أصل الحياة وتطوّرها (ج3)

دراسة في دراما نشأة التّركيبات البيولوجيّة وتطوّرها

لقد كانت أوّل كائنات نشأة، بسيطة وأشبه بالبكتريا، وعلى مدى قدر هائل من تاريخ الحياة على الأرض، كانت هذه الكائنات هي كلّ شيء حيّ، إذ ترجع أوّل آثار للحياة المسجّلة في الحفريات إلى نحو 3،5 مليار سنة، ومنذ ذلك الوقت، كانت هذه الميكروبات فقط هي سكّان الأرض طوال 2،7 مليار سنة، كانت مجرّد خلايا مفردة، أو في أقصى صورها تعقيداً، عبارة عن سلاسل أو ألواح من الخالايا المتطابقة. أمّا كلّ ما نفكّر فيه اليوم باعتباره حياة ترى بالعين المجرّدة، نشأت خلال ال 800 مليون سنة الأخيرة.

وعمليّة الانتقال من مرحلة وحيدات الخليّة إلى مرحلة كثيرات الخلايا الّتي تعتبر حاسمة في تاريخ الحياة البيولوجيّة على الأرض، تصبح أكثر وضوحاً عندما نعرف أنّ ذلك لم يتمّ من خلال مفهوم الاتّحاد الخليويّ بالمعنى المعروف الحرفيّ للكلمة، ففي الواقع تنشأ الكائنات الأعلى عن طريق انقسام خليّة تدعى بويضة بشكل أنّ الخلايا النّاتجة عن الانقسام المتتالي لهذه الخليّة لم تعد كما كان يحصل لدى وحيدات الخلايا منذ المليارات من السّنين تنفصل عن بعضها البعض. وتشير جميع الدّلائل على أنّ نشوء متعدّدات الخلايا نشأ منذ حوالي المليار سنة وقد نشأ بنفس الطّريقة المذكورة. وأحد البراهين على ذلك هو أنّ بعض المتعضيات لم تزل حتّى يومنا هذا تحتفظ بهذه الطّريقة الانتقاليّة كالبكتريات، وبعض الأشنيات الخضراء البدائيّة الّتي لا تزال تشبه الخليّة القديمة عديمة النّواة.

إنّ الانتقال إلى مرحلة الكائنات متعدّدة الخلايا يمثّل خطوة هامّة من خطوات التّطور البيولوجيّ حيث نتج مبدأ تقسيم العمل بين الخلايا الّتي يتألّف منها الكائن المركّب، وزيادة التّخصص تعني زيادة في التّعقيد والارتقاء. وعند هذه المرحلة يبدو أنّ التّنوع بدأ يظهر مع ظهور الخلايا الجنسيّة المختّصة والانتقال من مرحلة التّكاثر اللاّجنسيّ إلى مرحلة التّكاثر الجنسيّ، يقول العالم (نول) *:”مع نشوء الجنس حصلنا على الكثير من الاتّحادات الجينيّة وبالتّالي على الكثير من احتمالات التّغير”. حيث تعلّمت الخلايا حقيقيّة النّواة كيف تسهم في مواردها الوراثيّة أثناء التّكاثر، وكانت هذه البداية للتّكاثر الجنسيّ كما نعرفه، وإنّها لميزة أساسيّة لآليّة التّكاثر هذه أنّها تسمح بتبادل وراثي أسرع، بما في ذلك مبادلة التّنافس حول الموارد مع الأنواع الحيّة الأخرى، ولا يعرف أحد متى ظهرت أوّل الأنواع للتّكاثر الجنسيّ. لعلّ هذا الحادث المذهل في التّاريخ البيولوجي قد حدث منذ أكثر من 600 مليون سنة، وساهم بالإسراع نحو تطوّر أكثر تعقيداً.

والواقع أنّ هناك طفرتان رئيسيتان في التّطور البيولوجيّ نتج عنهما تعقّد متعدّد الخلايا أكبر. الطّفرة الأولى: تعرف بأنّها “إدياكاريّة” وهي منطقة في جنوب أستراليا حيث تمّ العثور على هذه الأحفوريات الأقدم. فكانت أجسام هذه الكائنات ليّنة، بينما ينقصها بشكل كامل العظام أو القواقع، استمرّت هذه الفترة بين 575 – 542 مليون سنة. والطّفرة الثّانية: حدثت منذ نحو 540 مليون سنة واشتملت على ظهور نطاق من الكائنات الحيّة المعقّدة الّتي لديها عظام وقواقع صلبة، وتعرف حقبتها بالانفجار “الكمبري” بسبب سرعة ظهورها في حقب الحياة القديمة “العصر الكمبري”، وهو اسم مشتقّ من مقاطعة ويلز في بريطانيا الّتي اكتشف فيها أوّل حفريات هذا العصر. تمثّل الحفريات الكمبريّة كلّ النّظم البنيويّة العامّة والتّصميمات الهيكليّة الموجودة في الكائنات الحيّة المعقّدة المعاصرة. ولعلّ السّبب في هذا الانفجار البيولوجي المفاجيء بين عصرين يرجع – كما ذكرنا- بشكل كبير إلى إنتقال مفاجيء من عصر جليدي واسع النّطاق، إلى حالة دافئة كما بيّنت طبقات الصّخور الّتي تعود إلى تلك الفترة، وقد يكون ذلك سببه عمليات تكتونيّة الصّفائح الّتي حرّكت طبقات القشريّة الأرضيّة وخلفت ظواهر هائلة من البراكين ساعدت على زيادة حرارة الأرض، ولعلّ نهاية كرة الثّلج في الأرض قد أدّت إلى الارتفاع المفاجيء في الأوكسجين في المحيطات نتيجة زياد النّشاط البيولوجي، ومن ثمّ أتاح ذلك الأمر وقوداً وفيراً لابتكارات متعدّدات الخلايا.

أمّا المرحلة التّالية من مراحل التّطور البيولوجي العظمى، فقد تمثّلت بصعود بعض الكائنات الحيّة من المياه إلى اليابسة. لقد كانت الأشكال الحياتيّة الأولى الّتي تكيّفت مع الخواصّ الفيزيائيّة لمحيطها المائيّ السّائل متعدّدة، وبما أنّه وعلى بعد قريب من الشّاطئ يصبح الوصول إلى القاع أمر غير ممكن فقد كانت أفضل طريقة لحلّ هذه المشكلة هي اليوم بمطابقة الوزن النّوعي للماء مع الوزن النّوعي للجسم، ولتحقيق هذا الهدف، طورّت الحياة حويصلات هوائيّة تملأ بالغازات الخفيفة في مقدّمتها الأوكسجين نستطيع نفخها وتنفيسها كيفما نشاء، فأخترعت أداة مدهشة للعوم والغطس. ومن البديهي أيضاً أنّه كان يوجد منذ البداية متخصّصات قاعيّة أي أشكال تكيّفت مع العيش في القاع على الأرض الصّلبة، وكان يوجد أيضاً عدد من العائدين، أي حيوانات عادت للعيش عائمة في الماء بعد أن ملّت العيش المتواصل في القاع عدّة ملايين من السّنين، ولم يزل بعض هذه الأنواع قائم حتّى اليوم، كالرّوخا، وهو أحد أنواع القرش، الّذي يعود بنا إلى ذلك التّاريخ ليس فقط بشكله المسطّح النّاتج عن التماس مع الأرض القاعيّة، وإنّما بوزنه النّوعي الأثقل من الماء الأمر الّذي يعتبر غير عادي بالنّسبة للأسماك، وقد اضطرّت هذه الأسماك لكي تبقى عائمة أن تستخدم الأطراف الخارجيّة لجسمها كأجنحة طيران حيث تقوم بتحريك تلك الأجزاء باستمرار بطريقة اهتزازيّة وذلك تعويضاً عن فقدانها لحوصلاتها الهوائيّة خلال فترات حياتها القاعيّة، وبما أنّ هناك قانون عام في النّظريّة التّطوريّة ينصّ على أنّ العضو الّذي يضمر لا يعود مرّة أخرى حتّى وإن عادت الظّروف القديمة الّتي كان يعمل بها، نجد ذلك النّوع من السّمك اضطرّ بعض ضياع حويصلاته لاستخدام وسيلة تكيفيّة أخرى تمثّلت بالطّيران، فبمجرّد توقّف حركتها الاهتزازيّة تهبط للأسفل فوراً.

في الواقع لم يعرف السّبب المباشر في صعود بعض الكائنات الحيّة من بيئتها المائيّة المستقرّة إلى بيئة اليابسة الأشدّ صعوبة واضطراباً، لعلّ السّبب كان غذائياً أو استكشافياً أو غير ذلك، غير أنّ هذا الخضوع غير المشروط للظّروف السّائدة أدّى على اليابسة إلى نتائج شديدة الغرابة، فهنا وجدت الحياة نفسها لأوّل مرّة في محيط تعتبر التّأرجحات الحراريّة من خصائصه الأساسيّة. إنّ خصائص هذه البيئة الجديدة كانت متذبذبة حيث تبدل حراري متواصل يحدث وفق إيقاع منتظم بين اللّيل والنّهار، وينتقل من الحارّ إلى البارد تبع الفصول دون توقف، ومن البديهي أنّ هذه التّأرجحات قد شملت كلّ الكائنات على سطح اليابسة، وهذا يعني أنّ نشاط تلك الكائنات بدأ ينخفض ليلاً حيث يبرد الطّقس، وبعد ذلك في صباح اليوم التّالي يعود النّشاط من جديد مع بزوغ الشّمس والدّفء، كما نجد الآن عند الضبّ و السّمندل، وعندها نشأتا ما نسمّيه الحيوانات باردة الدّم أو متبدلة الحرارة، فخلال الحقبة الزّمنيّة الطّويلة الّتي امتدّت من خروج البرمائيات الأولى من الماء حتّى نهاية عصر العظائيات، أرغمت الأرض بسبب دورانها جميع الكائنات على هذا الإيقاع المنتظم في اللّيل، إذ نرى أنّ جميع سرعات التّفاعلات الكيميائيّة تتناقص لانخفاض درجة الحرارة، لقد ظلّت الأمور على هذا المنوال فوق اليابسة حوالي 300 مليون سنة،  فهل نحن كأغلب حيوانات اليابسة ننام ليلاً لهذا السّبب؟. نحن نعرف أنّ الكائنات البحريّة لا تنام إلّا قليلاً لعدم وجود التّفاوت الكبير في بيئتها، فهل نحن ورثنا تلك التّركة الّتي خلّفها لنا أجدادنا الصّاعدون إلى اليابسة؟ لعلّ للأمر صلة بذلك.

لكنّ هذا الوضع السّلبي تجاه الطّبيعة قد تغيّر فجأة عندما ظهرت في نهاية تلك الحقبة كائنات جديدة فقاريّة كان التّطفّر قد منحها خاصيّة انقلابيّة جديدة ترتبت عليها تبعات حاسمة، حيث قامت إنزيمات جديدة بحرق الغذاء الّذي يلتهمه الحيوان، وبالتّالي فقد ولد مولّد جديد للطّاقة، حيث تحولّت الطّاقة الفائضة الّتي لم يستهلكها نشاط الحيوان بالضّرورة إلى حرارة بدأت تمدّ الجسم بالحرارة. والنّقطة الحاسمة هنا تتجلّى بالقدرة على المحافظة على حرارة ذاتيّة ثابتة للجسم، صحيح أنّ هذا الوضع يكلّف المزيد من الطّاقة، لكنّ الأوكسجين المتوفّر بغزارة كان يؤمّن الطّاقة بشكل كاف، وعليه، نجد أنّه ولأوّل مرّة منذ 300 مليون سنة أضحت الحياة بصدد التّحرر من نير الخضوع للتّقلّبات الحراريّة في محيطها، وبالتّالي تحقّقت قفزة أخرى من قفزات التّطور الكبرى بأن نشأت الذّات المستقلّة عن تقلّبات الظّرف المحيط. هذا ما حصل مع أصحاب الدّم الدّافئ أو ثابتات الحرارة، وعلى هذا الأساس وقفت الحياة منفصلة عن الخضوع التّام للمحيط، غير أنّ هذا الانفصال المبدئي الضّروري يجعل من الضّروريّ أيضاً إقامة قنوات اتّصال ثانويّة خاضعة للتّحكم تتيح التّصرف الحرّ والاختيار دون تحدّ بأشكال جديدة من التّبعيّة، هنا نشأت الحواس الموجودة حتّى عند أبسط الكائنات الحيّة لكي تقيم نوعاً من الاتّصال المقنّن اللاّزم مع المحيط، ويبدو أنّ الثّبات الحراري كان بدوره مقدّمة لا غنى عنها لتحقيق مبدأ الاستقلال على مستوى أعلى، إنّ ثبات الحرارة الذاتيّة للجسم هو مقدّمة أساسيّة لتطوير القدرة على التّجريد الّذي يمثّل الشّكل الأقصى للاستقلال عن المحيط، أي أنّ ثبات الحرارة هي واحدة من الشّروط الجوهريّة القادرة على التّعامل الموضوعيّ مع الوسط الخارجيّ، ومن هذا المنظور يتّضح لنا أنّها ليست مصادفة أن يتواجد المركز الّذي ينظّم حرارة جسمنا في أقدم جزء من دماغنا.

نوجز الأمر الآن كالتّالي: لقد اقتصرت الحياة لمليارات السّنين على العيش في الماء، ثمّ، قبل حوالي 365 مليون سنة، سكنت الكائنات الحيّة اليايسة أيضاً، وهذا لا بدّ أن يؤدّي إلى تكوّن أنواع جديدة مختلفة تماماً عن الأسماك من حيث التّنفس والإخراج والغذاء والتّنقل، فماذا تخبرنا المستحاثات بهذا الشّأن؟ إذا وضعنا أمامنا ما نعرفه عن الصّخور، سينتج لدينا دليل قوي أنّ الفترة الممتدّة بين 380 – 365 مليون عام كانت فترة حرجة، إنّ الصّخور الأقلّ عمراً من ذلك تتضمّن أشكالاً متنوّعة من الحيوانات مثل البرمائيات والزّواحف الّتي لا تشبه الأسماك، لكن في طبقات الصّخور الّتي يبلغ عمرها حوالي 385 مليون عام، نجد أسماكا تشبه كثيراً السّمك الّذي نعرفه الآن وباختلافات بسيطة، فما حدث بين الفترتين، سنة 2004 وخلال رحلة استكشافيّة للمستحثات الانتقاليّة بين الأسماك وجيوانات اليابسة، استطاعت بعثة يقودها العالم الأحفوري “نيل شوبين” من اكتشاف كائن مستحاثي في صخور تلك الحقبة كان وسطاً بين الأسماك، والحيوانات البريّة، إنّ هذا الكائن قد حطّم التّمييز المتعارف عليه بين الهيكل الجسديّ لكلّ من الأسماك وحيوانات اليابسة، فكان له حراشف على ظهره وزعانف مع شبكات زعنفيه كالأسماك، وبالمقابل كان يملك رأس مسطح (وليس مخروطي كالأسماك) ورقبة كحيوانات اليابسة، كما لوحظ وجود عظام داخل الزّعنفة تمثّل ذراعاً علويّة وأماميّة، وحتّى لوحظ وجود مفاصل، ما وجد هو سمكة لها كتف، ومرفق ومفاصل رسغيّة في شبكة زعانفها. لم تكن هذه السّمكة – البرمائيّة حلقة وصل بين نوعين من الحيوانات وحسب، بل وجدت أيضاً في الصّخور الّتي توقّع وجودها فيها (حوالي 375 مليون عام). وقد سمّي هذا الكائن بـ( التّكتاليك). وما لبث أن أكتشف الكثير منها في صخور العصر الديفوني، تماماً كما تنبأ داروين، في الوقت المناسب، والمكان المناسب، وجدت مخلوقات وسيطة بين نوعين مختلفين ظاهرياً من الحيوانات. وبالانتقال من التّكتاليك إلى البرمائيات، وصولاً إلى الثّديات، يتّضح لنا شيء واحد: أقدم كائن له عظام كعظام يدنا العليا، والذّراع الأماميّة، ورسغنا وكفنا، وله حراشف وزعانف وتشبيكات أيضاً، كان هذا المخلوق. لقد حدد مؤخراً التّاريخ الّذي من الممكن أن نرى فيه الكائن الانتقالي بين الأسماك والبرمائيات المائيّة، بحوالي 390 – 360 مليون سنة مضت، وهذا ما تمّ اكتشافه على يد البعثة المذكورة تماماً في جزيرة معزولة في المحيط القطبيّ الشّماليّ شمال كندا، حيث وجدت مجموعة من الهياكل العظميّة المتحجّرة المتكدّسة أحدها فوق الآخر في صخر رسوبي من نهر قديم، للتيكتاليك صفات تجعل منه رابطاً مباشراً بين الأسماك فصيّة الزّعانف والبرمائيات اللاّحقة، بخياشيم، وحراشف، وزعانف، إذ يبدو بوضوح أنّه سمكة، إلّا أنّ له كذلك صفات شبه برمائيّة، فكان رأسه مسطّحاً كالّذي للسلامندر، مع عينين ومنخرين في قمّة الجمجمة بدلاً من جانبها، ممّا يوحي بالمعيشة على المياه الضّحلة مع النّظر، وربّما التّنفس فوق السّطح، فصارت الزّعانف أكثر قوّة، ممكنة الحيوان من ثني نفسه إلى الأعلى لمساعدته على استكشاف بيئته. ومثل البرمائيات المبكّرة، كان للتيكتاليك رقبة. على عكس الأسماك الّتي ليس لها رقاب، فجماجمها تتّصل مباشرة بكواهلها. وما هو أكثر أهميّة، أنّ التّيكتاليك كان له مجموعة من الضّلوع القويّة الّتي ساعدت الحيوان على ضّخ الهواء إلى رئتيه وتحريك الأوكسجين من خياشيمه (حيث يمكنه التّنفس بالطّريقتين)، وعوضاً عن العظام الصّغيرة الكثيرة في زعانف السّمك فصّي الزّعانف، امتلك التّيكتاليك عظاماً أقلّ وأقوى في الأطراف، عظاماً مشابهة في العدد والموقع لما لدى كلّ كائن بري سيظهر لاحقاً بما فيهم البشر. إنّه يشكّل المرحلة الانتقاليّة الّتي يمكن من خلالها أن نتحّدث عن الزّواحف الّتي تفرّعت عنها أيضاً الثّعابين، وكان قد أفترض منذ زمن طويل أنّ الثّعابين قد تطوّرت عن زواحف شبيهة بالسّحالي فقدت أرجلها، حيث أنّ الزّواحف ذوات الأرجل تظهر في السّجل الأحفوريّ قبل الثّعابين تماماً، وفي عام 2006 عثر العلماء على متحجّرة لأقدم ثعبان معروف، يعود إلى 90 مليون سنة، تماماً كما قد تُنبأ به، كان لديه حزام حوضي ضئيل ورجلين خلفيتين ضامرتين.

ولا بدّ من التّأكيد هنا على أنّ مرحلة التّطور والانتقال من الماء إلى اليابس أعقبها مرحلة ردّة لدى بعض الأنواع من اليابسة إلى الماء، كالقيطس الّذي عاد إلى الماء بعد أن كان يعيش فوق اليابسة حيث انقلبت يداه إلى زعانف ولا تزال أصابعه الخمسة كامنة في كلّ زعنفة من زعانفه، وبعض الحيوانات الأخرى نزلت إلى الماء ولكنّها لم تصل بعد إلى مرحلة الحياة المائيّة الكاملة، كفرس النّهر الّذي يعيش في الماء وعلى اليابسة، والفقمة الّتي تعيش طيلة حياتها في الماء، ولكنّها وقت اللّقاح والولادة تخرج إلى البرّ فهي لم تبلغ مبلغ القيطس الّذي يعيش ويلد في الماء.

بإمكاننا الآن تلخيص المرحلة الثّانية من الدراما الحيويّة على الأرض وفق التّالي: لقد بدأت الحياة من نشوء الخليّة المنفردة الحيّة النّاتجة عن عمليّة الاصطفاء الكيميائيّ الّذي يعتبر حجر الأساس في بداية الشّرارة البيولوجيّة، بعد ذلك تمّ الانتقال إلى مرحلة التّمايز الخليويّ الأوّل بين مملكتي النّبات والحيوان وهو يعتبر الانفصال البيولوجي الأوّل بين مملكتين، بعد ذلك تمّ الانتقال من مرحلة وحيدات الخلايا إلى مرحلة متعدّدات الخلايا، حيث بدأ التّخصص في العمل الخليويّ، أعقب ذلك نشوء الحيوان الدوديّ الصّورة، الّذي منه الرّخويات كالمحار والحلازين والحبّارات، ثمّ ظهرت الشّوكيات كنجوم البحر وقنافذ البحر وخيار البحر، وبعدها ظهرت القشريات كالسّراطين والأربيات (الجمبري)، وهذا مهّد بدوره لحدوث القفزة التّطوريّة الكبرى بظهور الجنسين. ثمّ باتّخاذ الحيوان شكلاً ذا جانبين، فالإسفنج مثلاً لم يكن له شكل منتظم وبالتّالي يعتبر ظهور الحيوان ذا الجانبين كالدّيدان خطوة كبيرة في اتّجاه التّطور حيث أدّى ذلك إلى تسهيل الحركة،  فجعل التّنازع وبقاء الأصلح أكثر حدّة وسرعة، وبالتّالي التّمايز النّوعي بين الكائنات أكثر تنوعاً.

بعد ذلك ظهرت مجموعة جديدة من الحيوانات تمثّل عشائر ذات صفات مستحدثة يدلّ وجودها على وقوع انقلاب كبير في سير الحياة، فكلّ الحيوانات الّتي ذكرناها كانت رخوة القوام لّينة الأجسام معدومة العظام، ولو أنّ بعضاً منها كالسّراطين والمحّار، قد اختصّت بأصداف تقي ذواتها من العطب، أمّا الصّورة الجديدة فكان لها حبل متين ممتدّ على طول الجسم يسمّى (الرّتمّة)، وكان ظهور هذا الحبل أوّل مدرج من مدارج التّطور نحو تكوين الفقار المؤلّف من أجزاء عظميّة كلّ منها تسمّى فقارة، أمّا أولى الحيوانات ذوات الرّتمّة والّتي تسمّى (الرّتمّيات) فكانت سهميّة الشّكل ومائيّة، ومن أشهرها الإطريف المسمّى أيضاً (السّهيم)، ومنه نشأت الأسماك ذات الهياكل العظميّة الصّلبة كالصّمون والقدّ والفرخ، كما تفرّع من الحريب صورة أخرى كالجلكيات، وهي من الأحياء الّتي ليس لها حبل ظهري إلّا عندما تكون صغيرة، والأحياء الّتي ظهرت بعد تلك المرحلة فكانت جميعها من الفقاريات. بذلك انقسمت المملكة الحيوانيّة إلى قسمين عظيمين هما:(الفقاريات، واللاّفقاريات) وما تتميّز به الفقاريات أنّها تستند على اختلاف درجاتها إلى الغريزة، ولكن مع شئ من الوجدان المكتسب نتيجة تشكّل بدايات الجهاز العصبيّ، وقد أعقب ذلك ظهور الأسماك المتطوّرة الّتي تستطيع أن تعيش في الطّين اللاّزب إذا ما غاص في الماء في فصول الجفاف، وبدلاً من أن تتنفّس من خياشيمها كبقيّة الأسماك نشأ لها مع هذا التّغير في الوسط جهازاً آخر هو عبارة عن رئات أوّليّة تحوّلت عن عوامات السّبح، بذلك تمتّعت تلك الأحياء بجهازين للتّنفس، ومنها نشأت البرمائيات كالضّفادع، الّتي تعتبر من أوائل الفقاريات الصّاعدة إلى اليابسة، ومن البرمائيات نشأت الزّواحف كالعظايا والتّماسيح والثّعابين، الّتي تكيّفت مع الحياة الأرضيّة بشكل أفضل إذ أنّها، وبعكس البرمائيات، ليست بحاجة إلى وسط مائي للتّكاثر، وقد هيمنت تلك الزّواحف على اليابسة لفترة طويلة، ومن فرعها نشأت الطّيور الّتي تعتبر حتّى الآن من الزّواحف الطّيّارة، وغاية ما حدث هو أنّ ساقيها الأماميتين تحوّلتا إلى جناحين، وأكثر الطّيور تعيش مدّة طفولتها وفي طرف أجنحتها مخلب أو ظلف قد يبقى معها بقيّة حياتها ما يدلّ على أنّ ساقا كانت موجودة لديها يوماً مّا، كما نجد أنّ صغار الدّجاج تستعمل أجنحتها للاعتماد عليها في المشيّ كما تستعمل الزّواحف ساقيها الأماميتين، لذلك فإنّ الطّيور ما تزال تتعلّم الطّيران تعلّماً لا طبعاً أو غريزة، كالأسماك مثلاً، ما يدلّ على قرب عهدها بالطّيران، كما أنّ أجنّة الطّيور والزّواحف تتشابه وتتماثل حتّى تفقّس البيض تقريباً، بالإضافة لكون حياة الزّواحف والطّيور الفسيولوجيّة متشابهة لحدّ يمكن أن يقال أنّها حياة واحدة فيما بينهما. وعن الزّواحف، نشأ بالإضافة لفرع الطّيور، فرع آخر هو ذوات الثّدي الّتي تغذّي صغارها بسائل اللّبن، وبالتّالي تسمّى اللّبونات. لقد كانت اللّبونات البدائيّة تضع البيوض كالزّواحف، وعندما يفقس البيض تقوم يإرضاع صغارها، ولا يزال بعض تلك اللّبونات موجود حتّى يومنا هذا، كالصّلول والنّفطير، وكلاهما يعيشان في أستراليا فقط، وهنا يمكننا التّحدث عن الثّديات. ومن الثّدييات نشأت “الكيسيات” أو ذوات الكيس كالكنغر، وقد تفرع عنها شعب متفرقة من الأنواع البيولوجيّة أهمّها من وجهة النّظر البشريّة ما يسمى (الليامير) الّتي منها نشأت السّعادين، ثمّ القردة العليا، فالبشريات الّتي أثبتت شيئاً فشيئاً تفوّقها بسلسلة من الاكتمالات، أبرزها تجميع الخبرة المكتسبة بواسطة الأفراد والمشاركة في المعرفة الّتي مهدت لبزوغ الثّقافة فالحضارة، كما سنرى لاحقاً.

*******

* عالم الأحياء البدائيّة في جامعة هارفارد .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق