حس الدعابة عند النسويات / يوكه سميت

يوكه سميت (1933-1981) كاتبة نسوية هولندية. شكلت مقالتها نزق المرأة الطلقة الأولى التي أعلنت بدء الموجة النسوية الثانية التي عمت هولندا في ستينات وسبعينات القرن العشرين. أنشأت يوكه سميت جمعية أسمتها مجتمع الرجل والمرأة عملت من خلالها على تغيير القوانين الظالمة للمرأة. استمرت بالدفاع عن قضية المرأة بالكتابة السياسة حتى وفاتها المبكرة. سبق أن نشرنا لها أربع مقالات: نزق المرأة، وأين النساء العبقريات، والرجل والمرأة والتوازي، والحدود السياسية للقلب الطيب، وننشر لها اليوم مقالة: حس الدعابة عند النسويات (1973) التي صدرت في مجلة أفسحوا الطريق.

*****

في الماضي، ومع بدايات الموجة التحررية الثانية، كان الناس الطيبون يرتبكون من الأفكار النِسوية ولا يصدقونها. وإن لم يشرعوا بشرح أن كل شيء على ما يرام (فالأمومة مهمة عظيمة، والإمكانيات مفتوحة لكل امرأة طموحة)، سوف يصمتون: أفكاركِ لا تناسب عقولهم النيّرة، ولا يوجد تواؤم بينكم.

لا بد أن هؤلاء الطيبين قد قرأوا شيئًا منذ ذلك الحين، وباتوا يتفقون معكِ أنه من الأفضل لو عمِل كلّ من الأب والأم دوامًا جزئيًا. كما استنتجوا أننا بحاجة لكتابة نوعٍ مختلفٍ من كتب الأطفال. غير أن هذا لا يعني أنهم باتوا يدركون فعلًا عمّا تتكلمين. يقولون: «أنتِ محقة، غير أنكنّ جديّات حتى الموت، ما أشبهكنّ بالجماعات الكنسية، ألا ينقصكنَّ بعض الفكاهة؟».

من المفيد أن نفحص هذا السؤال عن كثب. هل نحتاج حقًا إلى الفكاهة؟ ألا يوجد ما يكفي منها حول النساء و/أو النِسويات؟ إذا نظرنا حولنا، لن نلحظ أي نقص. ها هو المسرح الهولندي يعجّ بالنكات حول النساء. وعندما يشتغل كلاوس في مسرحيته الأخيرة على ثيمة «كل امرأة قحبة»، لا تشبع الصالة من الضحك. كذلك يحصل هوفينغ على تقييم إيجابي من ناقدٍ لبرنامجه الذي بث أغنية عن التلميذة الشاطرة، والمحامية الفذة، التي لم يعشقها أي رجل، غير أنها صارت تقرر في الوزارة مَن هم الوالدان اللذان (لا) يحق لهما تبني الأطفال.

ميزة هذا النوع من الفكاهة هي أنه، أولًا، يتم تسويقها من قبل الرجال، وثانيًا أنها لم تتغير منذ ألفي عام: ما زالت نكات الرومانيين القدماء عن النساء تحقق نجاحًا باهرًا. كم نحن مخطئون حين نظن أن صياغة هذه الفكاهة بحاجة إلى روح إبداعية، فكل ما يحتاجه كاتب النص هو القدرة على اللعب بالتنميطات الموجودة منذ قرون. التراث الثقافي جاهز والاستعداد للضحك عليها محفور في النفوس. كما أن التواصل بين الممثلين والجمهور ممتاز، لأن كل شيء تكرار لما سمعوه قبلًا.

لا تنقصنا إذن الفكاهة حول النساء، وحتى النكات حول النِسويات بدأت بالرواج. ولكن مصطلح الفكاهة ليس في محله هنا، فالكلمة الصحيحة هي السخرية. والسخرية أسلوب من أساليب الحرب النفسية. تذكروا مثلًا الشتائم التي كان يطلقها الأبطال الهوميروسيين قبل البدء بالقتال. السخرية تعبير إبداعي عن العدوانية.

ماذا علّنا فاعلات بهذه العدوانية؟ هل نرد عليهم كما يفعل أبطال هوميروس؟ هل يوجد مرح نسائي حول الرجال شبيه بمرح الرجال حول النساء؟ لا، لا يوجد. لم تكتب النساء أغنيات كوميدية عن نواقص الرجال، بل تنقصنا حتى التعبيرات العدوانية المباشرة تجاههم. لا نصبح سامات إلا في الشجارات الزوجية، ولكنها غالبًا ما تنتهي بنوبة بكاء. هل هذا يعني أننا نادرًا ما نشعر بالعدوانية؟ أعتقد أن جوهر المشكلة هو أن عدوانيتنا مكبوحة، ولا يحق لها أن تخرج إلى العالم. وإن حصل مرّة وخرجت، فسيكون ذلك بالصوت المتجهش جراء الغضب العاجز.

الصبيان لا يبكون، والبنات لا يطلقن الكفريات، هكذا تربينا. زارتني مرّة صحفية بلجيكية في بيتي، فاستغربت أن ابنتي التي لا تتجاوز الثمانية أعوام تكفر بالرب. فقالت لي: في بلجيكا تحمّر خدود الأمهات خجلًا إن استخدمت طفلاتهن هذه اللغة.

أنا لم تحمرّ خدودي، ولكن هذا لا يعني أني حللت المشكلة. فما زال التجاهل هو ردة فعلي الأولى على نداءات الإغراء التي تواجهني كثيرًا في طريقي إلى عملي في مركز المدينة. وهذا ليس لأني أعتبرها إطراءً، فهي تنطوي في غالب الأحيان على نوع من العدوانية. الشخص الذي يتعرض لكِ في الشارع ليس معجبًا، ولكنه يلعب لعبة. حاولي أن تنظري إلى وجهه: يضحك منتشيًا إذا ارتعبتِ، أما إذا رددت عليه، فسوف يصبح ثقيل الدم ويلقي نحوكِ بسيل من الكلمات السافلة في أحسن الأحوال.

خطأ أن نعتقد أن هذه اللعبة نابعة من «طبيعة» الرجال، فهم يتعلمونها أثناء عملية التأهيل الاجتماعي.

كنت مرة في السيرك حين انطلقت النداءات المألوفة والتصفير على مقربة مني، والسبب هو دخول عدة نساء جميلات يلبسن المايوه. نظرت إلى جانبي ولاحظت أمرين: أولًا أن الشغب كان صادرًا عن صبيان لم يتجاوزوا سن الحادية عشرة، وثانيًا أنهم كانوا متوترين، فهم ما زالوا في مرحلة التدرب.

تخرج اللغة السافلة من الرجال بشكل انسيابي، فعدوانيتهم اللغوية لا تتطلب أدنى الإبداع، كما هو الحال أيضًا بالنسبة للنكات العنصرية حيال النساء. تحتوي اللغة الهولندية – مثلها مثل غيرها من اللغات – على تشكيلة من الكلمات المهينة للمرأة. وقد سبقتنا النِسويات الفرنسيات بوضع لائحة طويلة عريضة بتلك المصطلحات، ومن يتابع أعمال يان كريمر العبقرية، لا بد من أنه سوف يحصل على ذخيرة معقولة باللغة الهولندية.

hs_ldb_nd_lnswyt-web.jpg

الأمر يختلف بالنسبة للنساء، فنكاتنا الموجهة للرجال نادرة جدًا، وكذلك المصطلحات النموذجية المهينة لهم. يمكننا استخدام الشتائم التي يقولها الرجال لبعضهم: عرصة، حقير، واطي.. ولكن المشكلة أنها تمنح الرجل قوة الشر، وهذا ما يعجب المزعجين في الشوارع. أحاول الرد بكلمات من قبيل مخطة أو دودة أو خرية أو خنزير أو سد بوزك يا فجلة متسكعة. ولكن التشكيلة ما زالت هزيلة، وأتمنى أن تفكر مجلة افسحوا الطريق بصياغة لائحة طويلة، وأن تدعو لمناقشة إيجابيات وسلبيات كل مصطلح على حدة.

باختصار، أعتقد أننا أمام عنصرين متضافرين: (أ) يتم تشجيع اللغة المشحونة عند الصبيان (حتى ولو لم يكن ذلك من قبل المربين)، بينما يتم تحريمها على البنات، (ب) الكنز اللغوي يمد يد العون لجماعة دون أخرى1.
1. هذا التحليل يبسط الواقع، إذ أن ثمة بيئات تسمح للفتيات باستخدام مصطلحات القوة إلى حد ما، كما أن ثمة بيئات تمنع على الصبيان إطلاق اللعنات.

ولكن لماذا تحمرّ خدود الأم البلجيكية؟ لأنها انكشفت كمربية، ولم تتمكن من تشذيب سلوك ابنتها غير المؤدب، فراحت الصغيرة تستخدم مصطلحات محجوزة للرجال. على الفتاة أن تصبح سيدة مع الوقت، وهذا لا يتطلب منها الأدب فحسب. فشرط الأدب ينطوي على أنها ستصبح كائنة غير عنيفة، وغير قادرة أن تتبنى سلوكًا قويًا.

تختلف أجساد الرجال والنساء من ناحية الوزن، غير أنه يتم تضخيم هذه الفروق من الناحية النفسية: على الرجل أن يكون من الوزن الثقيل وتحتفظ المرأة بوزن الريشة. وحين لا يتبع الرجال والنساء هذا التقسيم، سيعاقبون أشد عقاب. في حال لم ينجح الرجل بالضغط بكامل ثقله، «ينزّل من قيمته إلى مستوى النساء»، وسيقال عنه مَرَة أو حُرمة. أما حين تضغط السيدة بكامل ثقلها على الحياة، لأنها امرأة تقاوم وتفتح كل سجلات العنف عند اللزوم، سيقال أنها وقحة أو مشكلجية أو حسن صبي، أي أن الثقافة تعتبرها باختصار: مسترجلة.

المرأة المسترجلة أو الرجل الحُرمة لا يرضخان للأدوار المرتبطة بجنسيهما، وسوف يعاقبان بفقدان جاذبيتهما الجنسية. ولقد عبّر الكاتب الهولندي كارميخلت عن ذلك بكامل البراءة والوضوح حين كتب في إحدى مداخلاته أنه وجد في الشارع صورة لفتاة قد تُعتبر ملامحها متناسقة، ولكنها ليست جميلة، لا بل مخيفة. كانت تنقصها مسحة العجز.

أعتقد أننا وصلنا الآن إلى جوهر القضية: الرجال ينجذبون للعجز في النساء. بعضهم يحتاج إلى جرعة كبيرة منه، بينما يكتفي آخرون بـ «مِسحة». وثمة من يبدل المذاق مع مرور العمر. يبحثون عن الهشاشة قبل أن يشتد عودهم، وحينما يصبحون أشداء يجربون أسنانهم على شيء أقسى. ولكن هناك من يفعل العكس: حين تتخلص زوجتهم الأولى من عجزها، ينتقلون إلى نسخة يافعة لم تفقد ارتعابها البناتي بعد.

وأؤكد للذين في آذانهم وقر على أني لا أتهم الرجل الوسطي بنوايا شيطانية، ولا جماعة الرجال بميول مؤمراتية. كل ما أريد قوله هو أن الثقافة تفرض معايير مختلفة على الرجال والنساء، وأن عملية التأهيل الاجتماعي تهدف إلى إنتاج أفراد تتوفر فيهم شروط معينة: يجب أن يكون حضور الرجل كبيرًا، والمرأة صغيرًا.

لا بد أن الرجال الذين يفشلون ببناء أنا متينة يواجهون مشاكل كبيرة، أما نحن فنقع في فخ لا فكاك منه. فحين نرضخ لمعايير وزن الريشة، نصبح غير خطيرات، ولا حاجة أن نؤخذ على محمل الجد، أما حين نرفض هذا الدور، يتم نبذنا، لأننا لم نعد نساء.

حين نرضخ، نحكم على أنفسنا بالتفاهة. وهذه التفاهة هي جوهر جميع النكات حول النساء التي تصورنا كغبيات ومحدودات وطُفيليات وهامشيات وصاحبات نصف عقل وإلى آخره. وهكذا نبقى عالقات بين الشر ونظيره، ونخاف أن يشيع أننا فقدنا أنوثتنا، فنتخلى عن استحقاقاتنا. وفيما يتحدث الرجال عن أعمالهم، نستخدم صيغ التصغير في وصف عملنا الإضافي. وحين يبخس الرجال من قيمتنا، لا نوقظهم من أحلامهم، فمن أعظم الخطايا أن تدعي المرأة الوزن الثقيل. ولكن في الوقت نفسه نرتعد من أن نظهر سخيفات. لذلك قلما نبدي أراءنا، وفي حال اضطررنا، فلا نرفع صوتنا، بل نكتفي غالبًا بالتبسم أثناء الإصغاء.

وقد خصص غوردون آلبورت في دراسته حول الأحكام المسبقة2 فصلًا عن الصفات التي يميل أعضاء الأقليات لتطويرها في ذواتهم. بعض هذه الصفات سلبية، وبعضها إيجابية. ويعتبر السلوك الاجتماعي المريح إحدى تلك الصفات الإيجابية. ولكن آلبورت لم يفحص فيما إذا كان ذلك السلوك مفيدًا للجماعة ككل. كما أننا قلما تساءلنا إن كان سلوكنا يرسّخ وضعًا يستحسن كسره.
2. طبيعة الأحكام المسبقة، نيويورك، أنكور بوكز، 1954

كما كتبت عالمة الاجتماع الأمريكية جيسي برنارد في أحد آخر كتبها أن عالمات الاجتماع هنّ اللواتي سبقنَ بالتنقيب عن الاكتشافات التي استخدمتها النِسويات لاحقًا: لا جديد تحت الشمس، ولم تتغير سوى النبرة، كل ما قدمناه بحذر ولغة محايدة، خرج إلى العالم بكامل الغضب. وهكذا تفجر صوت «الموضوعية» الخافت إلى صوت يجلد ويقاوم. وأضيفُ من عندي أن الأشياء التي تمكنت بعض النساء من فهمها وتقبلها كما لو أنها معطيات بائسة لا مفر منها، تبدّت بفعل النِسويات مختلفة وقابلة للتغيير.

حين تكون الحركة التحررية في مراحلها الأولى، لا بد أن تُعرض الرسالة بطريقة بناءة عبر الحجج الدامغة ولائحة طويلة من الأدلة الفعلية3. وقد أكدت أولى كتب النِسوية المنتعشة حديثًا على البركات التي سوف تحل على البشرية في حال تمّ الانتفاع من مواهب الأنوثة. طبيعي أن تكون كاتبات من قبيل بيتي فريدان وكارولين بيرد وإيفيلين سيلروت غاضبات، غير أنهن قادرات على تغليف الاستياء بتحليل رسمي واستخدام النبرة الأقرب للمزاج الحسن. من يلومهنّ الآن بأثر رجعي، يقدّر الأمور بشكل خاطئ. فقد كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة لحفر الثغرات في النظام البطريركي وإيصال الرسالة، حتى إلى بنات جنسهنّ. في حال لم يغلفن غضبهنّ في جمل مفيدة تطفح بالعقلانية، لاتهمت أفكارهنّ مباشرة بكونها عاطفية. من كان يعي حينها أن هذه التهمة هي سلاح واحد فقط ضمن ذخيرة هائلة من التقنيات القمعية؟
3. الخطوة الأولى إلى الوزن الثقيل هي خطاب متين، أما الخطوة الثانية فتكمن في الغضب النابع عن وعي الذات.

لحسن الحظ أننا تجاوزنا المرحلة الأولى. وقد بدأ شعور جماعي بالتشكل لدينا، وأدركنا أمرين: أن مطالبنا عادلة، وأنها ليست هامشية كما كانوا يحاولون إقناعنا دائمًا، بل أساسية.

ندافع عن النِسوية بعقلنا، والشيء الذي ينبغي تعلمه هو مطابقة مشاعرنا وسلوكنا معه. وحينها لن نأخذ أفكارنا فقط على محمل الجد، بل أنفسنا أيضًا. وهذا ليس أمرًا سهلًا كما يبدو للوهلة الأولى، لأننا سمحنا أثناء عملية تأهيلنا اجتماعيًا بسحب أسلحتنا منا 4، والنتيجة هي سكوتنا. وقد قالت إيفيلين سيلروت يومًا: «تفضل النساء أن يمُتنَ على أن يتعرضن للسخرية». لطالما حاولنا الهروب من السخرية، فحين يطلق الرجال نكتهم الساخرة، نتهبّل أو نلوذ بالآلية الدفاعية «هكذا هم الرجال».
4. أعتقد أن هذا هو سبب تفضيلنا للاعنف. فبما أن ردات فعلنا القتالية باتت ضعيفة، نفضل أن يتخلى عنها الآخرون كذلك. نحوّل الضرورة إلى فضيلة، مبادؤنا هي في حقيقة الأمر أمنية.

وهذا يعلل لماذا نتجنب الأمكنة التي تعيث فيها العنصرية الجنسية، ولماذا نصمت حين يصدف أن نتواجد هناك، ولماذا نطالب بالأشياء التي يطالب بها الجميع حين نفكر يومًا أن نرفع صوتنا – هذا يجنبنا التهكم. وأخيرًا لماذا لا نتكلم عن آلامنا – لأننا بذلك نوفر على أنفسنا تلك الضحكة المتكبرة. غير أن هذا السلوك الهروبي يرسخ مشاعر التفوق عند الرجال. وقد عبّرت نِسوية فرنسية ذات خبرة واسعة في مجال السياسة بالطريقة التالية: «لا أظن أن النساء في وضع يسمح لهن بالقتال في البرلمان. فغالبًا ما يبقينَ في الخلفية، خوفًا من وجه زميلهم الساخر، وبذلك يتقبلن عن لا وعي تلك الصورة التي يتأملها الرجال منهنّ».

بمعنى آخر: نحن لسنا جريئات. ولكن إذا كنا نطمح لتغيير الوضع الراهن، فعلينا أن نتخلص من سلوك التهرب، هذا يعني أن علينا ألا نصطنع الهبل حين تبدأ لعبة الدجاجة والديك، وأن نلعب لعبة الوجه الخالي من التعابير التي كانت شلومايث فايرستون تحلم بها. هذا يعني أيضًا أن علينا أن نكشف الكياسة المزيفة ومحاولات الغزل المتصنعة على حقيقتها، فهي ليست سوى إهانات مغلفة تستحق شد الأذن. كما يجب الاستعجال بشد الأذن ماديًا أو معنويًا، وإلا سيستغبون علينا: ألم يكونوا نبلاء؟ نية العنصريين سيئة، ولا أحلى على قلوبهم من توريطنا بنقاش نلعب فيه دور السخيفة، لأننا غضبنا من أمر «بريء».

ينبغي أن نتعلم المقاومة في حربٍ نفسية. فإذا أردنا أن ندفع النِسوية على المضي قدمًا، فلا يمكن أن نكتفي بصياغة برنامج عمل ونشره. ينبغي تهيئة أنفسنا عقليًا للمعركة، لأن المتسلطين الذكور هم الذين يقررون فيما إذا كنا سنحصل على وظيفة معينة، أو راتب للعناية التي نقدمها، وفيما إذا ستتم قوننة الإجهاض، أو إلغاء مدارس التدبير المنزلي أم لا. وهم الذين يقررون ما هو المهم وغير المهم. ربما كانت الاكتشافات بخصوص المرأة جاهزة قبل مجيء النسوية الجديدة، كما قالت جيسي برنارد، ولكن لم يستثمرها أحد، لأن الرجال متعودون أن يعتبروا النساء ومشاكل النساء قضايا هامشية.

أرى أن علينا التركيز على النساء، ولكن هذا لا يعني أني أعتبر البؤساء الآخرين أقل أهمية. كل ما هنالك أني أشجع على أن نأخذ أنفسنا ومشاكلنا على محمل الجد أخيرًا، ونغير صورتنا عن ذواتنا، ونتحول من وزن الريشة إلى الوزن الثقيل. كذلك لأنه يجب إجبار المتسلطين الذكور على أخذنا ومطالبنا على محمل الجد.

معركتنا ليست بالمحتوى فقط، وإنما هي معركة ذهنية بالدرجة الأولى. وينبغي أن نكون جاهزات، ففي حال أردنا التخلص من وضع الأقليات الذي نحن فيه، ينبغي أن نجد طريقًا إلى المؤسسات المسيطَر عليها من قبل الرجال والتي تعجّ بالعنصرية الجنسية.

يحلو للعنصريين أن يُربِكوا النساء، وقبل أن نستوعب ما يجري نجد أنفسنا نمثل الدور الكوميدي «للمرأة المحتجة». فحين تطالب المرأة بتوسيع إمكانيات التعليم للفتيات العاملات، ويرد رئيس الجلسة بالقول أن «نِسويتنا قالت ما عندها، دعونا نعود إلى العمل إذن»، هذا يعني أن مداخلتها أزيحت من على الطاولة كشيء نافل. وحين يستقبل رئيس وزرائنا مجموعة من النِسويات ناثرًا النكات للصحافيين المتواجدين، فهذا يعني أنه لا يراعي المراسم التي تتطلب من المضيف أن يعبر عن احترامه للمدعوات، وأن المشكلة التي جئن من أجلها تستدعي الاهتمام فعلًا. لا داع للتصنع هذه المرة، لأنهن لسن أكثر من نساء.

من تحاول أن تعبر عن آرائها النِسوية بين مجموعة من العنصريين، لا بد أن تحسب حسابها بأن أحد المهرجين سوف يستلم الكلمة عنها ليقلب الأمر إلى هزل. تقارير مؤتمرات حزب العمال والحزب الاجتماعي الديمقراطي مليئة بالأمثلة 5. لا داع أن تكون النكات مهضومة، ولا ذات صلة بما قالته المتحدثة، لأن المطلوب هو أن تستجيب لها ثقافة التهريج فقط. النِسوية التي عرضت حججها بجدية هي كالنملة المجتهدة التي تجر حمولتها، دون أن تنتبه للرجل الواقف ليعرقل مسيرها بعصاه. ينبغي على هذه النملة أن تتعلم أربعة أشياء: أولًا ألا تركز طوال الوقت على كلامها كي لا تنسى ذلك الرجل صاحب العصا، وثانيًا أن تتعلم أنها ليست السبب حين يزعجها بعصاه، لأنه يعشق الغلاظة، وثالثًا أن بإمكانها الرد عليه بعد أن تهدأ عاصفة القهقهات، ورابعًا أنها غير مضطرة أن تكون نملة.
5. لا أقول أن هذا لا يحصل إلا عندهم، بل بالعكس. ولكننا لا نملك منشورات حديثة إلا بخصوصهم.

حين نتعلم كل ذلك نكون قد تخطينا المرحلة الأولى: نحن قادرات على الدفاع عن أنفسنا، ولا نستسلم عند الضرورة لصورة العجز النمطية. ولكن ما زالت لدينا الصورة النمطية حول خفة الوزن والسلوك الأنثوي. أضرب كمثال تلك السيدتين السوداوتين اللتان رافقتا غلوريا ستاينم في عروضها في هولندا. فقد ملأتا قاعة بالصراخ، وضربتا السلوك الأنثوي بعرض الحائط، والنتيجة كانت أن الرجال تخلوا عن ردات فعلهم الأبوية، لأنهم فشلوا لعب دور الحامي أو المتعالي. كانت ردات فعلهم مفعمة بالقرف.

لا نخرج عن دورنا كنساء إلا حين نضطر فعلًا للهجوم، ونجبر خصمنا على الدفاع. ومن الضروري التمييز من الناحية التكتيكية بين الوضع المغلق والمفتوح. في الوضع المفتوح نحصل على فرصة حقيقية للتأثير على الجمهور، كأن نقنع المتفرجين أننا على حق. نحتاج وقتها لتقنيات الإقناع كي نجبر خصمنا أن يقول ما عنده بطريقة غير عدوانية. هكذا نتمكن من إقناع الناس أن حججنا أفضل من حجج الطرف الآخر.

غير أن الأمر يختلف تمامًا حين تكونين أمام مجموعة عازمة أمرها على أن تبقى مشاركتك صورية. تقول النِسوية الأميركية السوداء فلورينس كنيدي: «حالما جئت إلى هذا العالم، تعلمت أن آخر شيء يتعين على المضطهَد فعله هو أن يكون عقلانيًا. طالما أنتِ عقلانية، فسيحاولون اضطهادكِ أكثر. ولكن حالما يفقدون السيطرة عليكِ، يضطرون للإصغاء إليكِ، لأنك تمنعين النظام من أن يشتغل دون إحداث ضجة».

هذه كلمات امرأة نظمت عدة حملات مقاطعة، وترافعت كمحامية في كثير من قضايا العنصرية. لا يمكن أن يكون قصدها رمي عقلنا في اليم، هي لم تقل ذلك. ما قصدته فلورينس كنيدي هو أن الانضباط بالمعقول يؤدي غالبًا إلى اتباع قواعد اللعبة التي حددها الآخرون. لم نخترها بأنفسنا، بل الثقافة هي التي اختارت أن نتصرف بتفهم ولطف وتهذيب واحترام وتقبل. وإن لم نفعل ذلك، نكون قد نثرنا بذور الفتنة: سلوك النساء لم يعد قابلًا للتنبؤ، والله أعلم ماذا يجول في بالهنّ. لطالما نجحت فلورينس كنيدي باستخدام تكتيكات حرب العصابات، وإحدى عناصر استراتيجيتها هي الملابس التي ترتديها.

حين تتكلم النِسويات عن مظهرهنّ، يحاولنَ غالبًا النظر من زاوية التحرر الذاتي. وبرأيي من غير المجدي قلب النقاش إلى مسألة مع أو ضد. فحين تنتعش المرأة بتخليها عن المكياج والفساتين – أنا واحدة من هؤلاء – فعليها ألا تتأخر بفعل ذلك، فهذه هي طريقتها بالإعلان عن أن شروط اللعبة لم تعد تعنيها. ولكن حين لا تشكل الفساتين أو المكياج أي عائق، فلا فائدة من التخلي عنها، وسوف تجد المرأة أكثر من طريقة لتغيير سلوكها والإفصاح عن تمردها.

وقد عبرت أندرياس بورنير عن معضلة المتخليات عن الزينة قائلة: «هل ينظر الناس إلي لأني شخص، أم لأن معطفي جميل؟». المتخليات عن الزينة يرغبن أن يُعاملن كإنسان دون الاحتياج لمساعدة المعاطف الجميلة، أي أن يكنّ قلوبًا بلا قوالب.

أما فلورينس كنيدي فتذهب خطوة أبعد، وتستخدم معدات المظهر بغية الحصول على ردات فعل معاكسة. فقد اخترعت طقمًا لنفسها، وباتت تحمل المشاعل المضيئة وتقرع الطبول حين تخرج للنضال. وبينما يتوقع الطرف الآخر دخول امرأة لا تترك أثرًا يُذكر، يفاجأون بمقاتلةٍ تلجُ ساحة المعركة بكامل عدتها.

ها قد وصلنا لمؤشر يفيد عملنا في المستقبل. لماذا لا تفكر المختصات في المسرح باختراع وسائل تحوّل الفتاة المتواضعة إلى امرأة مهيبة؟ قبعات عظيمة؟ شالات ترفرف على الأكتاف؟ ياقات تّعرّض المنكبين؟ أو مكياج وهاج؟

بيد أني لم أجب حتى الآن على السؤال الذي يطرحه المتنورون: «ألستن بحاجة لحس الدعابة أيتها النِسويات؟». في الحقيقة أشك بنوايا هؤلاء الناس، وأخشى أنهم يريدون دفعنا إلى القوقعة التي خرجنا منها، وأن نضحك على أنفسنا بأنفسنا، ونسترد خفة الوزن التي كانت دومًا جزءًا من وجودنا.

لا يعجبني ذلك النوع من الدعابة، لأنه يتعارض كليًا مع الوعي بذواتنا الذي نحاول الوصول إليه. برأيي نحن نهين أنفسنا حين نغني أننا نحيك مستقبلًا جديدًا. كما أننا نؤكد على صورتنا غير الجدية المنتشرة بين العموم حين ننظم فعاليات فكاهية 6. أشجع على الدعابة، ولكن كآلية تربوية في أيدينا، فنحن في نهاية المطاف في طور استكشاف النصف الآخر للواقع. نحن المعنيات بالتفكير، وهم بالاجترار. نحن المعنيات بتعرية النظام المثير للضحك. ولكننا لن نصل إلا حين تصبح رؤيتنا أكثر بداهة من الثقافة، وحين لا نرتعب من غرائبية السلطة، بل نتعامل معها كحصن ينبغي اكتشاف ثغراته. حينها فقط نكون حققنا ما حققته فلورينس كنيدي، إحدى النِسويات النادرات اللواتي أنتجن قفشات تدحض شروط اللعبة التي وضعها الرجال. وسأورد هنا مثالين:
6. أنا لست ضد الفعاليات الفكاهية من حيث المبدأ، فتأثيرها في بعض الحالات ممتاز، فهي تسخف استعراض المتسلطين لسلطتهم عبر حركة بريئة.

«عندما يقدر الرجال على الإنجاب، سوف يصبح الإجهاض من أسرار القربان المقدس».

«لا توجد مِهن كثيرة يحتاج المرء فيها لقضيب أو فرج، لذلك ينبغي أن تكون جميع المهن الأخرى متاحة للجميع».

ما زلنا نفتقد الفكاهة النِسوية، ولكنها ستأتي. وإلى ذلك الحين علينا أن نتجاوز نحيبنا، ونتخلص من غيظنا، ونصبح قادرات على النظر إلى الاستعراض العنصري من على مسافة. كما ينبغي أن نكون حصدنا جمهورًا يفهم رسالتنا. وهذا لأن وضعنا أصعب من الكاتب الهولندي كلاوس، فصوابيته متجذرة في الثقافة، أما نحن فمُرغمات على القتال من أجلها. ولكن لا بأس، فأولى العروض المسرحية الناقدة للمجتمع لن تظهر في قرى الجرابات السميكة.

وطبعًا بوسعنا ممارسة التهكم من الذات في المستقبل البعيد البعيد، فهو شكل من أشكال السلوك الاجتماعي اللطيف. أما الآن فما زلنا نعيش في زمن أُلغيت فيه دروس الكاراتيه للبنات في المناهج الدراسية.

عن الجمهورية

ترجمة: رحاب منى شاكر

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This