علي زيعور ومالك بن نبي رائدان في علم اجتماع التّنمية

التّعريف بالكاتبَيْن:

ألّف الدكتور علي زيعور(1) العديد من الكتب الّتي تهتمّ بشؤون المجتمع العربيّ، والفلسفة العربيّة والاسلاميّة، والوسيطيّة المسيحيّة، والهنديّة. اشتغل في البحث في  شؤون التّنمية في كتابه “التحليل النفسي للذات العربيّة من مونوغرافيا قريّة الى التنميّة الوطنيّة”.  درس  قرية عربصاليم، وهي قرية من قرى جنوب لبنان، اعتبرها قرية نموذجيّة وممثّلة  للقرى اللبنانيّة وقرى الرّيف العربيّ في مشاكلها التّنمويّة والحضاريّة…. كان الانطلاق من تنميتها إلى التّنمية الوطنيّة. فدرس المستويات الثّقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة على غرار الدّراسات الميدانيّة لوصف مجتمع القرية والرّيف لينتهي إلى أنّ حالة التّخلف، الّتي يتّسم بها مجتمع القرية، هي حالة يمكن أن تُعمّم على قرى لبنان بأجمعها، مهما اختلفت المعتقدات الدينيّة فيها ممّا هو معروف في لبنان من قرى مسيحيّة وقرى إسلاميّة وقرى مختلطة. واختار أستاذنا زيعور، على سبيل المقارنة، إحدى القرى القريبة من القرية المأخوذة كعيّنة، وهي قرية جرجوع الّتي لا تختلف مستويات الثّقافة ، حالة وحركة السّكان فيها عن حال بلدته رغم أنّها قرية مختلطة .

يقارن الدّكتور علي تاريخ القرية الماضي في أبعاده الثّقافيّة والتّاريخيّة والطّبيعيّة الفيزيائيّة  وبداية التغيّر الّذي بدأ يحصل في مطلع الثّلاثينات على إثر احتكاك العديد من سكّانها في مدينة بيروت وما جلبوه منها من منتوجات كهربائيّة وأدوات وما أحدثته في مجتمع القرية، حيث رصد أكثر من خمسة وثلاثين منتجا أثّرت في حالة السّكان وفي مفاهيمهم وتقبُّلِهم وإقبالهم على هذه المنتجات، وجرى تحليل انتقالِ عدد من السّكان إلى المدينة، وهجرة العديد من السّكان إلى الخليج بعد أن أصبح الاقتصاد الزّراعي للقرية غير كاف لإعالة سكّان كانوا يزْدادون بمعدّل مرتفع نتيجة تحسّن الوضع الصّحيّ وإسهام  المعتقدات الدينيّة الّتي تحضّ على التّناسل والتّكاثر. وهذا، بالإضافة إلى ميل المجتمع الريفيّ الّذي يرى في كثرة الأولاد زيادة في المواقع الاجتماعيّة  لمجتمع ينقسم إلى عائلات تتنافس على المكانة الاجتماعيّة، وتتعاون في نفس الوقت على التّغلّب على المشكلات الزراعيّة. وعلى هذا فقد نشأ في القرية مشروعان لجرّ المياه من النّهر المجاور لزيادة الانتاج الزراعيّ  في إطارٍ من التّنافس والعصبيّة والانقسام بين العائلات.

وهذان المشروعان الرّائدان تسبّبا في تميّز القريّة العيّنة  وتحوّلها فيما بعد إلى نقطة استقطاب لمشاريع تربويّة وعمرانيّة، وثابت أنّ نظريّة تنمويّة شكّلت إطار المساهمة في دراسة واقعٍ يُراد تحويله من مجتمع ريفي متخلّف إلى تنمية كان يُراد لها في السّتينات أن تعمّ جميع مناطق لبنان.

