مانغوال في رحاب المكتبة الوطنية ونشر فيروس القراءة الباعث على الحياة

يدخل الرجل البهيّ إلى القاعة المكتظة كأحد أبطال الروايات العظيمة متأبطا ذراعي بورخيس ودرويش. تُحيطه هالة من الكتب ينعكس بياض صفحاتها على لحيته المشذبة بعناية. إنه ألبارتو مانغوال “المُهرّب” من بيت الرواية في مدينة الثقافة إلى دار الكتب الوطنية في العاصمة تونس في يوم السبت الثاني والعشرين من شهر فيفري / شباط من سنة 2020.

كأن المكتبات العظيمة هي قدر الرجل المحتوم. وطنه الذي يسكنه. حتى إذا فكر في الهجرة منه، لعبت حبكة الحكاية دورها الماكر في إعادته إليه مستسلما لذلك العشق الأبدي وحلم التكوين الأزلي.

يلعب جهل السلطة (تعضده جهود بعض الوشاة المحليين) دورا مهما في منح الحدث زخما إعلاميا وجماهيريا على غير ما أراد أصحاب قرار منع إقامة الندوة في بيت الرواية. وكان يكفي أن يتكون فريق من المثقفين الرافضين لعودة القمع الفكري ومصادرة حرية التعبير لتقام الندوة ويحضر مانغوال. كان يكفي أن يكون هنالك روائي عنيد ككمال الرياحي ومفكرة لا تحيد عن قضايا التّحرّر كرجاء بن سلامة ليتم تجاوز تحفظ المنصب الإداري. وكان يكفي أن يدور الحدث في مكتبة ليعرف مانغوال طريقه وحده.

   

تنهمر زخات من أضواء آلات التصوير على وجه الرجل المبتسم بتواضع جم، كطفل خجول في يومه الأول بالمدرسة. تفتتح الدكتورة رجاء بن سلامة مديرة دار الكتب الوطنية الندوة بكلمة ترحيب بالضيف الكبير قدمت له وللحضور من خلالها نبذة عن كنوز المؤسسة التي تديرها ساردة من تاريخ تونس حدثين ربطت بينها الحرية : حرية الفكر وحرية الجسد واللتين كانتا من أهم منجزات المشير أحمد باي في منتصف القرن التاسع عشر من خلال إنشائه لأول مكتبة عمومية في تونس وإلغائه للرقّ.

وبعد حديثها عن ثروات المكتبة من مخطوطات ودوريات وحجريات، أكدت الدكتورة رجاء لزميلها،  مدير المكتبة الوطنية الأرجنتينية السابق، على أن الجميع “في تونس المحررة حديثا من الاستبداد والاعتباطية” يشاركونه شغفه ودهشته الدائمين في هذه المعابد المقدسة / المكتبات.

مدير بيت الرواية وصاحب الدعوة الأصلية لألبرتو مانغوال، الروائي كمال الرياحي، الذي أخذ الكلمة، بدا منتشيا بنصره ونجاحه في استضافة الأديب العالمي رغم ما حام حول تحقق الزيارة من شكوك، سعيدا بإصرار ضيفه على القدوم إلى تونس.  وكان ترحيبه به متميزا من خلال إهدائه مجسما لأشهر شخصية روائية تونسية “برق الليل” دون كيشوت تونس بتعبير كمال الرياحي، للأديب البشير خريف[1].

تحولات المحاضرة شملت شكلها لتصبح محاورة أدارها الشاعر المبدع آدم فتحي الذي أطلق عنان القول للرجل / المكتبة ليحدثنا عن استحالة الأدب وعجز اللغة. عن سلاحنا الضعيف الذي لا نملك غيره لتسمية العالم وتعريفه وتعريفنا وخلق التعدد الثقافي منذ القصص والأساطير الإنسانية الأولى ولكن هذا الخلق لهوية للأشياء يتحول إلى سجن يحدّ من التواصل وعن دور الأدب في “تحطيم” هذه الهويات المحدودة.

      

عن العجز والقدرة لدى الكتاب يجيب مانغوال على سؤال آدم فتحي بطرافة القول بأن الكتاب السيئين لا يملكون الشعور بالعجز مستشهدا كعادته ببورخيس و “نموره الزرقاء”[2].

وعن المنفى ورمزيته واصل مانغوال حديثه مؤكدا على أننا في الواقع كلنا منفيون فلا أحد لديه القدرة على الجزم بانتمائه لهذه الأرض منذ الأزل لكن بالمقابل فلا أحد لديه القدرة أيضا على إنكار المأساة الفلسطينية المتمثلة في اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه بينما يغمض العالم عينيه عن كل هذا وتعجز كل الحكومات عن إيجاد حل دائم.

صعوبة الحديث مع رجل كمانغوال والمتاهة التي تدخلها عند الاستماع إليه هي ما عبر عنه الشاعر آدم فتحي الذي ربط في سؤاله عن المنفى وعلاقته بالوطن بما ورد في محاضرة مانغوال عن مفهوم الفشل كغاية ونجاح للعمل الأدبي.

وبين العودة الدائمة لبورخيس مرورا بستيفنسون[3]، يؤكد القارئ الكبير مرة أخرى على أن الأعمال العظيمة وحدها هي التي لا تدعي النجاح المطلق والكمال ففي الفشل يكمن الغنى الإنساني لأنه نقطة التنوّر كما يراها الشعراء الروحانيون في كل الثقافات.

يمنح مانغوال لنفسه وسط الحوار فرصة التعبير عن عشقه للأدب والكتب والمكتبات. المكتبات التي يعرف فيها نفسه منذ كان طفلا عاش وحدة الطفولة ولم يجد غير الكتب التي فتحت له نوافذ مشرعة على السفر في العالم ومعرفة الحب والموت والصداقة من خلال القصص والحكايات. وهو ما أراد أن يمرره للحاضرين بكل لطف وتواضع الرجل الذي “التهم” آلاف الكتب خلال حياته بدعوته إلى تجربة البكاء مع مادام بوفاري والتألم مع أندروماك والترحال مع أوليس.

الشاعر آدم فتحي عاد بمانغوال إلى بورخيس الذي لا يكاد يغادره متسائلا عن توقف كتابات هذا الأخير عن الثقافة العربية في حدود مدونتها القديمة التي تضم أعمال ابن سينا والقزويني والجاحظ وغيرهم ولكن لا شيء بعد ذلك يكتبه بورخيس عن هذه المدونة التي لم تتوقف عن إنتاج أعمال أخرى لكتاب ومفكرين معاصرين متسائلا عن السبب وراء ذلك.

    

في إجابته التي استهلها بالتأكيد على أن الأدب لا جنسية له وأن الأعمال الجيدة متجاوزة لحدود الزمن واختلاف الثقافات، تحدث مانغوال عن  كولومبيا ومشروعها الرائع في نقل المعرفة إلى المناطق النائية فيها على ظهور الأحمرة وعن حكاية كتاب الإلياذة الذي اختفى في إحدى القرى لأنه يعبر عن حكاية سكانها الشخصية وقضاياهم الخاصة…إنه الأدب الخالد الذي يخاطبنا، معبرا عنا، متجاوزا كل الحدود والأزمنة.

آدم فتحي، المصرّ في أسئلته على تلقي إجابات واضحة حول قراءات بورخيس للأدب العربي، توجه مباشرة لطرح مسألة الاستشراق. والتي ردّ عليها مانغوال بطرح معاكس عن اهتمام العالم والقراء العرب خاصة بالأدب الأمريكي اللاتيني منوها إلى أن القراءة لا تكون إجبارية وإنما تصدر عن رغبة وحب للكتاب والأثر مشيرا إلى أننا نكون اللغة التي نتحدثها وأنها وحدها من تعرفنا بدقة.

نقطة أخرى رأى الشاعر آدم فتحي أن طرحها مهم، هي موقف المثقف في الأزمنة الصعبة. عائدا في سؤاله عنها إلى محاضرة الضيف التي نشرها سنة 2019 تحت عنوان “أين المثقفون؟” والعودة إلى بول نيزان وإدوارد سعيد وضرورة شهادة المثقف في الأوقات الحرجة وفي سحب كل ذلك على علاقة مثقفي العالم بمعاناة الشعب الفلسطيني.

وفي رده تحدث ألبرتو مانغوال عن خفوت صوت المثقف العالمي في مواجهة اللاعدالة الهائلة التي كان ضحيتها الفلسطينيون. وفي نقله لموقفه الشخصي تحدث عن قيامه بفتح مكتبة أوكرانية داخل المكتبة الوطنية الأرجنتينية التي كان يديرها تضامنا مع مديرة المكتبة التي اعتقلت من طرف السلطات الروسية بعد اغلاق المكتبة الأوكرانية في موسكو والفكرة التي كان ينوي تنفيذها بعد ذلك وهي فتح مكتبة فلسطينية مماثلة ولو كانت افتراضية لكن نهاية إشرافه على المكتبة الأرجنتينية وعدم تجاوب السلطة الفلسطينية مع مشروعه الفريد لم يمكناه من تحقيق هذه الغاية التي تبقى ممكنة بتظافر جهود جميع المثقفين وخاصة الفلسطينيون منهم لأن مكتبة وطنية هي هوية وذاكرة شعبها.

حديث مانغوال عن فلسطين وعن ضرورة إنشاء مكتبة وطنية فلسطينية، وهو الممنوع من إقامة ندوته في مدينة الثقافة الرسمية لـ”شبهات تطبيع”، حظي بتصفيق حار من الحضور الذين تأكدوا من وفاء الرجل لمبادئ الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولعله بهذه الدعوة كان فلسطينيا أكثر من المزايدين بدفاعهم عن فلسطين والمتاجرين بقضيتها. فالرجل فكر في الأهم، مكتبة وطنية فلسطينية تقول للعالم أن هذا الشعب موجود وسيبقى وأنه ليس بوسع أي غياب للعدالة أن يفعل به ما فعلت روما بقرطاج.

       

 

 

 

 

 

وعن الخطر المحدق بالكتاب، كما نبه له مانغوال في مؤلفه “بينوكيو وروبنسون”[4] يسأل آدم فتحي عن ماهية هذا الخطر وعن الأطراف التي يشير إليها الكاتب والتي تتحالف لتعميم “البؤس الثقافي”.

في إجابته يبين مانغوال أن المشكل يكمن في تجاهل القراءات النقدية والفكرية العميقة للكتاب والاكتفاء بالتعبيرات السطحية والمبتذلة لأن القراءة العميقة للكتاب تقود بالضرورة إلى التفكير وأن قلة من الحكومات تريد من شعوبها أن تكون مفكرة ومناهج التعليم في كثير من دول العالم لا تقود إلا إلى الحماقة وإلى فقدان الطفل لثقته بذكائه وقبوله للغة الاشهارية / التجارية لمجتمعه. فالمؤسسات التعليمية في هذه المجتمعات تخنق الخيال لدى التلميذ وتتحول إلى مؤسسات “تدريبية” لدى المؤسسات التجارية والصناعية ويتحول أطفالنا بالتالي إلى عبيد. لذلك فإنه من المحتم علينا تبيان حرية القراءة ودورها واستغلال سلطة القارئ في استعادة العالم والتجارب الإنسانية السابقة وتطويرها إلى تجارب إنسانية مستقبلية. لتهيئة مستقبل أكثر عدالة وأكثر سعادة للأجيال القادمة.

وبالنسبة إلى معضلة تقهقر القراءة في المجتمع الاستهلاكي الذي يتميز بتسارعه التكنولوجي، يشدّد مانغوال، مرة أخرى، على عبثية محاولة “صناعة” القارئ. فالقراءة فعل حب وشغف. وبينما، للحفاظ على بقائه، يقوم المجتمع الاستهلاكي بفرض قيمتين هما السرعة والسهولة، فإن القراءة تتميز بالبطء والصعوبة. لذلك فإن تغيير هذا الوضع يمر حتما بتغيير المجتمع الذي نعيش فيه لأننا بالفعل، وعلى رأي العلماء، فإننا نقوم حاليا بتدمير عالمنا.

ويختم مانغوال إجابته بتعبيره عن اعتذاره للأجيال القادمة للتركة الثقيلة التي أورثها لهم أبناء جيله.

وكان لابد للشاعر أن يدافع عن الشعر ويتساءل عن مكانته اليوم. لذلك لم يستطع الشاعر آدم فتحي أن ينهي محاورته للضيف الكبير دون سؤاله عن راهنية الشعر وقدراته في هذا العصر “الروائي”.

يقول مانغوال في إجابته عن هذا السؤال أنه ليس من المفيد التركيز على هذه التقسيمات إلى رواية وقصة وشعر وتاريخ…فالأجناس الأدبية كلها متمازجة. ويذكر ببورخيس الذي سعى طوال حياته لمقاومة هذا الأمر. فالإنسان منذ وجوده على الأرض طور سلطة الخيال وتلك هي “طريقة شهرزاد” للبقاء على قيد الحياة.

وتواصل الحوار مع مانغوال من خلال مشاركة الحاضرين بطرح العديد من الأسئلة عليه حول دور المواطن / القارئ وقدرة الأدب على تغيير العالم وعن مانغوال القارئ / الكاتب…

في نهاية اللقاء، حظي مانغوال بحرارة توديع فاقت ربما حرارة استقباله وبامتنان كبير من كل الحاضرين والمنظمين للندوة / المحاورة الذين استمتعوا بحديث هذا الرجل / المكتبة وربما كان للمسافة القصيرة التي تفصله عن خزائن دار الكتب الوطنية التونسية، الغنية بكنوزها النادرة، دورها في إلهام الرجل كل تلك الفصاحة والبلاغة ورهافة الحس. أليس هو القائل: ” انتمائي هو للمكتبات. جذوري تستقر في مكتبة”.

(كلمة الدكتورة رجاء بن سلامة المديرة العامة لدار الكتب الوطنية التونسية)

 

*********

– الصور المرافقة للمقال مأخوذة من صفحة الفايسبوك الرسمية لدار الكتب الوطنية التونسية.

– رابط محاضرة ألبارتو مانغوال الكاملة على قناة اليوتيوب الخاصة بدار الكتب الوطنية التونسية :

https://www.youtube.com/watch?v=rFphsnt8ko4      

[1]  بشير خريف : كاتب قصصي تونسي ولد بنفطة سنة 1917 وتوفي سنة 1983 من أشهر أعماله “الدقلة في عراجينها” و”برق الليل”.

[2]  النمور الزرقاء : عنوان مجموعة قصصية لبورخيس.

[3]  ستيفنسون: روبرت لويس بلفور ستيفنسون روائيء وشاعر وكاتب مقالات اسكتلندي تخصص في أدب الرحلات

[4]  بينوكيو وروبنسون: كتاب لألبرتو مانغوال صادر سنة 2005.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This