الفلسفة والدّين، سوء فهم كبير

هناك سوء فهم كبير يطال الفلسفة عموما وتدريس الفلسفة على وجه الخصوص، فهي في اعتقاد الكثيرين ثرثرة ولغو من الكلام، بل لعلّها أسّ السّفه و الانحلال، بل هي  زندقة وكفر وضلال.

مناسبة هذا القول بعض المناوشات الّتي تحصل بين من ينتسبون للدّرس الفلسفيّ وبعض رفقاءهم من أصحاب الدّراسات الإسلاميّة، على أرضيّة نصوص حاضرة بشكل رسمي في المقرّرات التّعليميّة.

ولعلّ مربط الفرس هنا في هذا اللّبس الحاصل، هو كيف يمكن تناول”علاقة الفلسفة بالدّين”؟ على الأقلّ بأخفّ الأضرار وأحسن النّتائج.

من البديهي أنّ الدّرس الفلسفي يقدّم إلى فئة من المتعلّمين، غايته التّعرف على تاريخ الفلسفة وموضوعاتها وآليات فعل التّفلسف. سعيا إلى غرس قيم التّنوير والحداثة والمواطنة، واكتساب مهارات السّؤال والشّك والنّقد والتّحليل والتّركيب.

والحالة هذه يجد المتعلم نفسه كذلك، أمام دروس دينيّة تستشهد بتهافت الفلاسفة وتسفّه أقوالهم، تبخس العقل حقّه وتعلي من شأن النّقل.

وهنا  يجد المتعلّم نفسه  أمام إزدواجيّة في الخطاب و تناقض في القول، قد لا يهتدي منه إلى حكم أو جواب يشفي صدره، فينتكس إلى الرّفض أو البغض أو الإذعان.

سأسعى في هذه المداخلة المقتضبة إلى توضيح وجهة نظري حول هذا الموضوع دون الدّخول في مجادلات عقيمة.

العلاقة بين الحكمة والشّريعة في الدّرس الفلسفيّ

خلافا لما قد يعتقد البعض عن كون الدّرس الفلسفيّ يسعى إلى إثارة قلاقل لدى المتعلّم تتعلّق بجرّه إلى تبنّي نزوعات تطرفيّة أو الحاديّة. يمكن توضيح هذه النّقطة بالقول إنّ من الأهداف الأساسيّة للدّرس الفلسفيّ – انطلاقا من المقرّرات الحاليّة في السّلك الثّانوي – تتجلّى في إذكاء الرّوح النقديّة لدى التّلميذ، والّتي تسمح له بفحص المعرفة العاميّة وبادئ الرّأي وتكوين تصوّرات عقلانيّة حول المواضيع الّتي يتمّ تدارسها. إضافة إلى تسليح المتعلّم بالسّؤال الّذي يجعله قادرا على فحص البديهيات المسلّم بها من طرف عامّة النّاس والّتي يتمّ توارثها والإذعان لها من خلال التّقليد والتّبعيّة للآخرين فقط، وإقداره على استعمال العقل في التّحليل والتّركيب .

كما يمكن الإشارة إلى أنّ موضوعة الدّين وعلاقتها بالفلسفة مثلا، لا تتمّ إثارتها مع التّلاميذ إلاّ من خلال العلاقة التّوافقيّة بين الفلسفة والدّين، انطلاقا من نموذج الفيلسوف العربيّ “ابن رشد” الّذي واجه بدوره تضييقا من طرف فقهاء عصره وتمّ توجيه تهم له تتعلّق باشتغاله بشرح الفلسفة اليونانيّة المتمثلة في أرسطو ممّا اضطرّه في كتاب “فصل المقال ما بين الحكمة والشّريعة من اتّصال” إلى الدّفاع عن الفلسفة انطلاقا من الشّرع نفسه من خلال تبيان أنّهما معا يدعوان إلى استعمال العقل والقياس، وأنّ لهما نفس الهدف والغاية وهي النّظر والبحث في الموجودات لدلالتها على الصّانع أي الخالق، مستشهدا بنصوص قرآنيّة تدعو إلى التّدبر والتّعقل، دون أن يغفل اختلافهما على صعيد المنهج المتّبع في الفكر الدينيّ الّذي يقوم على الإيمان كمنطلق وأساس معتمدا المنهج الخطابيّ، والتّفكير الفلسفيّ الّذي يتأسّس على المنهج البرهانيّ وعلى التّحليل والنّقد والّذي يهدف إلى بناء تصوّرات تأمليّة وتركيبيّة متماسكة ومتناسقة ومبرهنة.

ففيلسوف قرطبة لا يرى أنّ هناك تضادّاً بين البرهان الفلسفيّ والنّص الدينيّ، إلاّ من حيث التّأويل، إذ كلاهما حقّ، ولا بدّ أن يشهد أحدهما للآخر، و”الحقّ لا يضاد الحقّ بل يوافقه ويشهد له “وبتعبير آخر يقول: “إنّ الحكمة هي صاحبة الشّريعة، والأخت الرّضيعة لها، وهما المصطحبتان بالطّبع، المتحابّتان بالجوهر والغريزة” . من هنا يتّضح أنّ فكرة العداء أو التّصادم بين الفلسفة والدّين ليست من أغراض الدّرس الفلسفيّ، وإنّما هي نتيجة بعض الأفهام الفقهيّة أو الفلسفيّة السّطحيّة الّتي لا مجال لإثارتها مع تلاميذ يسعون إلى بناء معرفيّة شموليّة وكونيّة تغرف من كلّ القيم الإنسانيّة الأخلاقيّة والمنطقيّة والجماليّة.

الطّعن في الفسلفة والتّناقض الوجداني

جاء في مقرّر التّربية الإسلاميّة نصّ لابن الصلاح الشهرزوري يقول فيه: ” الفلسفة أسّ السّفه والانحلال، ومادة الحيرة والضّلال ومثار الزّيغ والزّندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشّريعة المؤيّدة  بالبراهين، ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشّيطان و أظلم قلبه عن نبوّة محمّد (صلعم).

لتتلو هذا النّص آية قرانيّة من سورة البقرة: ” ولن ترضى عنك اليهود و لا النّصارى حتى تتبّع ملّتهم، قل إنّ هدى الله هو الهدى ولئن اتّبعت أهواءهم بعد الّذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي و لا نصير”

ثمّ خلاصة للنّصين تفيد ما ينبغي على الدّارس تحصيله وهو : “استمسك بهدى الله تعالى الّذي جاء به النّبي على أساس أنّه العلم اليقين وأنّ ما عداه آراء وأهواء لا طائل من وراءها”.

بصرف النّظر عن تفكيك هذه النّصوص في تاريختيها وأسباب نزولها أو حتّى دلالتها ومراميها، فإنّ هذا التّعارض الّذي يقدّم للمتعلم في حصّتين واحدة للفسلفة وأخرى للتّربية الإسلاميّة، قد تشاء الصّدف أن تكون متواليتين، وبين قولين يبدو التّصادم والاختلاف بينهما كهوّة عميقة، قد تكون من نتائجها وضع المتعلّمين في تناقض وجداني واضطراب معرفي يحيل إلى خطابين متباينين على مستوى النّص منطلقاته ومآلاته. ممّا يخلق نوعا من التّضارب الحادّ في إدراك ومخيّلة المتعلّم، قد ينتج عنه في بعض الأحوال انزياح تامّ تحت مؤثّرات نفسيّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة للخطاب البلاغي الّذي يتناغم مع موروث تقليداني  حاضر بشكل قبلي، بصورة أو أخرى، داخل الثّقافة السّائدة. وهي الثّقافة الأصوليّة الّتي تعارض  في الغالب – إن لم تكن تحرم بشكل صريح أحيانا ومضمر أحيانا أخرى- كلّ منتجات الحضارة الإنسانيّة والفعل الإبداعي، الّذي تبقى الفلسفة أحد أهمّ تجلياته.

هنا يطرح سؤال هامّ: ما الجدوى من إقحام نصوص دون غيرها في مقرّر تعليمي ديني، وتحت أيّة مظلّة إيديولوجيّة أو بيداغوجيّة، ولأية غايات؟

قد يبدو الجواب شائكا و مستشكلا، لكن إذا ما افترضنا أن المتعلم بطريقة أو أخرى قد ينساق وراء ما يردّده الأستاذ نفسه داخل الفصل، هادفا بقناعة أو بدونها إلى جعل النّص سيّد الدّرس وعماده، إلى رفض التفكير النقدي و إلى تبني نزوعات إسلاميويّة فجّة.

من الرّابح من تسييد خطاب أصولي متطرّف يسعى بصريح العبارة إلى الطّعن في حكمة الشّرق والغرب. خصوصا ونحن لا زلنا نحصد ثمار ما انتجته الوهّابيّة و إيديولجتيها الأصوليّة العنيفة من نتائج كارثيّة شملت البلاد والعباد، الحضارة والتّقدم، التّحديث والعلمنة.

قد تبدو معركة تنقيح وتحديث الخطاب والفكر الإسلاميّ كما المقرّرات الدراسيّة ذات أولويّة قصوى، كما أنّ الدّفاع عن الفلسفة أمام كلّ هجمات الأصوليّة ماضيها وراهنها، واجب معرفي وأخلاقي لكلّ من يمتهن أو يتعشّق هذا الفكر الّذي ينفض عنّا غبار الدوغمائيّة والتّطرف، العنف والاستلاب.

كان الدّرس الفلسفي ولا يزال خطابا مفتوحا ومنفتحا على الجميع، و هذا ما لخّصه الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا” حين أشار إلى ” أنّ مصاحبة و مرافقة تدريس الفلسفة مع التّخصّصات الأخرى، في إطار وحدة تكوينيّة، دون أن تفقد خصوصيتها، على اعتبار أنّ تكوين التّلميذ هو بمثابة سيرورة كليّة وشموليّة. فالفلسفة تحتوي على الفكر النّقدي الّذي يمكن أن تستفيد منه باقي التّخصّصات، والجدالات الكامنة في مختلف المعارف والثّقافات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This