المالينخولي السّعيد (10)

إنّ الطّريقَ في اللّاطريق

“يطلب الإنسان المعنى، في عالم بلا معنى”. – بيتر فيسيل زابفه[1].

“اُنظر إلى جسدكَ- دمية ملوّنة، لعبة مسكينة مكوّنة من أجزاء موصولة جاهزة للتّفسّخ، شيء مريض بائس برأسٍ مليء بالخيالات الكاذبة”. – بوذا، كتاب دهامابادا.

“اِعرفوا أنفسكم: كونوا عقيمين ولتتركوا الأرض صامتةً من بعدكم”.- بيتر فيسيل زابفه.

العطالة المطلقة: حالة أصليّة عكّرتها أصابع الخلق، صورة مثلى لما ينبغي أن يؤول إليه الكون.

الخلقُ شرٌّ، لأنّه يبعث الحياة في العطالة، إنّ موافقة الإنسان على برنامج الخلق وإصراره على الخضوع لما تمليه الطّبيعة دليلٌ على عبوديّته للحياة وامتثاله لشروطها العبثيّة، إنّه يعتقد واهمًا أنّه موجودٌ من أجل ذاته، وأنّه غاية الوجود ومنتهاه، لكنّ علم الأحياء يدحض مزاعم الإنسان حول نفسه، لقد انتبه البيولوجي الفرنسي رينيه كوينتون[2] منذ أكثر من قرن إلى “أنّ الطّبيعة تصنعُ أنواعًا؛ إنّها لا تُبدع كائنات. إنّ النّوع هو الغاية؛ ليس الكائن سوى خادمٍ عند هذه الغاية. إنّ من خصائص الفرد مخادعة نفسه بخصوص مصيره واعتقاده بأنّه مولودٌ من أجل ذاته”.

ثمّة غشاوة ختمتها الطّبيعة على بصيرة الإنسان تحول دون إدراكه مقدار القسوة الّتي يساهم في استمرارها، لذلك تراه يرتكب أكبر الفظائع بضمير مرتاح، يجب على الحياة أن تستمرّ في التّدفّق دون اعتبار أهوالها. يفقد الإنسان بصيرته فيغضّ بصره عن  فداحة المسرحيّة العقيمة الّتي يعيد إنتاجها. لقد تحدّث الفيلسوف الإيطالي غويدو تشيرونيتي[3] عن هذه الصفاقة العمياء قائلًا:”يجرؤ الإنسان على السّماح لنفسه بأن يكون قاسيًا، حين يرتكب-بكلّ هدوء وبشكل متكرّر- أفظع الأعمال على الإطلاق: أن يُحدث كائنات لم يكن لتُوجد أو لتعاني وأن يحكم عليها بأهوال الحياة”.

ألّا نفعل شيئًا، يعني أن نكون في صورة الإله الكامل، لا أن نكون على شاكلة الإله العابث، فالكمال في معجم المالينخولي السّعيد رديف العطالة، والعبث رديف الخلق. لا يمكن أن نتخيّل إلها خيّرًا يصنعُ أشياء ويبعث حياةً ويضع خططا ويقرّر مصائر، محالٌ أن يكون العالم صنيع قوّة تبتغي هناء المصنوع وغبطته. لقد أصرّ الغنوصيون على رفض العالم ونفيه، وتمسّكوا بنسبته إلى “الديميورغوس” وهو إله أدنى خلق الكون من مادة الشرّ وجعل الحياة سجنًا تتوه فيه الأرواح الجاهلة بطبيعة العالم. لا يخلص من هذا السّجن إلّا العارفون، أولئك الّذين قرّروا الّتوقّف عن تغذيته بأرواح جديدة. لقد وصف الكاتب الفرنسي جاك لاكريار[4] معركة الغنوصيين ضدّ العالم قائلًا:”إنّ المعركة الثوريّة الحقّة لا تكون إلّا شاملة ولا تقوم إلّا ضدّ الطبّيعة، بما فيها طبيعة حضورنا في هذا العالم”.

الزّمنُ سيفٌ يقطعُ ولا يُقطعُ، سيلٌ يجرف ولا يُجرَفُ، خواءٌ هائلٌ يبتلعنا إذْ نسقطُ فيه ولا يكون خلاصنا إلّا حين يلفظنا فنسقطُ منه.

الموت صورة الكمال، والسّلبُ طريق الكينونة حتّى تبلغ منتهاها في الصّمت الأبديّ، لا تتحقّق كينونة المالينخوليّ السّعيد إلاّ بالسّلب، ذلك أنّها تبلغ كمالها حيثُ تفنى. كذا هو كوجيطو الوجود بالسّلب: أنا أتلاشى إذنْ أنا موجود بالعرضِ وفانٍ بالضّرورة.

الامتناع عن الفعل فضيلة نسيها الإنسان واستعاض عنها بالكدح حتّى صار التّقدّم عقيدته وديْدنهُ. يحاول موظّفو المعنى وصنّاعه أن يورّطوا الإنسان في سرديّتيْن وأن يوهموه بأنّه مجبر على الاختيار بينهما: إمّا سرديّة الحداثة والتقدّم  أو سرديّة المحافظة والنّكوص. يرى المالينخولي السّعيد أنّ طريقيْ الرَّجعة والتّقدّم يحرّكهما الدّافع نفسه: إرادة المعنى والسّعي نحو بقاء الكائن البشريّ. لا يكمن خلاف التّقدّميين والمحافظين في الجوهر والغايات، بل هو اختلاف في البرنامج والأعراض: كيف نؤبّد بقاء الإنسان ونُساهم في محافظته على سلطانه على العالم؟ كذا هو سؤالهم.

إنّ الطّريقَ في اللّاطريق. هكذا تتحدّث بوصلة المالينخولي السّعيد ذلك أنّها لا تُشير إلى دربٍ ولا تُدلُّ على سبيلٍ.

******

[1]  بيتر فيسيل زابفه (Peter Wessel Zapffe) فيلسوف نرويجي عاش بين  1899 و1990. يُعدّ أبرز وجوه التشاؤم الفلسفي. من كتاباته: “المسيح الأخير” و”في التراجيديا”.

[2]  رينيه كوينتون (René Quinton)  عالم أحياء فرنسي عاش بين 1866 و1925. اشتغل عضوا في أكاديمية الطب ورئيسًا لأكاديمية العلوم.

[3]  غويدو تشيرونيتي (Guido Ceronetti) فيلسوف وشاعر ومسرحي إيطالي عاش بين 1927 و2018.

[4]  جاك لاكريار (Jacques Lacarriére) كاتب ورحالة فرنسي عاش بين 1925 و2005. من أهم كتبه: “الغنوصيون” 1973.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This