لماذا مات مبارك ولم يمت حافظ الأسد ؟

يموت المقدّس عندما يرى كما تؤكّد الأنثروبولوجيا الدينيّة، وعبر ما يمكن أن نحصل عليه من بحث استقرائي للميثولوجيا، وما يمكن أن نعثر عليه -من دون عناء- في العمل الروائيّ البديع لنجيب محفوظ ” أولاد حارتنا” الّذي يكثّف هذه الفكرة في موت “الجبلاوي” عندما يتمكّن “عرفة” القادم من الخلاء من هتك حرمة بيته وكشف سرّ كتابه اللاّمرئيّ.

ومن هنا، فإنّ ما يصنع المفارقة بين من يعدّ الأسد الأب مقدّسًا من أتباعه والموالين له، وبين من يعدّه مدنّسًا من خصومه هو أنّه حافظ على كتاب أسراره بعيدأ عن أعين محبّيه والمعجبين به وبرمزيته الّتي كبرت مع التّاريخ، وهو الّذي صبغ الغموض شخصيته منذ ما قبل استيلائه على السّلطة، بينما يعدّ الخصوم غموضه عنفًا رمزيًا يضاف إلى العنف الماديّ الّذي تجرّعوا علقمه طويلًا.

وبينما يصرّ الأتباع على حماية كتاب الأسرار ومنع انتهاك حرمته، ويصرّ الخصوم على فضحه وكشف قبحه تستعر المعركة، ولكنّ كفّتها تميل لصالح الأتباع؛ لأنّهم استطاعوا أن يحافظوا على نظام للمعاني ورثوه من مقدّسهم بكلّ ما يكتنزه من شرّ يؤوله نظامهم السّيميائي تأويلًا مغايرًا، بينما لا يجد الخصوم نظام معان بديل للنّظام الّذي ورثه خصومهم، فيملأ الفراغ لديهم نظام معان دوغمائي يمثّله التّيار السّلفي بكلّ تنويعاته الإسلاميّة والقوميّة واليساريّة.

ولعلّ في ما ذكرناه ما يصلح عاملًا تفسيريًا -ولوجزئيًا- لاختلاف ردود الفعل الّتي أعقبت موت الأسد الأب ونظيرتها الّتي أعقبت موت حسني مبارك، فعلى الرّغم من أنّ الرّجلين رمزان لنظام سلطوي استبدادي، وأنّ كليهما قد ساهما في إفقار شعبيهما بشكل مقصود، وفي جعل الانتقال إلى الحداثة والديمقراطيّة وسيادة القانون أمرًا دونه خرط القتاد، فإنّ التّعاطف الّذي يصبغ ردود الفعل الّتي أعقبت موت مبارك -حتّى من طرف العديدين ممّن ثاروا عليه- وغياب انقسام واضح كفيل بخلق استقطاب حاد حول حدث وفاته على عكس الاستقطاب الّذي وسم ردود الفعل الّتي أعقبت رحيل الأسد الأب، هو أنّ الأخير ليس مجرّد مستبدّ حكم البلاد بالحديد والنّار مدفوعًا بأولويّة استمرار سلطته والحفاظ عليها على حساب أي قيمة وبأي ثمن مهما كان باهظ الثّمن، وإنّما هو مقدّس لم يمت إلّا بالمعنى الحرفيّ لتغييب رفاته في الثّرى، ولكنّه ظلّ حيًا بنظام المعاني الّذي خلّفه وبامتداد سلطته في نجله الّذي يرى في السّلطة حقًا مكتسبًا موروثًا، أمّا مبارك فهو دكتاتور” طيّب القلب” -كما وصفه أحد الإعلاميين الموالين لنظامه- استولى على السّلطة بدعم خارجي، واستمرّ فيها بغطاء خارجي، ولم يكن ليتخلّى عنها لولا وجود ضغط خارجي.

يمكن لمستبد محدود الأفق مثل السّيسي أن يؤدّي الدّور الّذي أداه مبارك في الانصياع لشروط تفقد مصر دورها الإقليمي، وتحرم شعبها من أبسط حقوقه في الحياة الكريمة، ولكن من الصّعب جدًّا تعويض رمز المنظومة الأسديّة بمخارج لها؛ ليس لأنّ مؤسّس المنظومة الرّاحل قد كرّس دوره كحام للحدود مع إسرائيل، وليس لأنّه تمكّن من صنع أوراق خارج الحدود، وليس لأنّه يتّسم بكلّ سمات الدكتاتور التّابع الّذي يملك قابليّة الانصياع لأي تهديد أقوى منه  في سبيل بقائه، ولكن لأنّه انسلخ عن بشريته في نظر نسبة يعتدّ بها من أتباعه وأصبح اجتثاث رمزيته كفيلًا بانفجار لا تعرف عواقبه، وإن كانت محاولات اجتثاثها على يد الثّائرين قد أفصح عن بعض تجلياته، وهي تجليات لا تكفي كلمة المأساة للتّعبير عنها.

إنّ التّغيير المنتظر من الخارج لا يدرك أنّ للأثر الخارجيّ حدودًا تفرضها البنيّة الداخليّة بكيفيّة استبطانها لهذا الأثر، وأنّ التّغيير المنتظر على يد سلفيّة تمثّل السّلفيّة الجهاديّة أقوى أذرعها يغفل أنّها لا تستطيع بنظام رموزها أن تغالب نظام رموز عدوها؛ لأنّه نظام رموز إقصائي طائفي لا يستطيع الإقناع بتفوقه الأخلاقيّ على غريمه.

إنّ مهمّتنا بعد أن ثرنا على العنف المدنّس أن نسحب من أيدي خصومنا سرّ تفوقهم، وهو امتلاكهم نظامًا للمعاني موروثًا من مقدّسهم الحيّ، وأن نصوغ نظامًا ثقافيًا جديدًا حداثويًا، قائمًا على التّوجه الوطنيّ الشّامل، متجذّرًا في التّسامح، والاعتراف بالآخر المختلف، بالفعل لا بالقول.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This