هل الحضارة الإنسانية قشرة رقيقة تغطي همجية البشر / وائل السوّاح

ضبط الوباء الجديد العالم وهو في أزمة أخلاقية خانقة، وقد أسلس قياده لحفنة من السياسيين الفاسدين والمفسدين في أكثر من مكان في العالم.

ففي الولايات المتحدة، أكبر ديمقراطيات العالم، يتربع في البيت الأبيض رئيس فاسد لا يهتمّ سوى بزيادة رصيده في المصارف، ولا يتورّع عن ابتزاز حكومات أجنبية لتثبيت حكمه في البلاد، كأي زعيم لبلد شرق أوسطي أو أمريكي-لاتيني. خرج لتوّه منتصرا من محاكمة في مجلس الشيوخ في محاولة لعزله، فراح يسنّ أسلحته وأسنانه لتحقيق مكاسب جديدة.

يدعم الرئيس دونالد ترامب مجموعة من السياسيين الأمريكيين اليمينيين والعنصريين، الذين لا يأبهون لسلوك ترامب المخجل ولا لمحاولاته المكشوفة في تسييس القضاء الأمريكي ورشوة كبار الاحتكارات ومهادنة الدكتاتوريين في كلّ أصقاع الأرض من الرئيس الروسي بوتين إلى الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، مرورا برئيس الفليبين الذي يرمي بخصومه من الطائرات.

وحين فاجأه فيروس كورونا الفتاك، أنكر ذلك في البداية، وسماه “خدعة أخرى من الديمقراطيين.” وحاول باستمرار التقليل من خطر الفيروس على البلاد. وزعم أن الفيروس يخضع “للسيطرة”، وأن عدد الحالات الأمريكية سينحو نحو الانخفاض وليس الارتفاع. بل ولم يخجل من القول إن الفيروس قد “يختفي” من خلال “معجزة” أو شيء من هذا القبيل، بحلول شهر نيسان/أبريل مع قدوم الطقس الحار. واتهم ترامب وسائل الإعلام والديمقراطيين بأنهم كانوا يبالغون في الوضع، وأن “هذه خدعتهم الجديدة” بعد “خدعة” التواطؤ مع الروس ومسألة أوكرانيا، مما يجعل من غير الواضح ما إذا كان يطلق على الفيروس نفسه خدعة.

وفي الملكة المتحدّة، أرسل البريطانيون إلى 10 داونينغ ستريت زعيما شعبويا آخر هو بوريس جونسون، الذي يريد عزل بلاده على الطريقة الترمبية، بخروجه من الاتحاد الأوروبي. وحين هاجم فيروس كورونا العالم المثالي الذي كان بوريس يحاول بناءه، كان دفاع بوريس مخجلا حين دعا إلى فكرة تعريض البريطانيين للفيروس ضمن فكرة “مناعة القطيع” بدلا من تقديم تطمينات لهم، وبشّر العائلات بأنهما ستفقد أحباءها قبل أن أجلهم، ما اثأر الذعر بين الجميع.

في بكين وموسكو، عدّل الرئيسان الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين دستوري البلدين بحيث يتمكنان من البقاء في الحكم إلى لانهاية. ونحن لا نعرف شيئا عن حال وباء كورونا في البلدين، بسبب تشديد الرقابة وإخفاء البيانات.

وفي سوريا، يستمرّ الرئيس السوري بشار الأسد بقصف المدنيين من شعبه في شمال غرب البلاد، مركّزا أكثر على المستشفيات والطواقم الطبية، دافعا بألوف جديد من السوريين إلى النزوح للمرة الثالثة أو الرابعة. وبأسلوبه المفضّل في الإنكار، استمرّ نظام الأسد في إنكار وجود أي حالة مصابة بفيروس كورونا في بلاده، رغم أنها محاطة من كلّ صوب بمناطق موبوءة، ورغم أن حدوده الجوية مفتوحة أمام إيران التي تفشى فيها الوباء بشكل مريع. وحين سئل وزير الصحة في حكومة الأسد عن كيف يطمئن السوريين، أجاب إن الجيش السوري قد قضى على الكثير من الجراثيم، في إشارة منه إلى السوريين الذين قتلهم الجيش. وحين اضطر أخيرا إلى الاعتراف بوجود عدّة حات، كان لا بدّ لهذه الحالات أن تكون عابرة سوريا وليست مقيمة فيها.

وفي بلدان أخرى، اقل أهمية ربما، أوصلت الانتخابات حكومات شعبوية يمينية متطرفة كما في بولونيا وهنغاريا، ما سيعقّد الحياة السياسية في أوروبا، ويصعب على الليبراليين والديمقراطيين مهمتهم في تصوير بديل سياسي لليمين المتطرف.

في الهند، أكبر الديمقراطيات غير الغربية، تستمرّ الحكومة في تشديد رقابتها على المواطنين، وتزيد من اضطهاد الأقلية المسلمة، واعتمدت السلطات الهندية عملية “ترهيب ممنهجة” بحق الصحفيين الذين ينقلون جانبا من الفظائع والانتهاكات التي تستهدف المسلمين في البلاد، على خلفية قانون الجنسية المجحف بحقهم. وحظرت “وزارة الإعلام والبث المباشر” أمس قناتين إخباريتين بولاية كيرالا لمدة 48 ساعة وذلك لظهور إعلاميين ومتحدثين من خلالهما أبدوا آراءهم بخصوص قوانين الجنسية، وتغطيتهم القمع والاضطهاد والتهجير القسري للمسلمين الذي أعقب أحداث دلهي الأخيرة.

وتعرضت إيطاليا إلى “عملية سرقة من جارتها التشيك” بحسب وسائل إعلام إيطالية والتي أعلنت “استيلاء سلطات براغ على الآلاف من الكمامات الطبية كانت مرسلة من الصين إلى إيطاليا”، في حين أكدت التشيك أنها “صادرت الأقنعة في إطار عملية ضد مهربين”.

وفي تونس، أعلن وزير التجارة عن عملية سرقة في عرض البحر تعرضت لها باخرة شحن محملة بمادة الكحول الطبي كانت موجهة إلى تونس من الصين وتم تحويل وجهتها إلى إيطاليا. وأوضحت الوزارة أن الحادثة أقرب إلى “القرصنة التجارية” منها إلى السطو، بعد أن اختارت الشركة المنتجة للكحول في الصين بمحض إرادتها تحويل وجهة الباخرة المحملة بالكحول الطبي إلى إيطاليا بعد تلقيها عرضا ماليا أكبر للحمولة في ظل ارتفاع الطلب العالمي على هذه المادة.

ومع ذلك، لا يقتصر المأزق الأخلاقي على الحكومات، في الولايات المتحدّة، لم تكن أطول الطوابير التي تنتظر على أبواب المتاجر لشراء الغذاء بل طوابير الأسلحة. ونشط لوبي السلاح في تخويف المواطنين من أعمال نهب وسرقة، مشجعا إياهم على تخزين السلاح والذخيرة.

وبدأت المشاعر العنصرية المعادية للآسيويين تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي بعد فترة وجيزة من تأكيد تفشي الفيروس التاجي الجديد. وقال رجل يعيش في ولاية واشنطن، وزوجته أمريكية آسيوية، إن سيدة توزع عينات طعام في متجر حاولت إبعاد ابنه البالغ من العمر 8 سنوات لأنه ربما يكون “صينيا”. ويُظهر مقطع فيديو تم نشره على الإنترنت رجلاً يصرخ “تحرك!” على راكب آسيوي قبل أن يرشه بالمعقمات في مترو أنفاق نيويورك. وتعرضت سيدة آسيوية في نيويورك للكمة على وجهها لأنها لم تكن ترتدي قناع وجه.

وحين أعلنت أول حالة كورونا في سوريا، صرخت إحدى المواليات للرئيس بشار الأسد على صفحتها على فيسبوك، تشتم من سمح لها بالدخول وتطلب بالقضاء على كل المصابين لكيلا تنتشر العدوى.

أظهرت الجائحة الجديدة هشاشة العالم من كل النواحي. أظهرت هشاشة الاقتصادات العظمى التي انهارت خلال أسابيع. ففي أسبوع واحد فقد ثلاثة ملايين ونصف شخص وظائفهم في الولايات المتحدة، وسارعت الحكومة لضخ ترليوني (بالتاء) دولار لإنقاذه. ولكنها أظهرت أيضا عدم استعداد المؤسسات الصحية لحدوث جائحة وبائية، حيث يحتاج العالم إلى عشرات أضعاف الوسائل التي يمتلكها بالفعل الآن لمواجهة فيروس كوفيد-19، من منافس وكمامات ومعقمات. والأهم أن الجائحة كشفت البنية الأخلاقية الهشّة للعالم المتحضّر، وأثبتت أن الحضارة البشرية لا تزال قشرة رقيقة تغطي التوحش والهمجية البشرية التي تلبث كالنار الملتهبة تحت الرماد.

ولكن هذا ليس كلّ الحقيقة، ثمّة وجه آخر للمعادلة، ففي أكثر من مكان في العالم، ظهرت مبادرات أخلاقية راقية تثبت العكس.  في عدّة ولايات في أمريكا بدأت سيدات أمريكيات بصنع كمّامات من أقمشة وموادّ أولية، وتبرّعن بها للمستشفيات. وفي شوارع مدن كاليفورنيا علّق شباب أمريكيون بروشورات تقول إنهم مستعدون لتوصيل البضائع مجانا إلى بيوت الشكان المتقدمين بالعمر الذين لا يُستحسن خروجهم من منازلهم. وفي إيطاليا وإسبانيا احتفل المواطنون من على شرفات بيوتهم، فغنوا وهزجوا، في بادرة تظهر عدم استسلامهم لليأس. وفي إستنبول وضع أفراد مجهولون رزما مليئة بالطعام الجاف في الشوارع ليأخذها أشخاص مجهولون. لا يعرف المحسنون من أحسنوا إليهم، ولا يعرف المحتاجون من قدّم لهم الطعام. ولكن هذا ليس غريبا على المدينة التي يطعم أبناؤها القطط السائبة والكلاب الشاردة في شوارع المدينة.

عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This