مقتطف من كتاب: “الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة دراسة جندريّة” للدكتورة آمال قرامي

إنّ البحث في الاختلاف هو محاولة لمقاربة الإنسانيّ على نحو يتجاوز المنطق الثنائي الّذي يرفض التّعدّد والتّفرّد وصرامة الحدود بين الذّكورة والأنوثة، الغنى والفقر، الخاصّة والعامّة، وغيرها من التّصنيفات الّتي تضع مسافة بين الأنا والآخر المغاير فتولّد العنف.

ولا يمكن لنمط العلاقات بين الجنسين أن يتغيّر ما لم تتبدّل البيئة الثّقافيّة: من التّصور الرأسي إلى التّصوّر الأفقيّ ومن علاقة التّراتب إلى علاقة المساواة.

أرسى المجتمع العربي الإسلامي نظامه على قاعدة التراتبيّة، وهو في ذلك، لا يختلف عن مجتمعات كثيرة. وجعل العلاقات التّبادليّة بين جميع أفراده خاضعة لهذا التّصور. واعترف بأصناف من الاختلاف رأى أنّها مشروعة مثل اختلاف النّبي عن سائر البشر، والسّائس والعالم عن العامّة، وبذلك تحوّلت هذه النماذج إلى رأسمال رمزي يبرّر ضروب الاختلافات ويعلّل سبب حصول فئة من الامتيازات دون البقيّة. ومن ثمّة تنزّلت ظاهرة الاختلاف بين الجنسين أو القانونيّ أو الاختلاف الجغرافيّ، وغيرها من صور الاختلاف في إطار هذا البناء الهرميّ الّذي حكم انتظام الاجتماع البشريّ، بل نظام الكون.

ومكّنتنا زاوية النّظر الّتي اعتمدناها في معالجتنا لظاهرة الاختلاف، من تبيّن أنّ النّساء شكّلن بالفعل طبقة في مقابل طبقة الرّجال. وقد حرص المجتمع على وضع المسافة بين الجنسين: معارف الرّجال في مقابل معارف النّساء ولغة الرّجال في مقابل لغة النّساء، إلى غير ذلك من أوجه التقابل المبنيّ على التّفاضل، والّذي يعدّ الرّجل الأصل والمعيار لكونه مؤسس اللّوغوس (le logos). وقس على ذلك بقيّة مظاهر الاختلاف: طبقة الأحرار في مقابل طبقة العبيد وطبقة الخاصّة في مقابل طبقة العامّة، إلى ذلك غير ذلك. وبدت كلّ طبقة منغلقة على ذاتها مخصوصة بصنف من الأحكام. وارتكزت العلاقة بين مختلف الفئات: الرّاعي بالرّعيّة، والرّجل بالمرأة، والسيّد بالمسود، والشّيخ بالمريد، والمسلم بغير المسلم، على أساس الهيمنة وإدانة معارف الآخر وقيمه وتصوّراته وسلوكه. وعلى هذا الأساس تفرّع المجتمع إلى أصناف متقابلة. فلا يستوي الرّجل والمرأة ولا يسوّى الحرّ بالعبد، كما أنّ المسلم يعدّ أعلى منزلة من معتنقي الديانات الأخرى. وفي داخل الجسم الإسلاميّ ذاته لا يتساوى العالم مع الجاهل، ولا المرأة ذات القدر مع المرأة المتواضعة.

وهكذا صار الجنس والطبقة والسّن والدّين والعرق من المعايير الّتي تؤخذ في الاعتبار عند ضبط حقوق الفرد وواجباته وتحديد علاقته بالآخرين ولم تكن المساواة تعني التّماثل والتّناظر وبلوغ الأفراد الدّرجة نفسها في القدر واستمتاعهم بالحقوق نفسها وتكاملهم، وإنّما نظر إليها على أنّها العدل في احترام مبدأ التراتبيّة ومراعاة المفاضلة والدّرجة وإنزال النّاس مراتبهم والعمل على أن يحتلّ كلّ فرد موقعه داخل النّظام.

وأفضى ذلك إلى اعتبار التّمييز بين الأفراد، أداة أساسيّة تضمن للمجتمع استمراره وتحفظ التّوازن بين مختلف أنساقه.

*******

المصدر:

آمال قرامي: الاختلاف، في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة “دراسة جندريّة”، دار المدار الإسلاميّ، مارس 2007، ص ص 936-937.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This