ضمّة

تُرْهَق. تبتر جنون السّير ولعابها يتقاطر خوفا على حواشي لسانها الورديّ. تبحث في الفراغ الأسود الموشّى في عينيها ببياض اللاّمعنى عن لا شيء بعينه. ترتعب. ترتاب بنفسها والعالم. تشكّ في كونها ما تزال امرأة كما كانت، ولا تصدّق أنّها صارت ككلّ الكلاب مصابة بعمى الألوان..

لكن، فيمَ تفكّر الكلاب عادة يا سوزي؟ ماذا يشغلها أوّلا: الغذاء أم الأمن؟

يحفّها السّواد من كلّ حدب. السّماء والأرض والتّرف والشّظف وبريق الأعين وقرمز الشّفاه وضحكات الأطفال على أجنحة الفراش المزركشة.. المتشرّدون كلابا وقططا وبشرا ينوسون على جادّة الانتظار البعيدة عن موعد الإفطار بساعتين وعشر دقائق.. الخبز الشّهيّ في سلال الصّائمين المهرولين نحو الدّيار.. الكلّ فقد انفعالاته اللّونيّة. كما في سينما اللاّوعي يجري البثّ أمامها بالأبيض والأسود، وكما في “بلاد العمالقة” تبدو الأشياء كبيرة، مرتفعة، شاهقة، والبشر جميعا ضخاما مرَدة، غيلانا وسعالي صاروا بنظرها، والعيال وحوشا ناشئة تتمرّن منتشية على الفتك بفقء أعين القطط وتراكل جراء الكلاب ونتف ريش الدّواجن..

سيقان طويلة، أياد طائلة، وجوه مفغورة الأشداق تنفجر منها، من بطون المدينة، من شقوق الظّلمة الخامدة، من تحت رخام السّكينة الخادعة، من بين أصابع الأمن المنقبضة، الأصواتُ مرتفعة متداخلة، تقرع جدران السّمع كأجراس تعابثها الرّيح، فيطنّ نحاسها في علبة الرّأس موجعا لا يحتمل.. نباح يمتدّ من أقصى الأجشّ البغيض حتّى المائع المتذلّل.. أقدام خفيفة تركض على الأسطح، خطو ثقيل يهُضّ الهجوع.. صرير أسفل ما لا تدري، أنياب تكرّ، نواجذ تكزّ، تكتكة أجسام معدنيّة تُشحن بالجوار، مُدى ومواس تتحاكّ، أوصال تُخلع حيّة على مبعدة، أبواب تُخلّع عنوة على مقربة، ضحك خليع ينجّد الأمكنة، أَوْه مجاريح أو قتلى في النّزع الأخير ربّما، اِستغاثة امرأة تُسحل وصراخ يأتي على جناح الذلّ كما لو كان لمغتصَب مّا، غمغمات مبهمة مختنقة منفعلة تتعالى وتنخمد، وقع تردّ لكتل كثيفة هي حتما أجسام بشريّة..

أنفها صار بغتة يتمتّع بحاسّة شمّ رهيبة أوسع من حجم رئتيها، وأذناها تلتقطان من الأصوات ما يصمّ وعيها الإنسيّ المستثار بحدّة في أعماقها، وليس لها حتّى النّباح بملء الروّع بين جنبيها..

يرتاع الكائن الهشّ الّذي آلت إليه.. لو فقط ينقطع البثّ المباشر لهذا العالم المجنون عن إدراك المرأة المكوّرة داخلها فلا تسمع ما يغمغم في قلب الكون المعتلّ، ولا تشمّ.. لو مثلا يمنح الإنسان حيوانه الأليف حريّة أن يحبّ كائنا سواه.. أن يبصبص بذيله لحبيب من جنسه.. لو .. ما كانت ربّما لتفرّ..

أين المفرّ..؟

” طبعا، أنا لن أنسخ قراري بالرّجوع إليه. من ينظر إلى الوراء يفقد رأسه”.[1] حذّرني رمبو حين باغتني أحزم قوائم الهرب. بيد أنّي لا أعرف أيضا إلى أيّ صوب غير الوراء أتّجه، وفي الوراء داران: قفص فخم في قصر رحيم والضمّة قوت رغيد ودُثر قشيبة، أو ليل جهم بإحدى الخِرب يضغط على جنبي الطاوي فيكسر أضلع الصّبر بين ذراعيه..”

تتشقّق ذاتها عند مفترق القلق.  بمن تستجير؟ أين تختبئ؟

لا مجيب. رمضان يفرك عشره الأواخر، وباب العرش على وشك الانفتاح في استقبال الأدعية. أحد من البشر هي وواحد من فصيلة الحيوان في الآن نفسه ولا انتماء رسميّ إلى مجتمع بعينه منهم، ولا تخلّق من اتّحادهما فيها جنس في مهارات المرأة القطّة[2]  حتّى..

نأى بيت الأنا فيها بعيدا. روحها تترنّح الآن في الفراغ الرّهيب ما بين نجدين: كيان عاقل كانت عليه، ووجود غير عاقل آلت إليه. لم يعد لحلمها غرفة خاصّة يورّق فيها أسراره كما لا أثر لتيتو هنا..

– أخلف وعده الكلب.

– لا تأملي فيه خيرا يذكر يا سوزي. تيتو كلب بن كلب، وليس مثلك، بلا أصل.

– اِخرسي. قطع الله حبلك.

تنهر سوزي بومةَ الشّؤم القابعة بجوفها فتتكوّم حيث هي.

تعطش. تصبر سعديّة الّتي بداخلها صياما، وتلوب سوزي من ظمإ. لكن، لا ماء بالجوار، ولا مهارة لها في لعق البرك لو وُجدت. تدسّ لسانها إلى فمها فيعود يتدلّى. تستخْفي بسواد لونها فتحشر جسمها الصّغير إلى زاوية ظلّ من جدار متروك للعطن. تشمّ فظائع شتّى حدثت هنا وأخرى مشحونة على مراكب الأثير. يروّعها فأر مرّ سريعا حيث لا تدري.

– لن تنجيْ. ستقعين عمّا سويعة أخرى بين فكيّ سائب ّما من البشر أو الكلاب.. ولن يلبث رمبو أن يعثر عليك فيعيدك إلى قفص مالكك الذّهبيّ.. تهرس بومة الشّؤم الكلمات بين منقارها، فترتعب سوزي:

– أنت على حقّ في هذا. هذا العجوز رمبو، منذ أن تكلْبن شرس وتوحّش.

غير أنّها لن تحقد عليه لو جرّها قسوة إلى صاحبه. إنّه كلب.

– وأنت؟ لمَ لمْ تَفي لرحيم وفاء الكلاب لأسيادها..؟

يخزها الجوع. يتمدّد الظّل إلى سواد غائم فتطمئنّ إلى مخبئها أكثر. تشكّ إبر المطر الآخذ في الهطول جسمها الرّقيق. يتبلّل عليها معطف الشّعر السّدِل فتتقفقف بردا ولا تعرف كيف ترتوي. لم تتمرّن قبلا على لعق الماء من غير إناء الكريستال خاصّتها.. تذكِّرها سعديّة التي كانتها بالدنّ المسودّ مركونا إلى جدار الخربة مسكنِها القديم، ووعاء الشّرب البلاستيكيّ الوسخ.. “أَوْ” تصدر عنها بدل “إعْ”[3].. وتستدرك خوفها متلفّتة. تحنّ إلى حِجْر صاحبها الحنون، إلى أصابعه تدغدغ عنقها الكثيف وتمسّد كفُّه الأخرى في حنوّ عات على جسمها الصّغير.. جفنة طعامها الفضيّة تجعل أكلها أشهى ممّا قد يدخل بطن امرأة مثلها..

– لكنّك لست امرأة الآن يا سوزي، لم تعودي سعديّة الكحلوشة التي كنتِها. أنت كلبة.

تصرف الذّهن عن ثرثرة الإنسيّة الشّامتة بداخلها. ذيلها حليق على نحو أنيق، أُرْبة جوريّة توشّي مقدّمة رأسها، ثوب حريريّ أحمر وخفيف يلفّ قوامها الممشوق، وبالجيد طوق أبيض جلديّ رفيع مرصّع بحبات ماس..

– أنت ثروة مهدورة على الطّريق العام سوزي.. ما كان يجدر بك أن تهجري عالمك الجديد بعد سنة من الرّفاه والنّعيم. أنت كلبة للزّينة والدّلال، كائن لسدّ فراغ عاطفيّ لشخص لا يحبّ أن يبذّر مشاعره وماله على إنسان ما.

ألِأجل “تيتو” تفرّين..؟

–  أووه ! ذلك الوسيم القويّ، شبيه “راكس” نجم السينما العالميّ، وأشهر كلب بوليسيّ تحلّلت على أنفه أعتى الجرائم البشريّة.. لكم أعشقه.. ! أَوْ.. أَوْ..

تُيَمّم رأسها المنمنم جهة الخيال.. وسائل الإعلام في المعمورة وكافّة الصّحف الكونيّة تتناقل الخبر:

” تيتو المكنّى بـ “راكس التّونسي” يتحدّى رجل الأعمال الشهير رحيم ذهبي، ويعقد قرانه على كلبته السّوداء الفاتنة سوزي في حفل أسطوريّ يحضره كبار النجوم العالميّين ومشاهير الأبطال من الكلاب..

– لكنّه كلب بالنهاية؟ هل رأيت عاقلة تهجر الجنّة من أجل كلب..؟

يكفكف المطر دمعه ويذرها على عطش. تنضو البلل عن جسمها، وتنكفئ على ذيلها. تُغمض مستجيرة بالذّكريات..

في قصر السيّد رحيم تستمرئ لسانا رطِبا يلعق شطر وجهها وجانبا من الرّقبة، وقدمين صغيرتين تمسّدان جسمها المتعب. منذ أن جُلبت إلى هنا ورمبو لا يكاد يبرح غرفتها الخشبيّة الفاخرة.. “هبْ.. هبْ” يصرخ بها كلّما لفّها الغيم بعيدا عنه، فتعود من جرف الإغماء تزاول الصّحو في وهن شديد..

يسري بها الحلم إلى أيّ سماء شاء، يضغث، يعقل، يرفس روحها الآدميّة تحت حوافره الوحشيّة، يُربي نسبة المسكنة في طبعها المتحوّل.. سيّان.. تُسلّم له مصدّقة بكلّ ارتساماته السّحريّة تجتثّها عن واقعها المزري إلى حيث الآلاء تُجزى لها من ربّ أقامت ليلة القدر كاملة في دعائه.. اِغتسلت بفضلة ماء تخلّفت بالدنّ، صلّت كما يوما لم تصلّ، واسترسلت تذرف أمانيها همولا علّ منية طائشة تصادف ساعة استجابة..

ملاك ولا شكّ الذي ضرب بعصا من نور بحر الظّلام فانشقّ دربا تتعالى مؤتلقة، ثمّ كان باب أقصى الدّرب مشرعا على ماورائيّ باهر وسنيّ..

تسلّقت سور عدن الشّاهق على أربع.. !؟ اعتلت صهوة براق مرسل.. !؟ رُفعت على أكفّ الملَك إلى العلا.. !؟ ليس تدري..

“سعديّة الكحلوشة[4] مُدّي رجلك اليمنى واجتازي بإذن ربّك باب العرش”  نودي عليها من خلف حجاب فلبّت.. ثمّ.. محا النّسيان الخبيث تفاصيل المعراج من سبورة الذّاكرة. لم يبق غير زعيق آلة يعوي مضيضا في التّجويف السّمعي، وينتشر وجعا في أنحاء متفرّقة من الجسم.. ترجّح أنّها تعرّضت إلى حادث مرور على الطّريق السيّارة ما بين الأرض والسّماء في العلوّ أو في الغدوّ. عدد المعرّجين إلى الأعلى كان كثيرا ليلة القدر الماضية، والدّعوات مزدحمة محتدمة على عتبة العرش.. غير أنّ السيّد رحيم ما برح يردّد أن ابن الكلب دهسها بسيّارته لولا أنّ أعوان حماية الكلاب حضروا في الإبّان..

“أَوْ؟ من ابن الكلب ذاك؟ “، تسأل، بيد أنّه لا يفقه في الهبْهبْة حتّى يُجيب.

غِبّ الحادث، أخذت سوزي تشمشم شرهة واجفة. لا شيء في صحوها ممّا كانت ترى وهي مغمضة، وهذا ليس حتى مجمع القوارير المستعملة مقرّ عملها، ولا هو الخربة الّتي تسكن ولا حتّى الأزقّة الّتي اعتادت ارتيادها جمعا للقوارير الفارغة.. لا جنّة ولا عرش يا “مغبونة” هذا مركز لتجميع الكلاب المتشرّدة.. لكنْ.. أنا لست كلبة.. سائبة مثلهم نعم. مِلك يمين لليمين ومتعة ساعة لليسار ونقطة مركزيّة في البرنامج الانتخابيّ لكليهما، صحيح. أعيش عيشة الكلاب أيضا صحيح.. ولكنّي كائن بشريّ يسمّى سعديّة.. ماذا أفعل هنا.. في.. ماذا..؟ تمعن قليلا في اللافتة المعلّقة مدخل القاعة الفسيحة:

مرحبا بكم في جمعيّة “الكلب السّعيد”

 

تتخلخل.. تعالج قفل الخدر المحكم على باب الحركة فلا تقدر حتّى أن تومئ بأنملة فأنّى تكسره.. جسمها همِد، تزفر في أنحائه الحمّى فيتضوّر القلب ولا تملك صاحبته أن تمدّ له يدها تظلّله. تصرخ.. يضرب صوتها على سقف الصّمت الحجريّ هائجا عنيفا فلا يتصدّع، ولا ينسرب منه صدى. الحلق الممتدّ كنفق تملؤه الأدران غدا سجن الصّوت وسجّانه في آن، يترك سُعار الثّورة الدّاخليّة تتقّد قدر ما شاءت حتّى إذا ما أوشكت اللّهاة تحترق سمح لـ “هبهبة” رخوة مائعة أن تنفر من بين شفتيها ما بين مواء ذليل وعواء شائه: “أَوْ.. أَوْ..” فيهلّل مَن حولَها فرحا بنباحها الموسيقيّ..

– اِهدئي يا صغيرتي.. اِهدئي وأغمضي من جديد. السيّد رحيم افتتن بسواد لونك السّاحر فقرّر تبنّيك من الجمعيّة. أنت الآن في قصره آمنة مدلّلة. كوني سعيدة واصمتي..

يهدهدها رمبو مسترجعا إيّاها من فوضاها الباطنة.

– كلبة.. !؟ صرتُ كلبة.. !؟

– وماذا كنت من قبل؟ أميرة..؟ مهما توشّحت الأمنيات بالمستحيل فلن تُحلّقي أبعد من البحر الّذي اعتاد خيالك السّباحة فيه.

يلعق رمبو وجهها ملاطفا، محرّكا ذنبه القصير بانفعال. يوشوش حذر أن يتنصّت عليه أحد الخدم..

– لقد استجاب الله لدعائك ليلة القدر. مرحبا بك رفيقة جديدة تؤنس إنسانيّتي المتوحّدة في هذا القصر.. أُششششت.. الجنّة لا تحبّ الأسئلة. الفضول أطرد أبويْنا قبلا منها فلا تكرّري الخطيئة ذاتها ثانية. أطيعي ولا تفكّري تنعمي بكلّ رغيد. يا جروتي المدلّلة. فغضّي وعيك الجديد عن كلّ نداءات الماء والنّار القديمة فيك. في زمن مضى قايضت عروس البحر صوتها بالحلول في جسد بشريّ. تخلّت عن ذيلها لأجل الحبّ ثمّ ماتت لمّا لم تحتمل الصّمت. زمنئذ كان يمكن للحبّ أيضا أن ينقذ المسخ من لعنة السّحرة أو الآلهة معيدا إياه إلى بشريّته الأولى. اِختلف الأمر اليوم يا ابنتي. لم يعد المسخ إلى حيوان العقاب الأقسى للبشريّ، ولا عاد الإنسانُ الحلمَ الأقصى للحيوان. أراهن أنّ كثيرا من الضّفادع الّتي نرى أمراء فرّوا طوعا من قصور كالسّجون إلى حريّة البِرك والضّفاف النّائية، وأنّ أميرات بلا عدد يحلمن بوحش يسكنّ إليه أسوة بالحسناء جدّتهنّ.. نامي يا صغيرة، غدا يأخذك سيّدك في نزهة، وتشهدين بنفسك فرق العيش بين كلاب وكلاب..

تصمت. يتفتّح وجه السيّد رحيم في حلك الغيم زهرة ليليّة. تدخل أمانيها مختبر الأحلام فتحمّض الصّورَ الجميلة وتعلّقها على شريط الوهم بمشابك الكلمات النّاعمة. يضمّها. يُرسَل الرّوْح والرّيحان والأنهار وسدائل السّندس والحرير في الضمّة الواحدة.. يستلبها الإحساس بالأمان والاصطفاء والحظوة الباذخة في الضمّة الواحدة..

“إممم ما أحلاك.. !”

تنقر شفتاه أنفها المزروع بوجهها المشعّر كحبّة كرز ينعت للتوّ. يؤزّها أزّا وهج الحمّى وينفضها إلى حجره كتلة لحميّة حرّى عرِقة وأنثى إنسيّة بأحشائها تتوقّد غير مصدّقة..

تلهج: أدْنني منك أكثر رحيم، أدْنني فأخلق من أمشاج الرّصيف أجمل.. أضئني فأنت الفانوس الوحيد على ناصية الشّارع الوحيد المؤدّي إلى أنفاقي الدّاخليّة المطفأة.. تصدّق عليّ، نظرة واحدة لن تُنقص من ثروتك الطّائلة ملّيما واحدا. أنت كفيل القلب اليتيم فأطعمه، آوِه من خوف وكلاب متسوّلة.. أفِض عليّ من الرّحمة في اسمك والنّعم في عيشك، ولا تذرني على إملاق، رحيم.. !

يضحك وِسْع سنّه العاجيّ. تذهل أكثر تيها في انعطافات ضحكته الفضيّة. يهفّ فرو لمساته على خدّيها، وعذب الكلام مسكّنات تتحلّل ببطء لذيذ في أحنائها:

“يا خبيثة أنت أيضا تحبّين القبل..؟”

أَوْأوْأَوْأَوْ..” جنون “الأوأوة ” لم يكن المرّة دهشة امرأة مهمّشة حدّ قاعها الإنسانيّ سكنت هيأة كلبة فرفعها سوادها المكروه إلى علّيّين.. كان نُشورا للدّعوات على عتبة ليلة القدر هذه.. من كلّ صُقْع رطِب، شظِف، وصوْب سُفليّ مظلِم بُعثت الأصوات الخاشعة إلى محيط مخبئها المهجور فيما كانت تغطّ في حلم غرائبيّ لكلبة متأنسنة اللاّوعي، كلبيّة الهويّة الجسميّة.

تهجّد اللّيل، واقترب الله من السّماء الدنيا، وتزاحمت الصّلوات على مداخل عرشه.. شعب غمْر من البشر يسألون ربّهم أن يتكلبنوا. ونزر قليل ممن اختبر التّجربة قبلا يرجو أن يعود سيرته السّالفة.

– هي ذي فرصتك المثلى يا أنتِ الحيرى بين أُنثيَيْن.. تعودين سعديّة الكحلوشة أو تبقيْن أبدا سوزي الفاتنة..؟

تشمشم.. تقف على ريح رمبو ينتبذ من الحشر ربوة قريبة.. تبصبص له فيدنو. تكنّ عند جانبه مرتجفة..

– أنا خائفة، حائرة، قلقة. هل تحنّ إلى إنسانك الأوّل يا رمبو؟

يُهَبْهِبُ في وهن. يقعي، فتقعي إليه.

– قد هرمت وبلغت سنّ القردة فما ينفعني اليوم العوْد من عدمه؟ أما أنت فلم تدخلي بعد عمر الكلب[5] ما تزالين شابّة. عجّلي يا ابنتي بالقرار. الفجر يدنو. ومصاريع باب العرش أخذت في الانغلاق. عاقلة تكونين أو غير عاقلة، تلك هي الآن المسألة..

– إذا متّ كلبا لن يأتي ملاك ليحمل روحك إلى السّماء يا رمبو، ولن يفكّر أحد في دفنك. ستظلّ ملقى على الرّصيف حتّى تترمّم، وروحك المتشرّدة إلى جانبك تتسوّل جسما آخر يحميها من البؤس والقرف.

– كان إنساني يُعامل بسوء ككلب قميء، صار حيواني يعامل بلطف ككلب مدلّل. فما همّني من جثّتي من بعدي في الحالين. ثمّ ليس للكلاب آخرة بعد دنياهم، وهم لا يخوضون حروبا أهليّة من أجل الفصل في أمر الرّوح ومنزلها الآخر جحيما كان أو جنّة. بضع حسنات وشيء من الأمن مع بعض التّقدير تجعل الكلب فينا كائنا مفرطا في إنسانيّته.

– سئمت الذِّلّة في الدّارين يا رمبو. لم أعثر في تلك ولا في هذه على أناي المثاليّ. ما أنا بين النّاس؟ من أنا بين الكلاب؟

أُّولاي حياةٌ كلبةٌ: فقر ومسكنة وعيش مُزر أحقر في وعيي من عيش كلبة سائبة هرمة، وسوادي لعنة أخرى يشيّئني أكثر..

أخراي حياةُ كلبةٍ: رفاه أنثى محمولة على أكفّ الدّلال ورُخاء التّرف، والطّاعة العمياء خير لا نهائيّ تصيّرني أجمل، أرقّ، أحبّ..

اللّيلة توشك تقضي والسّماء على أهبة النّأي من جديد. ماذا أفعل؟

رفع رمبو قدمه يحطّها على جسم الصّغيرة اللاّئذة به. مسّد على رأسها في حنوّ ثمّ طوّقها بقائمة واحدة ساحبا جسمها الضّامر إلى جنبه المشعّر.

– قبل سنتين، حضرت محاكمة كلب صديق. كان متمرّدا بشرا، وغيرَ مطيع كلبا. وهو يُعدم جلدا بسوط سيّده كان يغازل حبيبته على شفة الرّمق الأخير في نباح دامٍ لم يفهمه إلاّ من تكلبن مثلنا:

” حينما تضحكين/ يصمت المؤذّن/ تؤجّل الصّلاة/ حينما تضحكين/ أحبّها.. ابنة الكلب الحياة”[6].

***************

[1] – إشارة إلى أسطورة أوروفيوس الذي أدّى التفاته إلى الوراء قبل الخروج النهائيّ من عالم الأموات السفليّ إلى فقد  أوريديس نهائيّا، وكان أوروفيوس قد أثار غيرة النساء بسبب وفائه لحبيبته بعد فقدها مما أدّى بهنّ إلى تقطيعه ورمي رأسه في النّهر. باسكال  كينيار  “الجنس والفزع”، ترجمة روز مخلوف  ص 168.

[2]– “المرأة القطّة” إحدى الشخصيات الرّئيسيّة في فيلم “عودة باطمان” من آداء الممثلة “ميشيل فايفر”.

[3] – “إِعْ” عبارة في العاميّة التونسيّة تفيد التقزّز من شيء كريه أو وسخ.

[4] – كحلوشة: كلمة في العامية التونسية تعني سوداء اللون وهي مشتقة من الكحل، ولا تُستعمل غالبا إلاّ مشحونة بنزعة تحقيريّة لذوي البشرة القاتمة خاصة من الفقراء والمهمشين.

[5] – في الموروث الشعبي التونسي ينقسم عمر الإنسان إلى أربع مراحل: يكون في الـ 30 سنة الأولى في عمر الإنسان شبابا وحيوية ومرحا، وفي الـ 15 سنة الموالية يصبح شبيه الكلب في “نباحه” وصياحه ونزقه المستمر، ( يُقال دخل عمر الكلب) وفي الـ 15 سنة الموالية يدخل عمر الحمار بما يتكدّس على كاهله من أعباء ومشاغل الحياة اليومية أما الـ 15 سنة الأخيرة فهي عمر القرد العجوز الذي يهرم ويميل إلى القعود والرّكود، (متقاعد = مُتْ قاعدْ )  ويكون بالتالي معدّل عمر الإنسان 75 سنة.

[6] –  أبيات شعريّة للروائي والشاعر التونسي عبد الجبار العش. وتجدر الإشارة إلى أنّ عبد الجبّار الغشّ قد أصدر رواية تحت عنوان “محاكمة كلب” عن دار الجنوب ضمن سلسلة عيون المعاصرة ” خلال سنة 2008.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق