كورونا… بين مسرحة الحياة التّراجيديّة والآثار الإيجابيّة

باريس، عاصمة فرنسا، و الملقبة بـ ” مدينة العشّاق وعاصمة الأنوار“، والبندقيّة، المدينة الإيطاليّة الجميلة والمنعوتة بـ”المدينة العائمة“. هذه المناطق وغيرها من المدن الأوروبيّة الجميلة التّاريخيّة والسّياحيّة والأثريّة وغيرها صارت تلقّب اليوم حسب وصف مستخدمي شبكات التّواصل الاجتماعيّ بمدن الأشباح، جرّاء فيروس صغير الحجم، أربك اقتصاديات عظمى وعزل مدن لم نكن نتوقّع ولو ليوم واحد أن تكون معزولة وخاليّة من البشر، لتحلّ محلّ الجمال والحركة والحيويّة صورا تراجيديّة ومأساويّة جرّاء فقدان العديد من الأرواح البشريّة، ليصبح هذا الفيروس كابوسا ننام ونستيقظ عليه كلّ يوم. ولكن لكلّ داء دواء، وبعد كلّ عسر يأتي اليسر، وما الحياة إلاّ سياقات مليئة بالاختبارات والتّجارب والانتصارات والهزّات لتظلّ القصص الإنسانيّة وقائع ينشرها المؤرّخون ويحلّلها الباحثون ويستفيد منها البشر من خلال خبراتهم وتجاربهم.  وأمام التّراكم التّاريخيّ، اخترنا أن نبدأ بثلاثة مقولات تاريخيّة لها معنى ودلالة على حبّ هذا الوطن من تاريخ تونس المعاصر:

… ربّي أنت أدرى بعجزي عن مقاتلة هؤلاء القوم حيث لا طاقة لي بمحاربتهم، لكنّي أموت على دين محمّد.”[1] هكذا كان يتمتم أحد المسلمين ” القدادشة” بعد إصابته إصابة قاتلة برصاصات الأوروبيين وصبايحيّة وتجار صفاقسيّة يوم الجمعة  27 أفريل 1906، وهو تاريخ المسيرة المقدّسة نحو تالة وانتفاضات الفلاّحين سنة 1906. لنستحضر أيضا ” تلك المرأة أصيلة مدينة تالة الّتي استشهد ابنها برصاص الشّرطة فأجابت بنخوة أم الشّهيد العاشقة لوطنها والمتطلّعة للحريّة بقولها: ” قتلولي واحد ومازال عندي أربعة تو نزيد نعطيهم على خاطر تونس.” كما نستحضر أيضا ما قاله رجل أصيل بن قردان يوم 07 مارس 2016 عندما سقطت ابنته برصاص الإرهابيّين: فقد نطق ما يلي ” وطني قبل بطني، وبلادي قبل أولادي.”[2]  ومن خلال هذه الأمثال وهذه العبارات الّتي ذكرناها مثالا لا حصرا يمكن القول بأنّ للتونسيين تجارب وخبرات في حبّ هذا الوطن وتجاوز الأزمات والمحن، على الرّغم ممّا نشاهده هذه الأيّام من لهفة على شراء مستلزمات الغذاء والنّظافة الّتي قابلها الغلاء الّذي يمكن وصفه بالمشطّ في بعض المحلاّت التّجاريّة والأسواق لكنّ المفارقة أيضا هي تلك الصّور والسّلوكيات التّضامنيّة من جمع للتّبرعات و تنظيم تنسيقيات محليّة متكوّنة من مختلف مكوّنات النّسيج الاجتماعيّ والسّياسيّ للوقاية والحدّ من هذا الفيروس وترك مسافات بين النّاس والمحاولة قدر الإمكان المحافظة على المحيط على غرار المزيد من سلوكيات النّظافة والوقاية ولعلّ هذه السّلوكيات تتواصل معنا ما بعد الكورونا لتكون من بين النّتائج الإيجابيّة لهذا الفيروس.

كما يمكن القول بصفة مكثفّة ومختصرة، بأنّ العائلة هي النّواة الأولى في عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة، ثمّ تليها المدرسة والمؤسّسة الدينيّة، ولكن لو لاحظنا اليوم في المدن الكبرى، وخاصّة مع خروج الآباء والأمّهات للعمل والأبناء للمدرسة أو الجامعات، وبعد المسافات بين مكان العمل أو الدّراسة والمنزل، فإنّ العائلات لا تلتقي مع بعضها البعض إلاّ في بضع دقائق أثناء اللّيل أو بضع ساعات آخر الأسبوع، أو خلال مائدة الإفطار في شهر رمضان، وبالتّالي فإنّ هناك عوالم أخرى تحتضن الفرد مثل عالم المقاهي والحيّ ودور الشّباب أو الثّقافة إن كان من بين الروّاد وغيرها من الفضاءات. ولكنّ  اليوم على الرّغم من الكارثة الإنسانيّة الّتي حصلت جرّاء كورونا إلاّ أنّ هذا الفيروس قد  نجح في لمّ شمل العائلات جرّاء الحجر الصحيّ، وقد يساعد هذا الأمر في إعادة تقسيم دور العائلة، كما قد يدفع ببعض الآباء أو الأمّهات لتحفيز أبناءهم على المطالعة والقراءة ومشاهدة برامج وثائقيّة أو ثقافيّة وغيرها يكون مضمونها العلم بكل ّحقوله، وبالتّالي لعلّ هذا التّحفيز يساعدنا على اكتشاف مواهب لم نكن نعرفها من ناحية وخلق ثقافة المطالعة والقراءة من ناحية أخرى، ولعلّ أيضا إعادة تقسيم أدوار العائلة يرسّخ بشدّة التّضامن والتّكافل العائلي. أيضا ساهمت كورونا في عودة العائلة التّونسيّة إلى سياقاتها الثّقافيّة الأنتربولوجيّة أثناء الأكل، فالعديد من التّونسيين وخاصّة العمّال طيلة النّهار أو الطّلبة غالبا ما تكون وجباتهم من المستحضرات أو السّندويتشات و الأكلات الجاهزة للمطاعم وغيرها، لكنّ هذه الأيّام عاد الجميع لشراء مستلزمات الطّبخ في البيت و هي عادة حميدة نتمنى دوامها ، ليعود جلّ التّونسيين بفضل فيروس إلى أصل غذائهم وعاداتهم.

و من الأمور الإيجابيّة الأخرى هو اهتمام بعض المنتمين للطّبقات الميسورة بشأن العائلات المعوزة، إذ  أنّها تردّد القول يوميا حين سماعهم بخبر حظر التّجول الآتي: العمّال اليوميّون وأصحاب المشاريع الصّغرى والمعوزين وغيرهم من المهمّشين… من لهم؟ وكيف سيلبون قوتهم اليومي؟؟ وبالتّالي نستشفّ هنا كرم التّونسي واهتمامه لحال ابن بلده، محفّزين بعضهم البعض على ضرورة مساعدة هذه الفئات الهشّة والمسحوقة، ولعل ّأيضا هذا السّلوك التّضامني يظّل في حياتنا اليوميّة ما بعد زوال فيروس كورونا، ولو أنّ هذا السّلوك يمتلكه العديد من التّونسيين، لكنّ التّحفيز والتّشجيع يعزّزه.

كما يمكن القول أيضا، بأنّ فيروس كورونا قد نجح  في التّخفيض من التّلوث المناخيّ، حيث نشر المهندس والنّاشط البيئي والمختص ّفي علم المناخ “حمدي حشّاد”  بتاريخ 16 مارس 2020على صفحته فايسبوك الآتي:

” كما يبدو أنّ فيروس بحجم 0.5 ميكرون نجح في كبح التّدهّور المناخيّ ووقف التّلوث، نجح حيث فشلت القمم الأمميّة والدبلوماسيّة الدوليّة، نجح في تركيع ثاني اقتصاد عالمي وشلّه كلّيا، وترنّحت  له كبريات الاقتصاد الأوروبيّ والأمريكّي، وهوت بسببه حركة الملاحة الجويّة بنسبة 7.2% حتّى 12 مارس 2020 ( المصدر: IATA)، وخلق حالة فزع دوليّة لم يسبق لها مثيل في التّاريخ الحديث، حيث انخفضت نسبة انبعاث غازات الاحتباس الحراريّ بنسبة 17.75% إلى حدّ 12 مارس 2020 حسب النّشريّة العلميّة لجامعة ستانفورد، كما انخفضت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجويّ لكوكب الأرض من 417  ppm إلى 414 ppm ( حسب مرصد MONA LOA ليوم 15 مارس2020). حيث من المتوقّع أن تكون له 05 تأثيرات إيجابيّة على الأمد البعيد فيما يخصّ حماية البيئة والمناخ وهي: 1/ تحسين جودة الهواء، 2/إغلاق المصانع أدّى إلى تقليل الانبعاثات، 3/تنامي فرص الانفتاح أمام التّغيير الهيكليّ، 4/ستدفع المؤسّسات الماليّة العامّة لتحفيز الاقتصاد الأخضر والأزرق، وأخيرا 5/ فإنّ أسعار النّفط المنخفضة ستجعل من الصّعب على هذه الصّناعات الاستمرار في التّنافس مع الطّاقات المتجدّدة والنّظيفة وستيسر قطع الدّعم المالي على المحروقات الأحفوريّة. وبالتّالي فإنّ كلّ المؤشّرات المناخيّة في تحسّن إيجابي بفضل فيروس… !!! ”

عموما، “عرفت تونس أكبر مجاعة في تاريخها القديم والحديث والمعاصر وهي مجاعة 1052، الّتي تزامنت مع الهجرات الهلاليّة باتّجاه إفريقيّة بقرار من الحكّام الفاطميّين في القاهرة جرّاء تناقص الغذاء في المجتمع المصريّ، كما تبعت هذه المجاعة الضّاربة سلسلة من الأوبئة والمجاعات الّتي بدأت بظهور الطّاعون سنة 1347 الّذي تحوّل سنة  1348 إلى طاعون عالمي جارف شمل التّاريخ الإنساني وعمّ  بالتّالي كلّ منطقة المغرب العربي، كما عاود الطّاعون بضراوة سنة 1453 وساد الهدوء إلى حدود سنة 1783 حيث بدأت سلسلة من الأوبئة عاودت سنوات 1785 و1800 و1805 توجّهت كلّها بكوليرا 1856 ووباء 1867. وأمّا في التّاريخ المعاصر فقد سيطر على المجتمع التّونسيّ وباء التّيفوس القملي  الّذي بدأ في الظّهور منذ سنة 1918 وانتشر خاصّة في سنتي 1923 و1926 وتواصل في جهات عديدة من البلاد حتّى 1936 وإن كانت سنة 1935 أشدّ سنوات الوباء فتكا بالعباد. كما لا يجب أن ننسى عام الجراد سنة 1947[3]“. وغيرها من المحطّات العسيرة، وبالتّالي يمكن القول أنّ تونس والعالم بأسره له ما يكفي من التّاريخ القاسي والتّجارب لتجاوز هذه الأزمات، حيث نجح العالم  في مقاومة هذه الأوبئة، لكنّ المفارقة أنّ صور ضحاياه يصعب نسيانها، وأنّ الاقتصاديات بإمكانها الرّجوع على الرّغم من صعوبة الأمر، لكنّ الخسائر البشريّة والإنسانيّة لا يمكن تعويضها، وبالتّالي فإنّ فيروس كورونا سيمرّ مثلما مرّت المحن والأوبئة السّابقة، لكنّ هذا الفيروس الصّغير الحجم، قدّ خلّف الضّحايا وكانت الرّوح البشريّة هي الّتي دفعت الضّريبة، وخلّف أيضا مشاهد تراجيديّة لا يمكن لمجايلي هذا التّاريخ طردها من مخيّلتهم، ولن تمحى المشاهد المأساويّة من شبكات التّواصل الاجتماعيّ، ولكنّه في الآن نفسه قد رسمت كورونا سلوكيات وآثارا جديدة، وساهمت في بناء قوانين جديدة، فهل هناك عالم جديد وعنوان جديد للعالم  ما بعد الكورونا؟.

قبل أن نكتب خاتمة هذا المقال، وجب علينا ترك بعض التّوصيات وإن كانت بصفة مختزلة ومكثّفة، وتكون في مقدّمتها إتّباع نصائح وزارة الصّحة وإتّباع طرق الوقاية، كما نؤكّد على الحكومة بأن تكون جديّة في التّعامل مع المصابين بهذا الفيروس وذلك من ناحية العلاج أو تطبيق القانون على عدم الممتثلين للحجر تفاديا لمزيد الانتشار من ناحية أخرى، وبالتّالي نعم للوقاية لا للهلع. كما نؤكّد على ضرورة دعم القطاع الصحيّ العموميّ، وعلى الحكومة أن تدعم المجال العلميّ والمتمثّل في الجامعات والمخابر وغيرها، وبالتّالي نؤكّد على أنّ الصّحة والتّعليم يظلاّن من أبرز ركائز الدّول، ولكن هذا لا يجعلنا أن ننسى ملفّات البطالة والهجرة والبيئة والبنية التّحتيّة وغيرها، لذلك وجب مراجعة الخيارات التّنمويّة بشكل جديّ.

إجمالا، وإن كان هناك العديد من نقّاد أو معارضي الإجراءات الحكوميّة، إلاّ أنّ هذا الفيروس قد ساهم في توحيد المجتمع والإنسانيّة جمعاء، وقد استجابت جلّ الطّبقات الشّغيلة الّتي تآكلت وتراجعت والمنخرطة بالإتحّاد العامّ التّونسي للشّغل للتّبرع بيوم عمل، كما ساهمت أغلب الفئات الهشّة بإرساليات قصيرة مضمونها التّضامن الماليّ، كما لا نغفل دور بعض أصحاب المؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة والكبرى وآخرين رياضيين أو فنانين أو نشطاء وغيرهم من الفئات والطّبقات، ومن هنا يمكن القول ” أنّ التّونسي ليس فقط سليل النّوابغ والعلماء والملوك التّجار  ورجال الدّين ورجال الحرب والأدباء والفنّانين… بل هو أيضا – كما يقول التّيمومي- وريث الكادحين المهمّشين المغيّبين المغمورين الصّامتين الّذين استجابوا لنداء التّاريخ فنحتوا روح البلد وهويّته الحميميّة، سواء كانوا واعين بذلك أو غير  واعين.”[4]

وأخيرا، نختتم بمقتطف من خاتمة عالم الاجتماع التّونسي” مهدي مبروك” في مقاله الصّادر بموقع العربي الجديد بتاريخ 15 مارس 2020 والمعنون بـ ” كورونا… البشريّة تختبر إنسانيتها“: “سيمرّ كورونا كغيره من الأوبئة الّتي عرفتها البشريّة في تاريخها الحديث. ولكن ستظلّ صور العديد من ضحاياه المنتشرة في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وما كشفته من حالات ضعف بشري، على الرّغم من كلّ ما تبديه البشريّة من مقاومته شاهدا على معضلة خفّة الكائن البشريّ الّتي لا تحتمل، على حدّ عبارة الروائيّ الفرنسيّ (من أصول تشيكيّة) ميلان كونديرا.. الحياة جميلة يا صاحبي، يجيبه الرّوائي التّركي، ناظم حكمت، على الرّغم من توجعه من غدر داء الكلب”.

*******

 

[1]  الهادي التّيمومي: إنتفاضات الفلاّحين في تاريخ تونس المعاصر، مثال 1906، المجمع التّونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، تونس، 1993، ص 159.

[2]  المولدي قسّومي: قواعد لغة علم الاجتماع في مدونة المؤرّخ الهادي التّيمومي، تقديم: فتحي ليسير، دار نقوش عربيّة، تونس، 2019، ص 471.

[3]  المنصف ونّاس: الشّخصيّة التّونسيّة، محاولة في فهم الشّخصيّة العربيّة، الدار المتوسطة للنّشر، تونس، الطّبعة الثّالثة، ص، 73،74،75

[4]  المولدي قسّومي: قواعد لغة علم الاجتماع في مدوّنة المؤرّخ الهادي التّيمومي، سبق ذكره، ص 424.

****

©صورة لـ: أحمد زروق

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This