في ذلك الوقت أنشأت الدّولة وزارة للتّصميم تُعنى بحاجات المجتمع الريفيّ. فانتشرت الدّراسات المونوغرافيّة لاستكشاف آفاق التنمية، وتأسّس لهذه الغاية معهد للعلوم الاجتماعيّة  للتّعمّق في دراسة المجتمع الريفيّ بلبنان، ونقله إلى حالة المَدَنيّة السّائدة في أوروبا. فانتهجت الدّراسات أسلوب الدّراسات الأوروبيّة وبالمناهج الميدانيّة في الجانبين النظريّ والمنهجيّ حيث وصل علم الاجتماع إلى أنَّ أيّ دراسة لمجتمع القرية يندرج تحت ستّ مستويات تقليديّة معروفة هي: الإقتصادي، السكّاني، المدرسي، الزّراعي، الإقامي، الخدماتي (ولقد أضاف إليها علي زيعور مستويات هي: الحضاري، المدني، الصّحة النّفسيّة، التّعبّدي أو الإيديولوجي ومستوى التّواصل الاجتماعيّ.(راجع المدرسة العربيّة في علم الاجتماع).

2- علم نفس النّمو والتّغييرِ الحضاري أو علم التّحوّل في المجتمع والفكر والشّخصيّة:

إذَن، التّغيير هو المفهوم الّذي بدأت تعمل عليه دراسات التنميّة والمجتمعات للانتقال إلى مجتمع يماثل المجتمعات المتقدّمة الّتي عرفت تغيّراً كاملاً وشاملاً بسبب النّهضة الصّناعيّة. وهكذا فقد أصبح التّصنيع هو الهدف الّذي تسعى إليه المجتمعات العربيّة والاسلاميّة الّتي كانت كلُّها تُعتبر وما تزال مجتمعاتٍ متخلّفة، بالاضافة إلى المجتمعات الهنديّة والصينيّة والافريقيّة، ممّا حدا بالأمم المتّحدة إلى تخصيصِ عقدين كاملين للتّنمية بين السّنوات 1961 – 1981 . في هذا الحقل أسّس علي زيعور ما سمّاه علم نفس التّحوّل الحضاري الّذي درس حالات الانتقال من التّقليدي أو المعهود إلى العالم الحديث أو المعاصر. فكشف على سبيل المثال أنّ البرّاد أدخل وحذف أكثر من عشرين إلى ثلاثين تغييراً في الشّخصيّة والتّواصليّة، وفي التّفكير وفهمِ الألوهيّة والدّين وفي السّياسة والقِيَم والمجتمع.

صحيح أنّ علي زيعور انطلق من دراسة مجتمع محلّي، ولكنّه وضع ذلك داخل إطار المجتمع العربيّ الّذي لا يختلف كثيرا عن هذا المجتمع المحلّي الّذي درسه. ورأى أنّ دراسته يمكن أن تُعمّم على التّحليل الشّامل للمجتمع اللّبنانيّ، ومن ثمّ إلى التّعميم أيضا على المجتمع العربيّ والنّفسيّة العربيّة الّتي رآها واحدة أو متشابهة  في سائر المجتمعات العربيّة والحضارة العربيّة، الّتي كانت هاجسه الأساسي، للارتقاء بها وجعلها أمّة رائدة كما كانت في مجال الحضارة العالميّة، وبالأصحّ إلى العودة بها إلى مرتبة الصّدارة، كما كانت في أيّام العبّاسيين والأمويين، ومن قبل عند بداية انتشار الإسلام.

3- المحلّل زيعور والمفكّر مالك بن نبي:

من هذه الزاوية يلتقي المفكّر الأوّل مع المفكّر الجزائري مالك بن نبي(2) الّذي انطلق في دراسة ظاهرة التّنمية من بلده الجزائر حيث كان ما يزال يعيش تحت الاستعمار. فرأى في كتابه “شروط النّهضة” أنّ مفهوم الحضارة هو المفهوم الّذي يصلح لدراسة المجتمع، وذلك استنادا إلى أنّ هذا المفهوم توصّلت إليه الدّراسات الغربيّة انطلاقا ممّا وصلت إليه أوروبا في القرن العشرين. ولكنّه رأى أنّ التّغير الّذي يتمّ في هذا الإطار ينطلق من تحليله للحضارة الّتي رأى أنّها تقوم على فكرة الإنسان والوقت والتّراب، الّتي تشكّل الحضارة. في رأيه، أنّ إنسان + وقت + تراب= حضارة.  ولكنّ الحضارة المكوّنة من هذه العناصر الثّلاثة لا تتحرّك إلّا بفضل شرارة دينيّة تبعث فيها نقطة الانطلاق لبناء الحضارة الّتي تُنتج الطّائرات والسّيارات، والقطارات وجميع المنتجات الّتي تتميّز بها الحضارة الغربيّة.

لقد انتقى مالك بن نبي أسلوب تحليل الحالة النّفسيّة الماكرويّة ليصل إلى التّغيّر النّفسي والحضاري الميكروي بتأثير الفكرة الدينيّة، منطلقا من الآية الكريمة” إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم”. وعلى هذا الأساس ينطلق التّغير الّذي لا بدّ له من أن يأخذ بأسلوب الحضارة الغربيّة في التّصنيع الّذي تأكّد أنّه لا بدّ منه لبناء الحضارة القافزة.

وضع مالك بن نبي إطاراً لدراسته للنّهضة هو الإطار الاسلامي، حيث رأى أنّ نفسيّة المسلم هي الّتي تأثّرت بالتّغير وتحديدا ضدّ التّغير والميل إلى الانحراف الّذي بدأ منذ استلام معاوية للحكم في القرن الأوّل الهجريذ. ولم تستمر هذه الحضارة إلاّ انطلاقا من الشّرارة الأولى الّتي أحدثها الدّين عند ظهور البِعثة وحملها من قبل أفراد ناضلوا من أجل الإسلام وقاوموا الحكّام حتّى وصلتْ هذه الحضارة إلى أواخر انحطاطها في عهد أواخر الموحّدين. وإذا أردنا أن نعود اليوم إلى سابق عهدنا ممّا كنّا عليه من حضارة، فما علينا إلّا أن نُحسِن إدارة مجتمع يتكوّن من الانسان والتّراب والوقت بفعل الشّرارة الّتي يوقدها الدّين، أي عندما يبدأ التّغيّر بتغيير النّفس، النّفس الإسلاميّة (راجع مالك بن نبي، م.ع.).

4- مقارنة بين الكاتبين حول الأهداف والحقول المنهجيّة:

بعد استعراضنا للأفكار الرئيسيّة في عمل كلٍّ من هذيْن المفكِّريْن نستعرض النّقاط الرئيسيّة للتّوافق والاختلاف بينهما:

يتّفق الكاتبان على أنّ أهداف كلّ منهما تتقارب مع الآخر، ولا تختلف إلّا ضمنا بعض الشّيء. بداية، عند علي زيعور يكون إطار الدّراسة هو المجتمع العربي، ويضع الأستاذ مالك إطارا لأهدافه هو المجتمع الإسلامي، أو الحضارة الإسلاميّة. وإنْ شئنا التّعريف بالمجتمع العربيّ الّذي يهتمّ به الدكتور علي، لقلنا هو مجتمع عربي ثمّ، إسلامي حضاري، والمجتمع الّذي يهتمّ به الأستاذ مالك هو المجتمع الإسلامي العربي بالدّرجة الأولى، وهذا بسبب انتمائه إلى الجزائر ولجوئه السّياسي إلى القاهرة وكونه ابن الحضارة العربيّة الاسلاميّة.

ينطلق الأستاذ علي من الدّراسة الميدانيّة الجزئيّة لينطلق إلى الكلّيّة، هذا فيما ينطلق الأستاذ  مالك من الدّراسة الكلّيّة إلى الهدف الجزئي، حيث يصل بالدّراسة إلى ضرورة تغيّر الفرد. بينما بَحَثَ الدكتور علي في دراسة المجتمع الجزئي لتغيّر الكلّ ومن ثمّ الفرد معتبراً أنّ الهدف الرّئيسي هو تغيّر هذا الفرد. وهنا نتساءل هل توصّلا إلى نفس النّتيجة؟ هنا نتوصّل إلى ضرورة استعمال منهج الدّراسة كي نعرف أين يلتقي المنهج الميكْروي للدّكتور علي مع المنهج الماكْروي للأستاذ مالك.

بالنّسبة للأهداف نرى أنّ الكاتبان يلتقيان. ولكنّهما في التّصنيف يختلفان. ففي حين يميل الدّكتور علي إلى منهج علم النّفس الاجتماعي، يتكشّف أو يُعتبر مالك أقرب إلى الاصلاح الدينيّ. (را: المناهج في العلوم الإنسانيّة داخل المدرسة العربيّة في النّفسانيات والإجتماعيات)

لابدّ أن نشير أخيرا إلى أنّ وجهة بحث الدّكتور علي هو أقرب إلى مفهوم المدَنيّة،  وهي السّياق التّاريخي العالمي للتّوصل إلى نتائج عمليّة. في حين أنّ وجهة بحث الأستاذ مالك هو أقرب إلى مفهوم الحضارة الّتي تُغيّر الإنسان لتغيّر المجتمع. والهدف لكلّ منهما هو الارتقاء بالإنسان سواء العربي أو المسلم أو القادم  من سائر البلدان المتخلّفة إلى مستوى مستقبلي  يصبح فيه التّعايش العالمي أقرب إلى التّعاون والتّشارك من أجل السّلام العالميّ والتّعاون من أجل وحدة “المجتمع البشريّ العامّ”على حدّ قول الفلسفة اليونانيّة العربيّة اللاّتينيّة.

أخيرا، يركّز الكاتبان على الجانب النّفسي في الثّقافة، الأوّل “الدّكتور علي” من حيث التّشخيص والتّحليل وإبراز جوانب الإختلال والمرض في الظّاهرة، والثّاني “الأستاذ مالك” من حيث الاستبطان والحثّ على التّغيير.

الأوّل يضعك أمام الحالة بواسطة الإحصاء والتّحليل، للفهم والخروج من حالة المرض إلى الصّحة والاتّزان والصّلاح. والثّاني يضعك أمام الحالة  للتّحسّس والمعاناة من أجل تغيير الذّات والواقع. وفي جميع الأحوال ان الكاتبين متلاقيان: هما من دعاة التّغيير والإصلاح الوعظيّ عند الأستاذ مالك، يغلب فيها منهج التّحليل وطرحِ العلاج عند الدّكتور علي.

********

(1) مالك بن نبي: مفكّر جزائري تخّرج مهندسا كهربائيا من فرنسا. اهتمّ بشؤون المجتمع الجزائري عندما كان محتلا من قبَل الاستعمار الفرنسي، فألّف كتبا عديدة منها: كتاب شروط النّهضة، وجهة العالم الاسلاميّ.  إلتجأ إلى القاهرة في عهد الرّئيس عبد النّاصر، وألّف كتاب الفكرة الإفريقيّة الآسيويّة بمناسبة مؤتمر باندونغ.

(2) علي زيعور: أدخل في السّتينيات الماضيّة علم النّفس والاختبارات الذاتيّة إلى دار الإذاعة وإلى المجلّات اللبنانيّة الّتي كان منها: طبيبك، الآداب، رسالة التّربية، العلوم، المعارف. يُعدّ أوّل من كتب في التّحليل النّفسيّ والصّحة النّفسيّة …..قال بصقل وتزخيمِ مدرسةٍ عربيّة راهنة في كلٍّ من النّفسانيات والفلسفات وعلم الاجتماع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق