الله في زمن الكورونا

شفة الرّحيل ترتعش. والعمر يجتاز الحمّى إلى الفجر الجديد متوكّئا على عكّازة السّاعة الأخيرة.

ترسّبات الملح على خدّيها تحدّث الله بما لم يستطع الدّمع أن يبلّغه. أعضاؤها، كُلٌّ على حدة، ما ظهر منها شاحبا، وما غار في أعماقها يتخفّى من جِنّ الأذى يروّعها ولا تراه، ترجُف. وكلّ كيانها الملتئم من غير انسجام تحت فوضويّة الألوان في ملابسها يستحيل، لحظةَ يتناهى إليها خفْق خطوة تقترب أو ضجّة مريبة، طبقا هوائيّا كبيرا يستنفر كلّ قرون استشعاره تنصّت على همهمة الموت يخربش فيصدر الوجود الخارجيّ وتلقُط حفيف الهواء الحرِش في رئاته المعطوبة..

تتخفّف من النّور، وتكتفي بمصباح صغير بالكاد يُجلي عتمة الدّار والنّفْس. تسدّ مسارب الضّوء حتّى لا يفطّن أحد إلى وجودهما بالدّاخل وتتعثّر في خطاها المرتعبة حين عودتها إليه.

يرشق صادق بصره في السّقف. عنكبوت القلب تنسج شبكة من القصص والأغنيات حول المصابيح الصّغيرة للثّريّا، قد تكون المواساة الوحيدة لها في عزلتها القادمة. يثبّت بقايا روحه إلى رعشة صوتها تسري فيه همهمة الوجْفِ جنب توتّر الخوف على حبال الحنجرة. صوتها الآن نجمة صبحه البعيد، ستهدي الرّوح إليها حين تنغلق عليه ظلمة اللّيل اللاّنهائيّ. كتب في وصيّته أن تنام إلى جانبه فيُبعثان على هيئة ذيْنك الهيكلين المتعانقين. يبقى أن تجد الوصيّة من يقرأها.

تُسقط صفيّة عينَها إلى داخلها تفتّش فيه عن حبّة عزاء تُقيم أوْد الصّبر. لا شيء بالدّاخل غير أحذية الأحبّة خاليةً من أقدامهم، مبعثرةً على عتبات الحياة. لا أقسى من حذاء منبوذ، متّهم بقتل صاحبه، ممنوع من الحنين إلى خدود الإسفلت على الطّرقات اليوميّة، وأتربة المسالك الفلاحيّة للحبّ..

تهرع إلى الصّلاة والدّعاء، وتعود يائسة. تحدّثه ووجهها منخطف بلا تعابير.. “كثير من الطيّبين تُركوا لجيوش كوفيد المتوحّشة ولم يتدخّل الله لنجدتهم، حين كان المستضعفون منهم يُحرمون من الإنعاش لصالح آخرين..! تحت عين الله، أياد كثيرة، يقولون، تدخّلت، في الأيّام الأخيرة بالفرز: هذا يعود إلى الحياة، وهذا عجوز يمرّ.. المسنّون مثلنا يا صادق يُمنعون من دخول المستشفيات ويُتركون عرضة لجنود كوفيد يعيثون في أنفاسهم الواهنة تخريبا.. أهذا أيضا قضاء وقدر؟”

تستغفر. لم يعد ممكنا أن تراجع إماما في المسألة. سكن الكلّ عزلته يعدّ أيّامه الباقية وحسناته. “المبطون شهيد” تثب الفكرةُ إلى الذّهن كتميمة في غور بئر مهجور تمنح اليائس حبلا للصّعود. تبسط كفيّها، تتمتم، تمسح بهما وجهها الدّامع بلا دمع.

الأعمار على بوّابة الآخرة تزدحم. تُقام مراثي الوادع على مسالك الأثير، وتنوب المكالمات الهاتفيّة عن أصحابها في إغماض أعين المتوَفّين، ثمّ تُشيّع الأرواح في جنازات افتراضيّة.

عندما يبلغ عدد الجثامين نصابا معيّنا، يأتي أعوان البلديّة في أزياء تنكّريّة لا تُبين منهم شيئا، يشحنونها في العربات كالأمتعة غير المرغوب فيها، وتُلْقى إلى مأوي التّراب، لكن لا أحد قال إن كان الميّت يُدفن في قبره الخاصّ أم في مقبرة جماعيّة. ما قيل توكيدا، هو الدّفن دون مراسم أو صلاة. لا صلاة خارج البيوت والمعازل يا صادق، كلّ يخاف أن يموت. كوفيد يقتحم الأماكن كلّها حتّى بيوت الله، وينصب أينما حلّ مخيّمات الخوف من العدوى. يهجم جائحا، ولا هدير لرعبه الصّامت، أو نِقاع تُثار على أعقابه. دمار شامل ولا أسلحة، آثاره الجثث الملعونة تخشع منها محامل الخشب وعرّابو الجنازات، وحرّاس الله حتّى المقابرُ.. يقولون..

أنا لن أسلّمك إليهم يحملونك في عربة للقمامة. لكن، لا أحد يُدفن بشكل لائق عبر مكالمة هاتفيّة، ومن قد يجرؤ على حمل جثّة متّهمة بالقتل. تفرد أصابعها متوجّهة إليه وتُطبقها بسبّابة اليد الثّانية الواحد تلو الواحد عدّا: شراء قماش الكفن من محتكري تجارة الأقمشة، واستئجار مقرئ لحزب “اللّطيف”، وإمام لصلاة الجنازة، وحملة للنّعش وحفّار للقبر يكلّف ثروة لا نملكها..

لا تخف، حديقتنا صغيرة ولكنّها تكفي لأزرعك فيها شجرة. سأتدبّر حينها طريقة لنقلك إلى هناك. سأغسّلك بنفسي، وأخيط لك بدلتك الجديدة من ملاءة بيضاء نظيفة، وأقرأ عليك سورة المُلك، وسورة يس. وأقف عليك كلّ يوم أقرأ الفاتحة والدّعاء. اِطمئنّ ونم قرير العين. لكن من قد يزرعني إلى جانبك إذا متّ بعدك؟

يجاهد في تحريك رأسه مهدّئا لجزعها، نافيا لما تقول ولا يفلح سوى في إثباته. تسمّر عليه عينيها جهماء مرتعبة. تشتدّ قبضة يده الواهنة الّتي لم تستطع من قبل القبض على روحها الشّاردة، محمِّلة كفّها كلّ الكلام المرقّد في أقراصه الشّمعيّة. كانت تمشي في الطّريق الموازية له، يراها، تحبّه، ولا يلتقيان. وكان كذكر النّحل يحبّها دون غيرها، ويخشى إن تزوّج أن يموت. ظلّ يطيل عمره في حجور النّساء حتّى انتهى عندها وانتهت إليه، طفلة تخشى النّوم وحيدة في سرير العمر الرّذيل، وطفلا وحيدا تخضّه الحمّى.

تمسح نُقط العرق المنثورة على حروف الجبين. حرارته تخفّ، وأطرافه تنزع إلى البرود وخيط دمع يتعثّر في أحافير الوجه المغضّن.. هو أيضا، كان يعرف ما يحدث خارجا.. ترد الأخبار من ثقب الباب، من تحت الوجوه المقنّعة، من ربْكة الأجوبة المفتعلة والوميض المتوتّر للشّاشات المختلفة أنّ جيوش كوفيد أنشأت مستعمراتها في الأبدان والنّفوس والأذهان والصّدور، واستوطنت الجزئيّات اليوميّة لمجريات الحياة والأشياء والأماكن الخاصّة والعموميّة، واللّحظات السّويّة وغير السّويّة والقبل والعناقات وكلّ الأحاديث..

أنّها تنسرب في هسيس العشق، وتوق الجسد إلى سكنه، واليد العليا، والعصا تدلّ الكفيف على الطّريق..

ذُوّبت في عسل الكلام، كملح الطّعام، كسُكّر على حبّات فراولة.. اِندسّت في حجور الأمّهات المسكّنة لمفاصل الوجود الملتهبة وأحضان الآباء المانعة من تنمّر الواقع مفتول العضلات، والكفّ المترفّقة بعجوز يقطع الطّريق المزدحم..

– صفيّة..

– أنا هنا.

يشرق ذواء لطيف على شفتيه. لم تذرْه فردا. كثّرت عدده المستوحش، منحت حياته معنى. أوقفت وجهها له صلاةً صامتة لا تنقطع، ولا يؤقّت موعدها ظلّ أو صومعة. قطع كوفيد كلّ الطّرق إلى دور العبادة. مكبّرات الصّوت لم تعد تذيع الآذان والمواعظ عن الصّبر والخطب عن القضاء والقدر وتوبة النّزع الأخير. الدّعاء جماعة عُدّ قتلا يتهدّد المؤمنين. صار كلّ امرئ يؤذّن لنفسه ويؤمّها في صلاته، يستجيب لحملة افتراضيّة في الصّوم الجماعيّ والدّعاء من خلف الشّاشات، ثمّ ينزوي ليأكل جوعَه تحت عينه وحدها. ذهب عهد الحريّات الشّخصيّة، و”جسدي ملكي”. كوفيد يُقيم في الأرض الهولوكستات القديمة نفسها، لكن من غير نار ولا غازات خانقة، مستحدثا تقنيات الحبس من غير سجون، والعزل الإراديّ في الأماكن المغلقة والشّرفات المطلّة على اليوميّ المرتعش، والقتل من غير إدانة. حرب عالميّ بلا عقل تُرى ولا تُرى، وحفلات إبادة جماعيّة لا محسوسة ولا مسموعة. تطهير عرقيّ، لكن على نحو عادل وكونيّ لا يستثني بلدا ولا لونا ولا عرقا ولا طائفة ولا جندر أو طبقة..

يقولون..

محارق ذاتيّة، حميميّة، مؤثّثة وأحيانا مرفّهة باذخة، يُحشر إليها المرء طوعا أو كراهية، فردا مفارقا أمّه وأباه وأخاه وصاحبته وبنيه، أو إلى جماعة ما صاروا فجأة جماعته الخاصّة تحميه على القدر نفسه من إمكان الفتك به، هويّتُه الأخيرة فيها: قاتل محتمل ومقتول في الوقت نفسه. وظيفتُه الجديدة: مخبِر ومُخبَر عنه في آن.

لا أحد هو خارج وصمة الانضمام إلى صفّ العدوّ.. يمرّ فيجتنبه المقرّبون خوفا، ويختبئ منه المارّة تحت أكياس البلاستيك.. حين اشتدّت الأزمة واحتكر المهرّبون الأكياس البيضاء، صار النّاس يخرجون إلى الشّؤون القاهرة داخل أكياس سوداء فضفاضة كحاويات قمامة متحرّكة.. مكمَّمين كقطط كبيرة متوحّشة، يمكن أن تنقضّ في أيّ لحظة على الآخرين بقبلة نزقة برّح بها شوق مسجون أو ضغينة لطالما ترصّدت ضحّيتها..

يروي بعضهم أنّ الإرهابيّ صار أكثر شاعريّة في عهد كوفيد، يخرج من كهفه أو مغارة نفسه الدّمِنة أنيقا عطِرا، يعانق إخوته في الله، يوقِّر الكبير بقبلة، يرحم الصّغير بلمسة، يُميط الأذى عن وجوه المارّة، يتصدّق على الفقراء والمساكين، يلامس في حنوّ العاشق الأعمدة والأقفال والمقاعد العموميّة والجرائد في الأكشاك، ثمّ يعود منتصرا إلى مخبئه يقتات من حبوب الهلوسة حتّى يقضي في سبيل ربّه مطمئنّا..

يطمئنها. ليس موبوء كما يظنّون، فتحرّك رأسها مؤمّنة على اعتقاده، غير مؤمنة به. لن تُعلِم عنه في كلّ حال. سيموتان معا، ثمّ لا جُنّة لها من العدوى. اُفرغت المحلاّت التّجاريّة حتّى من أردإ أنواع الصّابون والمطهّرات. وخلت الصيّدليّات من الكمّامات والقفّازات والمعقّمات وأدوية الزّكام المتداولة. وسائل الوقاية صارت ماسات نادرة لا يقدر على اقتنائها من أسواق المضاربين والسّماسرة وأباطرة التهريب إلاّ الفرقة النّاجية من فاحشي الثراء..” وحُصّل ما في الصّدور”.

فجأة وسريعا، تُركت صفيّة ذاتا عزلاء عارية لوجهه المتّهم بالوباء. لكنّها لم ترَه يسعل قطّ.. هي نفس الحمحمة الّتي يستعيدها بها من شرودها إذا ذهبت بعيدا عنه في حضرته. الحمحمة الّتي كشفت عن وجهه المتخفّي في رداء الأثير حين كان يهاتفها بصفة “معجب يطلب القرب.”.

– ولكنّي عجوز أقيم في دار للعجّز..

– أنا أكبر سنّا وأصغر قدرة على احتمال بسمة حنان واحدة منك، فضمّيني لتشتدّ مفاصلي، يضحكان..

يتهزهز في محاولة فاشلة للضّحك، فتُردف مرافقة لحظاته الأخيرة بالقصص المبهجة..

–  يرنّ الهاتف فينتفض الوقت من هدأته يتصبّب بالنّدى والتّوق. ينشر العمر المتلعثم في ثوبه الطّويل أحلامه على حبال الأثير تلاعبها الكلمات.. لا أعود شابّة كما في القصص، تٌقفل الخطّ، فيمضى صوتك خلفك يجرّ نبرته الكسلى تاركا خرير الكلام موسيقى حالمة بنهر الرّوح. لم أعرف، حينها الرّقم وصاحبه، لكنّك حين كنت تتذّرّع بالخطإ بين اللّيلة والأخرى لتتّصل بي، كنت أتذرّع بوقار العمر كي لا أكسر خاطر قلبي المسرور.. ألمّع الشّيب على عقودي الخمس، أمشّطه في شعري، وأضيء تجاعيد الوجه الخفيفة بألوان أقلّ خفّة. لا سِنّ للحبّ حتى وإن سقط كلّ أسنانه وظلّ بفم أدرد يلوك خبز الذّكريات..

بعد تردّد، مزّقت ألبوم ذكرياتي الحزينة عن زواجي الأوّل، رميت بها إلى أرض النّفايات بقلبي، وبدل أن أرتّب دخولي الطّوعيّ لدار العجّز، جلست في رشاقة صيفيّة أنتظرك في باحة النّزل.. يبتسم ابتسامته الأخيرة. تبرق بعد شحّ دمعة فرح في العين.. تمسّد على يده الممدودة نحوها. أما كان لكوفيد أن يتأخّر، قليلا في احتلالنا؟

يسعل.. يلقي الفجر على وجهه ضوءا أصفر شاحب. تشعر بأقدام تصطفق على الرّصيف المحاذي لدارها. هل سمعوه يسعل؟ ترتعب وتخضّها رجفةٌ عاصفة.. غفا؟ غفا. لم ينم البارحة. تفرش سجّادة تصلّي الفجر والصّبح وركعتين أخريين تدعو الله أن يمنع عنه  الموت. تعود إليه. تتحسّس نبضه. أجَله هذا؟ أم.. هو..؟ ترفع جذعه الأعلى إلى حضنها. تضمّه شديدا. كلّ ما رتّبت له فقد فجأة جدواه. تذكّرت أنها تصدّقت بآخر ملاءة بيضاء. وأنّ المسافة ما بين غرفة النّوم والحديقة أمتار وعرة ممتدّة كأميال مستحيلة..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق