في أوروبا ينشر الإخوان سمومهم عن طريق مدارسهم

 

سعيدة كيلر المساهلي، ابنة فلاح تونسي ساقتها الأقدار في سنّ السّابعة لتمضي ست سنوات في سويسرا في ضيافة عائلة سويسريّة بعدما فقد والدها النّظر. عادت إلى تونس لتلتحق بثانويّة “كارنو” الفرنسيّة. في ربيعها الثّاني والعشرين عادت نهائياً إلى سويسرا وواصلت دراستها في جامعة زيوريخ وحصلت على شهادة الأستاذيّة في اللّغة واللّسانيات والسينماتولوجيا. ناضلت سعيدة مدّة عشرين عاما من أجل حقوق الشّعب الفلسطيني، وفي 2004 أسّست في زيوريخ منتدى “من أجل إسلام تقدّمي”، وهي اليوم ناشطة سياسيّة تكتب وتشارك في النّدوات والنّقاشات الدّائرة في سويسرا والعالم العربيّ. نالت الجائزة السويسريّة  لحقوق الإنسان سنة 2016 . صدر لها كتاب مهمّ  عن الحضور اللاّفت للأصوليّة في سويسرا تحت عنوان:  سويسرا محور الأصوليّة الإسلامويّة /خلف كواليس المساجد.                                                                                                           

 لمّا سألنا سعيدة  كيلر المساهلي عن جيل الإخوان المسلمين الجديد الّذي تشير إليه في كتاباتها وتدخّلاتها التلفزيونيّة

أجابت أنّهم يريدون خلق خلف لهم يؤبّدون من خلاله وجود الجماعة  في أوروبا، ففي 2002 قدّم الإخوان المسلمون محاضرة حول الموضوع تحت عنوان “التّربية الإسلامية في أوروبا ” في مدينة بون الألمانيّة، من تنظيم المركز الثّقافيّ الاسلاميّ الموجود بإيرلندا وجمعية علماء الاجتماع المسلمين في بريطانيا وألمانيا. وكان من بين الحضور، تقول، الكثير من الفاعلين الإخوان المعروفين في أوروبا كطارق رمضان، محمد كرموس، أحمد جاب الله وإبراهيم الزيات. وكان هدفهم الأوّل التّفكير في طرق تعليم الأجيال القادمة كيف يوطنون رسالة الإسلام وروحه داخل البيئة الأوروبيّة الّتي يعيشون فيها  ومواجهة تحدّي البرامج المدرسيّة العلمانيّة وغيرها الّتي لا تتوافق مع تراث الاسلام. وعن المقصود برسالة الإسلام وروحه لدى الإخوان تقول سعيدة أنّه بطبيعة الحال ذلك الإسلام الإخواني المتشدّد، الدّعوي الحامل لفكرة “التّمكين” . هو الإسلام السّياسي الّذي يهدف عبره المقاولون في الدّين إلى إنهاء التّنوع بين المسلمين وسجنهم جميعا في خانة واحدة موحّدة هي صفة “مسلم”.

ولكن لماذا يفعلون ذلك؟

في رأي الكاتبة، تقول ليسهل التّحكم فيهم والحديث باسمهم، كما يؤكّد الباحث برنار روجييه في كتابه الصّادر أخيرا “الأقاليم المحتلّة من طرف الإسلاميين”. وتتعجّب سعيدة إذ كيف يمكن لتنظيم مصنّف كتنظيم إرهابي في عدّة بلدان عربيّة وتتهيأ بلدان أخرى في أوروبا وأمريكا لاتّخاذ نفس الموقف، إلى مزاولة نشاطه في 79 دولة حسب ما ذكر الإخوان ذاتهم في ملتقى سري كما يكتب موقع” أنترسيبسن ” أخيرا!

وعن سؤال حول تأثير يوسف القرضاوي في إخوان الغرب اليوم،

تقول أنّه لو كان في فرنسا لكان تقاعد منذ 3 أو 4 عشريات ولكن يبقى لدى الإخوان العقل المدبّر حتّى وهو يناهز الــ92 سنة بل يعتبر مؤسّسة بذاتها، حافظ على علاقات قويّة مع إخوان أوروبا حتّى اليوم ولا يزال قائدهم الرّوحي والسّياسي، فهو الّذي بنى وطوّر انطلاقا من إيرلندا كلّ بنيات وهيئات الإخوان المسلمين الأساسيّة الّتي يملكون اليوم في أوروبا ويسيطرون من خلالها على الكثير من المسلمين في الغرب.

وعن طبيعة تلك الهيئات،

تقول مجيبة: أنّ القرضاوي كان من المؤسّسين لــ “المجلس الأوروبي للبحث والفتوى”، وهي هيئة تصدر فتاوى مبسّطة في مختلف أمور الحياة للمسلمين المقيمين في أوروبا. وقد ترأس يوسف القرضاوي “الاتّحاد العالمي للعلماء المسلمين” طوال عشريات. وسواء التّنظيمات الجمعويّة الإخوانيّة على المستوى الأوروبي كـــ “فيدراليّة المنظّمات الإسلاميّة في أوروبا” أو الجمعيات الوطنيّة كــ “اتّحاد المنظّمات الإسلاميّة في فرنسا” والّتي تسمّى اليوم بــ”مسلمي فرنسا”، كانت كلّها من بنات أفكار القرضاوي أو من إيحائه.

ومن يشرف اليوم على هذا التّراث الأصولي؟

سألنا الباحثة والنّاشطة وكان الجواب أنّ القرضاوي انسحب، لكن ببراعة إذ ترك الأمر لمجموعة من الباحثين الأكفّاء في تسيير التّضليل وتمّ تشبيب الطّاقم المدير في المنظّمتين العالميتين الإخوانيتين المذكورتين سابقا حيث أصبح أكثر تواصلا  مع قواعده في كامل أوروبا.  وقد ظهرت آثار ذلك التّجديد الإداريّ مباشرة بعد المظاهرة ضدّ الإسلاموفوبيا الّتي نظّمها “ائتلاف مناهضة الإسلاموفوبيا بفرنسا” القريب جدّا من تنظيم الإخوان المسلمين و الذي يغذي خطاب “الضحية الدائمة” الى درجة راح دون حياء يعتبر المسلمين في فرنسا اليوم كيهود فرنسا في الثلاثينات من القرن الماضي. وقد رأى النّور في نوفمبر  2019 “مجلس أئمة أوروبي” جديد. وعلاوة على العرض الرقمي المتجدّد تجاه الباحثين عن الفتوى، تدعّمت مجالس الفتوى بخدمات اللّغة الفرنسيّة والألمانيّة. وتمّ إطلاق “تطبيق فتوى” يتضمّن أحيانا توصيات سخيفة للجاليات المسلمة في الغرب. وتعود الكاتبة لتشرح لنا تركيز الإخوان على التّربية والتّعليم فتقول أنّها تبقى وصفة الإّخوان الناجحة والفعّالة هي اهتمامهم بالتّعليم. ففي بداية تسعينيات القرن الماضي وبمساعدة يوسف القرضاوي تمّ تأسيس “المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانيّة ” في مدينة شاطو شينو على ملكيّة تابعة لاتّحاد الجمعيات الإسلاميّة في فرنسا، ممثل الإخوان في فرنسا، والمسمّى اليوم بــ مسلمي فرنسا كما سبق وأن ذكرت. وهو معهد يهدف عبره الإخوان إلى تكوين  إطارات وأئمة ومعلّمين ومرشدين لتعليم الإسلام كما يرونه هم. والإسلام سياسي دائما في إيديولوجيّة الإخوان. ورغم الإسم الأوروبي الّذي يحمله، هذا المعهد، تقول سعيدة،  فلا يتعاون مع أيّة مؤسّسة تعليميّة غربيّة بل هو في تواصل مع الجامعات الإسلامويّة في ماليزيا وفي العالم العربيّ. وسرعان ما يتحوّل المتخرجون من المعهد الإخوانيّ إلى أئمة ينشرون الفكر المتحجّر في المساجد والمصلّيات وما يسمّى مراكز إسلاميّة. وليس هذا فحسب، تضيف، بل هناك اليوم فضاء جامعي لنفس المعهد بسانت دوني بباريس لاستقبال ألوف الطّلبة ونفس الشّيء في مقاطعة الألزاس وفي مدينة أورليون. علاوة على وجود مدارس خاصّة كثيرة لها ارتبطات بثانوية ابن رشد الّتي لا تحمل من الفيلسوف الكبير سوى اسمه. وليس هذا مقتصر على فرنسا بل تتمدّد تلك المؤسّسات التعليميّة نحو ألمانيا وبريطانيا حيث تتطوّر هذه المعاهد والمدارس الإخوانيّة بشكل كبير. هناك أيضا نسخة من المعهد الأوروبي للعلوم الإسلاميّة في فرانكفورت. لقد قامت محاولات كثيرة للحدّ من هجوم الإخوان على أوروبا وإيقاف زحفهم إلّا أّنه ومع الأسف الكبير يقف تمويلهم الكبير من طرف قطر والكويت حائلا دون ذلك. وما يثير مخاوف بعض الأوروبيين هو تعاون الإخوان وتقرّبهم من تركيا أردوغان في السّنوات الأخيرة.  أمّا عن الإخوان الأتراك وهجومهم على أوروبا فتقول السويسريّة من أصل تونسي، أنّه يوجد مئات المساجد تابعة للحركة الإسلاميّة التركيّة “ميلي غوروس” في كلّ أرجاء أوروبا وخاصّة في ألمانيا. هي نسخة الإخوان التركيّة الّتي تشيّد مسجدا كبيرا بمدينة ستراسبورغ الفرنسيّة على مساحة 7000 متر مربع وغير بعيد من هنا يشيّد الإخوان العرب بتمويل قطري مسجدا كبيرا متعدّد الخدمات بمدينة مولوز يهدف من ورائه الإخوان إلى عزل المسلمين نهائيا عن الفرنسيين الآخرين إذ يتوفّر في هذا الفضاء خدمات تجاريّة ورياضيّة وثقافيّة إسلاميّة كما يدّعون.

وفي الأخير سألنا السّيدة سعيدة كيلر المساهلي عن أهداف منتدى من أجل إسلام تقدمي الّذي تترأسه؟  

فقالت: أنّ المنتدى موجود منذ أكثر من 15 سنة، هدفه التّفكير وإعادة التّفكير النّقديّ في العلاقة بين الديمقراطيّة والدّين وحقوق الإنسان ودولة القانون. هدفنا هو فتح نقاش حقيقي حول المسائل الإشكاليّة في النّص القرآني ومختلف تفاسيره وتأويلاته. هدفنا ليس إدماج الإسلام في المجتمع الغربي بل نعمل على انخراطه أوّلا في المفهوم الأمميّ لحقوق الإنسان والمقصود هو قراءة النّصوص الدينيّة الإسلاميّة قراءة تأخذ بعين الاعتبار الحريّات الفرديّة والمساواة بين الجنسين إلخ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق