رواية عام الجليد لرائد وحش

خيال اللّحظة الطّارئة

 

بداهة الأسئلة والخيال اللّاّجئ

جزَم ألبرت أينشتاين بأولويّة الخيال وأسبقيته على المعرفة أو المنطق، المنطق بصفته العالم الّذي يأخذك من مكان إلى آخر في شكل محدود ومعرّف، فيما الخيال، هذا الفضاء الواسع، يمتلك القدرة على الحركة والتّمدّد في كلّ مكان وزمان. هذه الحركة هي القاعدة الّتي تؤسّس لفعل التحرّر وهي نفسها المفتاح الوحيد لقفل الواقع الكابت الّذي يفشل في تخليص الإنسان من المكبوتات ومن اضطهاد الصّورة وعنف المعيش، ليصبح حضوره الأداة الوحيدة الّتي يعبر بها الإنسان إلى خلاصه.

يشكّل الخيال العمدة الأساسيّة لرواية عام الجليد للكاتب الفلسطيني السّوري، وتحكمه سلطته كوسيط بين العالم المحسوس وبين الرّوح بصفتها موطن الأفكار وأداة التّخلّص من فيض المكبوتات. ومن خلال الخيال، ملعب التّداعيات الحرّة، يبتني الروائي عوالمَ موازية للعالم الواقعيّ، لها قانونيتها ومنطقها ومآسيها وأحلامها وكوابيسها، حتّى مواطنوها يكسبون هويّاتٍ وأسماء ومنطقا يرفضُ ويقوّض الواقع المعيش المرتكز أساسا على المأساة الّتي صارت شكلا مستمرًا من أشكال الحياة اسمها “اللّجوء”.

وإذا كان الواقع قد ضيّع ملامحَ الحقيقة، وتشرّد العربيّ-السّوريّ- الفلسطينيّ في بقاع هذه الأرض وتراكَمت على ظهره محامل اللّقاطة والتّشرّد، بات السّؤال الحقيقيّ الّذي يواجهه في عام البرد والصّقيع: أهو الإنسان المنفيّ أم هو الإنسان المُلغى أساساً؟ أم أنّ اللّاجىء هو الصّيغة الطّبيعيّة للإنسان الأوّل، الحرّ، المنعتق من وزر الحضارة؟ هذا سؤال جوهريّ يتحوّل في الرواية إلى صور ورموز تأتي في هيئة تنكريّة في التّعامل مع مفهوم الموت والارتحال من جغرافيا إلى أخرى، وخطر التّحلّل والذّوبان ثمّ الموت بصفته مآلاً طبيعيًا لرحلة اللّجوء والاقتلاع، أو ما يسمّيه الكاتب “سبارتاكوس اللّاجئين” .

تشكّل كلمة اللّجوء عماد عام الجليد، فمفردة اللّجوء لا تعني فقط النّزوح والخروج من الوطن، ذلك المكان الّذي يجرّده الكاتب من صفاته المحسوسة المألوفة ويسمّيه قرية، تماما كما يجرّد الشّخصيّات من أسماءها الملموسة ويطير بها إلى عالَم طفولي كما لو كانوا جزءًا من لعبة، فيلقّبهم ألقابًا: سبارتاكوس، راديو، زمهرير، أطلس، ثلجة، كوابيس وغيرها. هذه الحركة الّتي تجرّد المكان والأشخاص من الأسماء، هي بمثابة بيان سلخٍ عن الواقع وخروج نحو اللّاواقع، لجوء إلى هويّات زائفة أخرى علّه يجد فيها خلاصًا من كبت الواقع ومآلاته. تواصل كلمة اللّجوء.. الذّوبان، الانعتاق، اللّقاطة، الحريّة، الملاذ، وظيفتها من خلال توطين الذّات داخل مملكة الخيال وتشييد منطق داخليّ فيها وابتكار شيفرات أخلاقيّة-حجاجيّة تميلُ إلى شيفرات طفوليّة كما لو كانت لعبة أطفال متّفق عليها. يبدو ذلك واضحًا في الحوارات والأسئلة الطّارئة الّتي يطرحها سبارتاكوس على الآخرين والّتي تبدو أسئلة تعمل بمنطقها الخاصّ وبداهة عوالمها لتسبح في فيضٍ من التّداعيات الحرّة وتتناغمَ مع سنّه من جهة، ومع وضعيّته النّفسيّة المكبوتة، هو الّذي يعيش موت الأمّ وفجع الأب وقسوة الآخرين، ولا شيء يمكنه أن يفعله، سوى أن يكون عبدًا لاجئًا لخياله الحرّ عوض أن يكون حرًا في واقعه العبد. وفي الحوار البارز التّالي المأخوذ من الرواية، ننتبه إلى صناعة الحوارات والأسئلة الّتي تجيء في هيئة فيضٍ من الأسئلة المتداعية الّتي تأخذنا إلى الطّابع البديهيّ- البريّ-الطّبيعيّ-الوحشيّ لسبارتاكوس الّذي يرفضُ كثافة الكرب وكثافة الصّدمات المتواصلة على أرض الواقع، فيلجأ إلى لعبة الخيالات وبداهة الأسئلة المرحة المفتوحة على كلّ جهات التّأويل. لعبة أطفال محنّكة تنزح به إلى عالم الحريّة والتّنفيس عن مكبوته:

“الابن: متى أستطيع أن آكلَ حبّة الفريز الّتي أرسمها؟

الأب: إذا رسمتها على تراب الحديقة، وسقيتها بالماء بدلًا من الألوان.

الابن: أين تنتهي السّماء؟

الأب: في اللّيل، عندما تتّحد مع الأرض، ويصبحان قطعةً واحدةً ملأى بالأضواء.

الابن: لماذا لا نضع الماء في جيوبنا مثل السّكاكر والشّوكولا؟

الأب: إذا جمّدته في الثّلاجة تستطيع أن تضعه في جيبك.

الابن: هل تحفظ القطط والكلاب الأغاني مثلنا؟

الأب: بالطّبع، كلّ هذا النّباح والمواء هو أغانٍ، بعضها للأعراس، وبعضها لتنويم الصّغار.

الابن: لماذا لا تُرسل الأشجار أطفالها إلى المدرسة؟

الأب: من قال ذلك؟ كلّ شجرةٍ مدرسةٌ يتعلّم منها صغارها، وكذلك البشر والطّيور والحيوانات. لو تعلّمنا من الأشجار لما احتجنا إلى بناء المدارس أساسًا.

الابن: لماذا لا تعود الأشياء إلى مكانها حين ننساها في مكان آخر؟

الأب: هي تعود دومًا، المشكلة أنّنا نظنّ أنّنا وضعناها في مكان آخر.

الابن: ما هي الرّوح؟

الأب (يعرض الأب بطاقة هويّته الشّخصيّة أمام ابنه): في هذه الهويّة كلّ شيءٍ عنّي، لكنّها من صنع بشرٍ مثلنا، وكلّ المعلومات الّتي فيها عاديّة. الرّوح بطاقة هويّة صنعها اللّه، وفيها كلّ الأسرار”.

في هذ الحوار، كما في حوارات أخرى يقيمها البطل مع الآخرين (كما يحدث مع معلّمه وهو يسأله عن معنى اليوم والأمس والغد)، يبني الكاتب عالمًا لغويًا حجاجيًا يعتمد الاعتباطيّة، البداهة السّائلة في ماء “المغالطات” أو التّمويه، والأسلوب الانتقائيّ في المعلومات والتّفاصيل يتهمّش من خلالها المنطق الاستدلاليّ ويصبحُ فيها الخيال كتلة مطاطيّة تتحرّك فيها صور طفوليّة غير وثيقة الصّلة بالواقع الماديّ، لكنّها في الحقيقة عميقة الصّلة مع منطقها الباطني المضادّ والثّائر الّذي يردّ عُقم الواقع وعُقم المعنى الّذي يُحدّد مصائر البشر ويتركهم للمجهول.. مجهول العبث واللّجوء.

كسر الرّتابة بمسطرة الجليد، والذّوبان المحرّر

اللّجوء كما قلنا هو قفل الرواية الصّغيرة ومفتاحها. واللّجوء هنا يأخذ معنى الهرب والإفلات والفرار من الهزّات النّفسيّة، أو هي بمعنى أصحّ الإحساس بالجرح الذّاتيّ أو السّويداء الدّائمة الّتي توصلك مع الآخرين إلى اللّامخرج. فيكون الحلّ في اختراع ملجأ-ملاذ عماده الحيوانات، الطّبيعة ومحمولاتها، الذّوبان في المتنافرات للوصول إلى أقصى درجات التّماهي مع ما هو غير بشريّ: الصّخر، الماء وحالاته، الجغرافيا وتأمّلها، والارتحال المتواصل عبر الهويّات المخترعة للبطل. من هنا تبدأ الرواية بتوصيف الرّاوي (زمهرير وحش الجليد) لشخصيّة سبارتاكوس عبد الخيال الّذي يكسر رتابة الكَون بالدّهشة المتواصلة من ظواهر الطّبيعة إلى حدّ التّماهي معها لتكون هي موطنه المنفويّ الأخير:

“بالنّسبة إليه، بدأ عدّادُ أيّامه بالجريان منذ رأى الغيم أوّلَ مرّةٍ، ومن وقتها بات شبه مقيمٍ على ذلك “السّطح لا يغادره إلاّ للأكل أو النّوم، مُنفقًا أيّامه في مراقبة الأعالي، راصدًا تحوّلاتها وتشكّلاتها دون أن يساعده عقله الصّغير على الوصول إلى تفنيد خطأ الكبار المُصرّين على كون الغيوم بيضاء، فيما يراها طوال الوقت ملوّنةً بالأحمر والأخضر والأصفر والأسود.

ومن هنا تبدأ رحلة سبارتاكوس في تكثيف الخيال وسلطته مقابل الواقع المعيش وضحالة علاقته به. فسبارتاكوس “يذوب” طوعًا في أوهامه: في نحت الخيالات حول الغيم “لتشمل كلَّ شيء في الطّبيعة: النّجوم والقمر والمطر والضّباب والغروب والفجر. يتخيّل نفسه أحيانًا يعيش في واحدة من تلك الأشياء، متحوّلًا إلى شكل آخر، هو شكله البشري بالتّأكيد، بفارق أنّه يمنح بشرَتَهَ لون وطبيعة القمر أو الضّباب، وكما تختلف أشكال البشر وملامحهم باختلاف القارّات الّتي يسكنونها، تختلف خصائص جسم سبارتكوس لكنّ وجهه يظلّ هو نفسه”.  

ويذوب في زيف المرئيّ وفي أوهام العين ولعبة المسوخ والتّحوّلات ليصيرَ جسده مخلوقًا من وحوش الجليد، وليذوب صوته في صوت زمهرير، وحش الجليد السّارد الّذي لا يفعلُ شيئًا سوى أنّ يسردُ لنا لا وعي البطل ذا الطّابع السّورياليّ المرتكز على حقائق عليا طبيعيّة مهملة، وعلى قوّة الحلم والحركة الحرّة للأفكار. من هنا، تُكسَر رتابة الواقع بألعاب تعيد صياغة الواقع وتضعه في حالة من الحركة الدّائمة الرّافضة والمتمرّدة والثّائرة والحالمة، تلك الحركة الّتي تقوم على دفقٍ من الافتراضات النّشطة والتّهيؤات الّتي يتوطّن فيها البطل وتصبح وطن اللّاجىء:

أفترض أنّ الكواكب، أو حتّى الفترات الزّمنيّة، أو الظّواهر الطّبيعيّة؛ ليست سوى أمكنةٍ بعضها يجيء إلينا، وبعضها الآخر يجب أن نذهب إليه. استطاع مع الوقت أن يطوّر قدرة عينيه الدّاخليّة على أن يرى نفسه مخلوقًا ضبابيًّا ينزل الأرض، ويبقى طائرًا في أرجائها، وحين يسأم يتلاشى أو يتحوّل إلى ندى. أو أنّه جسدٌ مصنوع من حِممٍ بركانيّة، يندفع في الأرض ويحرق كلّ ما في طريقه، وحين يشتدّ البرد وتتجمّد المياه، يبحث عن القطرات واللّطخات المائيّة المتجمّدة فوق الشبابيك، إذ تبدو أقرب إلى شمع مذاب. يتخيّلها أشخاصًا لهم أجساد، يسمّيهم “وحوش الجليد”. بين هذه الوحوش وحشٌ صغير، سيصير صديقه، وسيسميه زمهرير، يأتي إليه في ليالي الشتاء ليحكي له القصص، لأنّ أهله لا يجيدون ذلك، بسبب عمرهم القصير. وحده زمهرير صار يعود إلى الحياة كلّ شتاء بفضل الحكايات.

مخيالات متعدّدة وفيضُ حركات نشطة

لعلّ أهمّ المرتكزات الّتي يقوم عليها هذا العمل على طول فصوله هي المخيالات المتعدّدة الّتي تُفسد كثافتها الحضور وتعزّز الغياب، أو تمجّد النّقصان-الغياب وتقصي أو تنكر الامتلاء-الحضور. من هنا، نظلّ رهينة تصوّرات الصّبيّ للمعقولات، مهما بلغت درجة المبالغة والإفراط في عديد مخيالاته الّتي تشكّل فسيفساء من عوالم نكران الواقع من مأساة الموت بفقدان الأب والأمّ والعمّ، ومأساة فقدان المزرعة في الحرب الفجائيّة، ومأساة فقدان المكان والانزراع قسرا في الكامب، ومأساة الوحدة والشّعور بالمنفى هنا وهناك، إلى حين لحظة اقتلاع العينين اللّتين رأى من خلالهما مرّ الواقع وعذوبة الوهم. مرّة أخرى ثمّة تهافتٌ في العلاقة بين العلّة والمعلول، مرسيًا قاعدة جديدة تدعم الإشكالات المنطقيّة كما يراها العقل القياسيّ-الأرسطيّ تقوم على بناء علاقة حجاجيّة غير شرعيّة بين الخيال-الغيبيّ والواقع- الموجود. من هنا، فإنّ كوجيتو البطل لا يرتكن إلى العقل والتّفكير بقدر ما يرتكن إلى الحلم والوهم والألغاز في أقصى تجلياتهما وتوطين المعنى في اللّامعنى، أو لنقل، يصبح كوجيتو الخيال ميكانيزم دفاع في وجه الواقع، وشكلا تجريبيًا من أشكال النّجاة ووطنًا للاجىء منذ لحظة الصّفر، لحظة تسبق وعيه الماديّ باللّجوء.

ولعلّ الكاتب يصف العلاقة الوطيدة بين الخيال والواقع في أفضل شكل في المقطع التّالي:

الخيال أكبر حقائق الوجود البشريّ. يركض الإنسان خلال مسعاه الحياتيّ وراء خياله طامحًا إلى جعله واقعًا. أكيدٌ أنّه قلّما ينجح في ذلك، لكنّ الأكيد أكثر أنّنا لولا التّخيّلات والمنامات وأحلام اليقظة الّتي تسند أجسادنا وأرواحنا لسقطنا في الهاويّة. أن يتخيّل شخصٌ أنّه يطير أو أنّه يسبح في ذهب مغارة علي بابا، فهذا يعني قطعًا أنّه دخل مغارة، وليس هناك شيء غير حقيقي سوى عدم اقتناع الآخرين بذلك (رائد وحش، يوميات غير منشورة).

وهذا ما يتحقّق بدقّة في رواية عام الجليد حيث يتحرّر الطّفل اليتيم من مستويات الخوف والكبت والانفلات من رهاب اللّحظات الطّارئة في حياته عبر المخيال التّجريبيّ، فها هو المخيال الفانتاستيكيّ ينقذه من مواجهة لحظة موت أمّه الماديّ وهو في بيت العزاء يستمع إلى حشرجات بكاء والده، ويراقب الحمامة الّتي بادلها اليد وبادلته الجناحين ليحلّق بهما عاليًا بعيدًا في السّماء عن مشهد موت الأمّ، المأساة الّتي أحدثت في نفسه شرخًا لا يمكن مواجهته بآليات ملموسة. وعلى عكس أسطورة ديدالوس، يقوم المخيال الفانتاستيكيّ لسبارتاكوس- إيكاروس، بتحويل الأب الفاجع “ديدالوس” ، إلى طفلٍ يتعلّم الطّيران على يد الصّغير ولا يذوب الجناحان ولا يسقط الاثنان على أرضيّة فاجعة موت الأم والزّوجة. كلاهما يتحرّران من عبء المَوت باللّجوء إلى ما يحميهما من كبت الفاجعة:

“جلب بخياله حمامتين، كريمة مع أخرى، ثمّ جلب أباه، وبهدوء شديد جدًّا جرت مبادلة الأيدي بالأجنحة. ثمّ طارا. بدا طيرانُه طيرانًا محترفًا، بينما أوشك الأب على السّقوط بين حين وآخر، فعاد ليطير بمحاذاته لكي يعطيه بعض التّعليمات: “افتح الجناح هكذا”، قالها وهو يفتح جناحيه، ففعل الأب مثله، ثمّ أسرع بالقول: “بعد قليل فقط رفرف عدّة رفرفات هادئة، وعد إلى فتح الجناحين”، فعلها الأب بنجاح تامّ، إلى درجة أنّه حين تمكن من السّيطرة على جناحيه سبق الصّغير بمسافة جيّدة، وقد سمعه بصعوبة يقول ضاحكًا: “عجيب أن تعلم صغارُ الطّيور كبارَها أصول الطّيران!”.

وعلى نفس المنوال يمتلئ الصّبي بالمخيال الحيوانيّ والجغرافيّ الّذي يعود من خلالهما إلى صورة  الإنسان الأوّل، الشّكل الأكثر ارتباطًا بالبهيميّة والغريزة والطّبيعة، ليكرّر أسماء الطّير والشّجر والحيوانات الأولى كالدّيناصورات والدّواب الأخرى، ونحت صورة الحيوان الرّباعي الّذي يمتطيه حتّى وهو يحرّر طاقته الجنسيّة. هناك، في ذلك المشهد يتحوّل الجنس إلى حالة من التّماهي مع فكرة اللّجوء إلى الطّبيعة، ويتكثّف حضورهما في قلب الرّهزات لتصير النّار والماء والهواء والتّراب وما يسكنها من حيوان وميّت، ليشكّلا  أنقى حالات الفطرة وأكثرها إحساسا بالحريّة كما يصف المشهد التّالي:

“ألقته إلى السّرير بهدوء وجلست فوقه جاعلةً إياه يولجها، وهي تئنّ أنينًا مستعارًا.

في الرّهزة الأولى، رأى الأشجار تمتلئ أغصانها بالحمائم.

في الثّانية، رأى نهرًا تتقافز فيه الأسماك.

في الثّالثة، المعلّم وخريطته.

في الرّابعة، الغيوم الّتي تندفع من سيجارة.

في الخامسة، قبر جميل يتوسّط مرجًا أخضر.

سرّعت المرأة رهزاتها فتسارعت الصّور في رأسه: أشجار، حمام، نهر، أسماك، أستاذ، خريطة، غيوم، سيجارة، قبر.

تحوّلت أنّات الفتاة المصطنعة إلى أنّات متعة حقيقيّة، فانقلب فوقها دون أن يصاب بأي حرج، وبدأ يرهزها بقوّة تتسارع مع تسارع تداخل الصّور في رأسه:

رهزة تجعل الأشجار مصنوعة من الماء، وعلى أغصانها بدلًا من الثمّار سمكٌ.

رهزة تجعل النّهر أوراقًا خضراء متدفقة، وحمامٌ يسبح تحته بأجنحةٍ مفتوحةٍ.

رهزة تجعل الأستاذ يقف في السّماء، وخريطته مصنوعةٌ من الغيوم.

رهزة تجعل الغيوم تتحوّل إلى يد، تفتح القبور كصناديق وتنكز بالسّبابة الميّت فيها، فيصحو وينهض ماشيًا”.

وعلى المنوال نفسه مخيال الأحلام والكوابيس والهذيان، الّذي يتحوّل إلى نفق غريزيّ يتماهى مع رغبته في تحرير الباطن من المحظورات، من الرّغبة والشّبق بمضاجعة أمّه، من الغضب والعنف بتحطيم القبور، وإثارة الفزع في الآخرين، والانفلات من الموجود عبر اللّاموجود.

الوعي بالهزيمة: الموتى غرباء والغرباء موتى

تقوم رواية عام الجليد على صَوتين رئيسيّين، ربّما مع الوقت نكتشف أنّهما صوت واحد، أو عينٌ ترى وصوت يسرد، هو صوت  زمهرير السّارد، وحش الجليد، المهدّد بالذّوبان، وعين سبارتاكوس، الطّفل الّذي يحارب وضوح المعنى عبر الإسراف باللّامعنى، ويتحرّر بالخيال من سطوة المأساة، الّتي نراها في موت الأهل ودمار القرية والخروج إلى الكامب. هذه العين الّتي لا تنكرُ ما ترى، وتقرّر هندسة العالَم بالخيال اللّامحدود واحتضان الموجود بالخيال ثمّ تفسيخه وإنكاره ومدّه إلى أقصى حدود التّجريب. ولعلّها هي العَين، بطل الروايّة الحقيقيّ، الّتي يشيّد البطل بسببها مملكة من البراهين وخيالا مرنًا مفتوحًا على ما لا نهاية من الإمكانيات والفرص يُلغى الصّراع بين البرهان العقليّ والخيال. وربّما هي العَين الّتي تُعطى في نهاية الرّواية المساحة الأكبر لتعبّر عن فظاظة الاغتراب وقسوة الموت وهزيمة الواقع، هذه العين الّتي يسردها زمهرير وحش الجليد، الّذي لا نعرفُ تماما ما هو، من هو، مم هو مصنوع، أهو خيال سبارتكوس، أم تراه عينيه،  أنّه هو سبارتكوس نفسه؟

في حالة اغتراب قصوى، تخرج العينان من وجه سبارتكوس، ويطير زمهرير على هيئة العينين في فضاء المكان مناديًا سبارتكوس اللّاجىء النّائم على سريره بأن يتبعه لينتهي ميتًا تحت الثلج بلا عَينين:

“وصل الباحة الّتي كنت أنتظره فيها، وسار على الثّلج يتبع طيراني الواطئ. حين وصل مكانًا ثلجه أعمق من غيره انبطح على وجهه، فأمرْتُ الثّلج أن يغطيه بالكامل. راقبتُ الكامب. في البداية بحثوا عنه عدّة ساعات، وحين سمعتهم يتحدّثون عن هروبه عرفتُ أنّهم لن يبحثوا أكثر. ما إن انقضى الشّتاء وذاب الثّلج حتّى وجدوا جسده المفارق للحياة كما هو، سوى أنّهم سجّلوا في تقاريرهم غيابَ العينين غير المفهوم، دون أن يعرفوا أنّ عينيه معي، أو صارتا أنا، ودون أن يعرفوا أنّني أتجوّل مع الشّتاء، من بلدٍ إلى بلدٍ، ولا أضيّع وقتًا في تسجيل كلّ شيء بجسدي على النّوافذ”. 

لم يعد القالب الحكائي العادي قادرا على توصيف فرط اللّامعقوليّة الّتي أصابَت الواقع العربيّ عمومًا والسّوري على وجه الخصوص، الواقع الّذي صار اللّجوء فيه قفل الحياة ومفتاحها، ومن هنا كان الرّد العنيف في عام الجليد باللّجوء إلى الأفق الأسطوريّ القديم، المتمدّد والمتعدّد، حركة حفرٍ ونبشٍ في اللّجوء. اللّجوء إلى الأسطورة، اللّجوء إلى الطّبيعة وعناصرها، اللّجوء إلى الخيال في ظلّ اللّحظات الطّارئة وفتحه على الموت بصفته تاريخًا قديمًا وحديثًا يؤسّس للغربة الجديدة والهزيمة واللّامعنى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This