب قبل أسبوع من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واشنطن لعقد أول اجتماع له مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وافق على تسليح «الوحدات» الكردية لدعم حملة استعادة مدينة الرقة السورية من «داعش». خلال مؤتمر صفحي مشترك عقده أردوغان مع نظريه الأمريكي دونالد ترامب في البيت الابيض في منتصف مايو / أيار 2017، قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان : “إن التعامل مع تنظيم ي ب ك الإرهابي ودعمه من قبل أي دولة مهما كانت أمر غير مقبول ومخالف لكل الاتفاقات الدولية”. بدوره كان ترامب قد أكد بأن الولايات المتحدة تقف إلى جوار تركيا ضد التنظيمات الإرهابية مثل داعش و ” بي كا كا”.

لكن في المحصلة بقيت أمريكا على دعمها للقوات الكردية، على الرغم من التغاضي الأمريكي عن الدخول التركي إلى عفرين.

أنفجار الوضع بين النظام والعمال الكردستاني

وفي 18 أغسطس / آب 2016 أعلن متحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردية أن طائرات النظام قصفت مناطق يسيطر عليها الأكراد في مدينة الحسكة بشمال شرقي البلاد، لأول مرة خلال النزاع الدائر في سوريا منذ 2011. و في اليوم التالي نشرت وكالة رويرتز تصريحاً لمسؤول بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) قال فيه إن طائرات تابعة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أرسلت قرب مدينة الحسكة بشمال شرق سوريا لحماية قوات برية للتحالف رداُ على قصف الطائرات السورية.

تركيا وعملية درع الفرات

بالتزامن مع ذلك بدأت أنقرة في 24 أغسطس / آب 2016 بتدخل عسكري مباشر في منطقة جرابلس، في عملية أطلقت عليها اسم ( درع الفرات) جرت بتعاون تركي مع بعض فصائل الجيش السوري الحر، و استمرت سبعة أشهر، حيث كانت أهدافها المعلنة محاربة الإرهاب وتطهير المناطق الحدودية من داعش وميليشيات ب ي د – بي كي كي الإرهابية.

عملية غصن الزيتون

علمية غصن الزيتون (بالتركية: Zeytin Dalı Harekâtı) هو الاسم الرمزي للعملية التي شنتها قوات من المعارضة السورية والجيش التركي، ضدّ مواقع القوات الكردية التابعة للعمال الكردستاني في سورية، وكان هدف العملية هو السيطرة على عفرين التي كانت القوات الكردية قد أعلنت عن أنها إحدة مقاطعات الإدارة الذاتية.

استغاثت القوات الكردية بحكومة النظام السوري يوم الخميس 25 كانون الثاني (يناير) 2018، ودعت الأسد إلى إرسال قوات لمساعدتها في صد الهجوم التركي. وأصدرت السلطات الكردية بيانًا ورد فيه: «ندعو الدولة السورية للقيام بواجباتها السيادية تجاه عفرين وحماية حدودها مع تركيا من هجمات المُحتل التركي، حيث لم تقم بواجبها حتى الآن على الرغم من الإعلان عنه بشكل رسمي، ونشر قواتها المسلحة السورية لتأمين حدود منطقة عفرين».

السيطرة على عفرين

في يوم السبت 24 آذار (مارس) 2018، أعلن الجيش التُركي فرض سيطرته على كامل منطقة عفرين ومُحيطها بعد انتزاع ما تبقَّى من مواقع ومعاقل لِوحدات حماية الشعب الكُرديَّة، وعادت أنقرة لِتُؤكِّد أنَّ عفرين ستبقى لأهلها وأنَّ الوُجود التُركي فيها ليس احتلالًا. كما أصدر الجيش التُركي بيانًا قال فيه أنَّ قُوَّات عمليَّة غصن الزيتون اتخذت تدابير احترازيَّة من أجل ضمان عودة آمنة لِلمدنيين إلى منازلهم. وفرض الجيشان السُوري الحُر والتُركيّ طوقًا أمنيًّا وعسكريًّا على جميع مداخل مدينة عفرين وأقاما حواجز مُشتركة داخل المدينة لِحفظ الأمن فيها.

شكل سقوط عفرين بيد قوات مشتركة من الجيش الحر والجيش التركي، ضربة مدوية لمشروع العمال الكردستاني في سورية، كما ساهمت المواقف الدولية الغربية المؤيدة أو المحايدة من التدخل التركي في ازدياد مشاعر الأحباط في صفوف أنصار مشروع العمال الكردستاني غير متوقعة بالنسبة للأكراد، وخاصة بعد التوافقات الأمريكية –التركية حول منبج، الأمر الذي دفع قوات سورية الديمقراطية ومجلسها السياسية “مسد” إلى إجراء مفاوضات مع النظام السوري مجدداً، ومحاولة الوصول إلى تفاهمات تمهد لعودة تدريجية للنظام بعد توقعات بانسحاب أمريكي من سورية.

فهل سيتم انسحاب القوات الأمريكية وتعود المناطق للنظام على أساس مصلحة مشتركة بين قسد والنظام بالتحالف لإنهاء الوجود التركي، وترك مسألة الوجود العسكري لقسد لمرحلة ما بعد تركيا، أم ستعدل الإدارة الأمريكية عن قرارها وتستمر بالوجد ودعم قوات قسد وإبقاءها كورقة ضغط ضد تركيا والنظام للحصول على تنازلات ومكاسب جديدة. هذا ما ستحدده الأشهر القليلة المقبلة.

الخلاصة

من خلال ما تقدم في عرض مسارات التفاعل المختلفة للأكراد في سورية مع الحراك الثوري الذي بدأ سنة 2011، يمكننا أن نميز بين ثلاث مسارات واتجاهات تطور من خلالها التفاعل الكردي مع المشهد السوري تتلخص فيما يلي:
المسار الأول: حراك شبابي في الأشهر الستة الأولى من عمر الثورة، وتميز هذا الحراك بأنه مستق تماماً مع الحراك الشعبي السوري السلمي العام في كافة أنحاء سوري، ولم يكن يتميز عن هذا الحراك لا بالأهداف ولا الشعارات ولم يخرج عن المطالب التي كانت تمثل ضمير الشعب السوري بشكل عام.
المسار الثاني: تمثل بدخول الأحزاب الكردية على خط الحراك، وكان الزخم هنا للأحزاب الكردية “البرزانية” التي شكلت مع الأحزاب “الطالبانية” نواة المجلس الوطني الكردي في نهاية سنة 2011، ومثل المجلس عملياً أولى عمليات إحتكار خطاب الشارع الكردي وبداية محاولة إقصاء التنسيقيات الشبابية التي تعمل خارج مظلة الأحزاب التقليدية.

مثلت هذه المرحلة بداية ظهور الشعارات القومية الأحادية ضمن مظاهرات وفعاليات الحراك الشعبي السوري العام ضدّ النظام، وايضاً بداية التفاعل السياسي مع المجموعات السياسية السوريّة الأخرى، وتوجت بالانضمام للائتلاف السوري لقوى المعارضة في أيلول / سبتمبر 2013، لكن بقي أداء المجلس الوطني الكردي ضمن صفوف المعارضة يعاني من عدم الوضوح في الرؤية، وكان يستثمر أي مؤتمر او محفل للمعارضة ساعي لإظهار موقف موحد للمعارضة، لممارسة ضغوطاً مختلفة في محاولة للحصول على تنازلات واعترافات غالباً كان لها علاقة بمسائل دستورية تضع تصورات لمستقبل الاكراد في سورية كمسألة الاعتراف الدستوري بقومية “ثانية” بالبلاد، او مسألة جعل اللغة الكردية لغة رسمية في البلاد، أو إعادة تسمية سورية بإزالة لاحقة العربية من الاسم، أو إزالة أي نص يضع سورية في خانة الانتماء للمحيط العربي، وغير ذلك من المسائل الشائكة.

وبالتالي كان موقف الأحزاب الكردية ينطلق من فكرة مفادها بأن “الفرصة مواتية للأكراد” أو “الفرصة التي لن تتكرر”، خاصة مع التحرك الكردي في الجانب العراقي الذي كان قد أفضى للسيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها أيضاً، وإعلان إجراء استفتاء، فاعتقد المجلس الوطني الكردي الذي يتبع سياسياً “للبرزاني” بإن الظروف مهيئة لمشروع كردي في سورية والعراق، فاستعجل العديد من الخطوات الأحادية كمناقشة دستور اسماه “دستور كردستان سورية” بشكل منفصل عن المعارضة، وغيرها من الإجراءات التي حاولت التهيئة لوضع جديد بعد الاستفتاء الكردي في العراق، لكن تبين لاحقاً بإن الظروف لم تكن مواتية البتة، بعد أن قوبلت تحركات البرزاني برفض إقليمي وعربي و دولي واسع النطاق، الأمر الذي ساهم في تراجع نبرة الأحزاب الكردية في سورية خاصةً مع تراجع أداء المعارضة السورية السياسية عموماً، وتحول الملف السوري بشكل مباشر للأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الساحة السورية.

المسار الثالث: ويتمثل بنشاط حزب الاتحاد الديمقراطي ب ي د ، التابع عقائدياً وتنظيمياً لمنظومة حزب العمال الكردستاني، والذي ساهم النظام بانشاءه وظهوره وتسليحه وتدريب عناصره، وتسليمه أيضاً مساحات كبيرة من الأراضي والمرافق السورية، والذي تركزت ممارسته القمعية بين عامي 2011-2013 ضدّ الأكراد بادئ الأمر، قبل ان ينتقل لقمع باقي المكونات وفرض سيطرة الأمر الواقع على العديد من البلدات والمدن السورية، واتسحت مساحة الرقعة التي سيطر عليها مؤخراً بدعم أمريكي في إطار إعلان الحرب على داعش.

وقد أعلن هذا الحزب عن إقامته لإدارة ذاتية، دون ان يعترف بأي علاقة تربطه بالنظام، بل وسوق نفسه في أكثر من مناسبة على أنه ايضاً يعمل كطرف معارض للنظام، وبالتالي كان يسعى لإقامة مؤتمرات موازية لمؤتمرات المعارضة في محاولة لإضعاف الدور السياسي للمعارضة السورية، وإرسال رسائل للأطراف الدولية بأن هناك معارضة داخلية لا تعترف بالمعارضة الممثلة بالائتلاف او هيئات التفاوض المشكلة. تبرز أهمية هذا الحزب وميليشياته بالقدرات العسكرية التنظيمية، والاستفادة من الهامش اللوجستي والعسكري والاقتصادي الذي منحه لانظام لها في بداية الحراك وحتى نهاية عام 2015، الأمر الذي تم استثماره لتكريس وجود هذه الميليشيات، والقيام بعمليات التجنيد الإجباري ضمن صفوفها، وصولاً لعملية السطو على المؤسسات التعليمية والخدمية واستثمار مشترك للثروة النفطية، ومن ثم استطاعت وبوجود الحماية الأمريكية الخروج جزئياً من عباءة النظام دون ان يتطور المشهد لمواجهة عسكرية.
ختاماً، لا نبالغ إذا قلنا بإن السياسات الكردية المعلنة خلال أعوام الثورة السورية قد اساءت كثيراً للأكراد، وعمقت النظرة السلبية اتجاه الأكراد بوصفهم ” انفصاليين” بل وايضاً ” كانتهازيين”، خاصة بعد ان ترافق ذلك بسيطرة واسعة للميليشيات العسكرية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي على منطقة شرق الفرات بالكامل، فضلاً عن السيطرة على أجزاء كبيرة أيضاً من الشمال السوري، واستهدافها لفصائل المعارضة، وفي أحيان أخرى تسليم بعض المناطق التي انتزعت من المعارضة للنظام.
لا يفوتني أيضاً إلى الإشارة إلى أنَّ النخب الكردية المحسوبة على “المستقلين”، من ساسة وكتاب وناشطين وشعراء، قد تماهت مع المعطيات على الأرض، ومع العواطف القومية بدرجة كبيرة، واتخذت مواقف حيادية أو سلبية في بعض الأحيان من خلال الصمت عن الانتهاكات وعمليات التهجير والمجازر التي ارتكبتها قوات الحماية الكردية اتجاه العرب كنوع من إغفال الحقائق الديموغرافية للوجود العربي الذي يشكل أغلبية في مناطق تحرك القوات الكردية ضمن إطار الخارطة السياسية “المتخيّلة” لإقليم كردي / كردستاني في سورية، ناهيك عن الخطاب التحريضي الشديد بل وقل البذيء عبر وسائل التواصل الاجتماعي اتجاه عموم العرب، و ظهور اتجاهات تدافع عن المشروع الإسرائيلي أو تسوق لدعاية أن الإسرائيليين يدعمون الأكراد في مقابل عداء تاريخي “مفترض” بين العرب والأكراد.

كل تلك العوامل ساهمت في تعميم الصورة السلبية اتجاه الأكراد “سوريّاً”، و التعامل معهم أيضاً كسلة واحدة، دون تمييز بين مستقلين وأحزاب، أو بين الميليشيات الكردية التابعة لـ pyd وبین جماعة المجلس الوطني الكردي، على الرغم من أنهما حالياً على طرفي نقيض نتيجة عدم تنفيذ الاتفاقية الموقعة بينهما في أربيل سنة 2013 والتي كانت تقضي بتقاسم النفوذ في المناطق الواقعة ضمن إطار المشروع الكردي في سورية.
يحتاج ابناء الشعب السوري مزيد من فرص إعادة مراجعة الخطاب السياسي، وتعزيز الثقة بين مكونات الشعب السوري، والابتعاد عن أي خطاب كراهية يحمل التعميم على أساس المعتقد أو العرق أو اللغة. مع الحرص على استيعاب الظروف الإقليمية والدولية، وبالتالي العمل المشترك لأنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل سورية، فالصراع الطائفي أو القومي وفق جميع التجارب التاريخية، لم يخرج منه طرف رابح وآخر خاسر، بل الجميع خاسر في هذه المعادلة.

المصادر:
فصلية شؤون فلسطينية، العدد 264، صيف 2016
جريدة عنب بلادي، العدد 286، 13/08/2017
المساواة، نشرة سياسية يصدرها حزب المساواة الديمقراطي الكردي في سورية، العدد 451-452، آذار 2012
وقع ANF NEWS ، بانوراما 2013.. الإدارة الذاتية الديمقراطية والدبلوماسية الكردية.
راجع نشرة برجاف، العدد 31، التاريخ 9/1/2017
روسيا اليوم، 29 فبراير/ شباط 2016
موقع روداوو، 17 مارس / آذار 2016
صحيفة ديلي صباح التركية، 16/05/2017
هافينغتون بوست عربي، 26 كانون الثاني / يناير 2018
الجزيرة.نت. السبت 24 آذار (مارس) 2018.
0 تعليق5037 قراءةكلمات مفتاحية : الثورة السورية الأكراد النظام سلمية المظاهرات

عن معهد العالم للدراسات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    بالمقابل فان المعارضة السورية – غير الكردية – كانت اكثر انتهازية وخطابها اكثر تفككا وهلامية فهي لم تعرف نفسها باعتبارها عربية ولا اسلامية ولا علمانية ولكنها يفهم منها انها عربية عندما تنتقد الاكراد وانها اسلامية عندما تتنصل من العلمانيين وهي شبه علمانية عندما تتهم – مؤخرا – الاسلاميين خطاب كهذا لا يمكن ان يكون خطاب معارضة حقيقية وبالتالي لا يمكن ات يكون ممثلا لثورة

أضف تعليق

Share This