محمد شريف فرجاني: عولمة المآسي النّاجمة عن الرأسماليّة المتوحّشة تؤدّي إلى عولمة الأوبئة وعلينا القطع مع أوهام الخلاص الهويّاتيّ

 

منذ الإعلان عن تحوّل فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) إلى وباء عالمي، مع سرعة انتشاره في دول العالم، وتأثيره الدراماتيكيّ في مجمل ما يرتبط بالأفراد والجماعات والدّول، انشغل العديد من خبراء الاقتصاد والعلماء في ميادين مختلفة، بالتّداعيات المترتبة على هذه “النّكسة العالميّة”؛ والّتي يمكن القول إنّ التّحولات المرتبطة بها، قد تكون أشدّ وقعاً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 وقبلها سقوط جدار برلين  وانهيار الاتّحاد السوفياتيّ عام 1991.

وفي سبيل التّعرف على المؤشّرات والمؤثّرات المحتملة والتّحولات العالميّة الّتي فرضها وكشف عنها “هذا الوباء المعولم”، حاور موقع الأوان التنويري محمد شريف فرجاني، الأستاذ الفخري في جامعة ليون الثّانية (l’Université Lyon2). وفي ما يأتي تفاصيل الحوار.

  • كيف تنظرون إلى تعاطي الدّول لا سيّما الدّول الصّناعيّة مع وباء كورونا لجهة إدارة هذه الأزمة الصحيّة العالميّة؟

_ ما يثير الانتباه في تعاطي الدّول مع وباء كورونا ومع الأزمة الصّعبة النّاجمة عنه، هو الفرق بين ما أبّدته الصين من قدرة على فرض الحجر الصحيّ ومحاصرة الوباء والتّصدي له بسرعة، وتقديم العلاج والعناية لمواطنيها مجاناً، على الرّغم من أنّ نظامها غير ديمقراطي، ولا يقوم على احترام حقوق الإنسان. وفي مقابل ذلك، بدت الدّول ذات الأنظمة الديمقراطيّة، والّتي لا تتوانى عن التّدخل في شؤون غيرها باسم حقوق الإنسان وقيم الحريّة، عاجزة، أو على الأقلّ غير مهيّأة للتّصدي للأزمة الصّحيّة العالميّة، بالسّرعة والنّجاعة نفسها، وكأنّ الديمقراطيّة وما تقوم عليه من حريّات، لا تسمح للدّول بفرض ما تقتضيه مثل هذه الأوضاع من إجراءات حازمة وصارمة. فهل يعني ذلك أنّ الاستبداد والديكتاتوريّة أنجع من الديمقراطيّة في مواجهة هذه الحالات؟ لا أعتقد ذلك، فالمسـألة ليست مرتبطة بالديمقراطيّة، وإنّما بما ألحقته السّياسات الليبراليّة الجديدة بها، من تأزّم نتيجة تراجع دور الدّولة في توجيه الاختيارات الاقتصاديّة وصيانة المرافق الاجتماعيّة، ومن ثمّ فقدان الشرعيّة الّتي تسمح لها بكسب الثّقة الضّروريّة من المواطنين.

  • يرى البعض أنّ التّعامل الدولي مع وباء كورونا يعكس أنموذج العولمة الحالي واستشراء الرأسماليّة المتوحشة تحديدًا في الدول الغربيّة، بدليل أنّ بنيتها التحتيّة لم تكن جاهزة بالشكل المطلوب. ما رأيكم بذلك؟

_ ما ذكرته في جوابي عن السّؤال الأوّل حول أسباب عجز الدّولة الديمقراطيّة عن مواجهة الأزمة، مرتبط بعولمة الليبراليّة الجديدة، الّتي بدأت تكتسح العالم مع انتصار رونالد ريغان في الولايات المتّحدة، ومارغريت تاتشر في بريطانيا وتواصل زحفها مع انهيار الاتّحاد السوفياتي وتأزّم الدّول المرتبطة به. فهذه العولمة وجّهت السّياسات الاقتصاديّة نحو الاستثمار في المجالات الرّابحة مالياً، على حساب البنى التحتيّة الضّروريّة لتوفير الخدمات الصّحيّة والاجتماعيّة. فغاية الاستثمارات، ليست الاستجابة للمطالب الأساسية للنّاس، وإنّما تحقيق أكبر الأرباح على حساب غالبة المجتمع والإنسانيّة. فلا غرابة أن تكون الدّول ذات السّياسة المحكومة بقوانين هذه العولمة غير جاهزة لمواجهة مثل هذه الأزمة.

  • كيف تنظرون إلى الكيفيّة الّتي أدارت بها الصّين انتشار الوباء فوق أراضيها مقارنة بدول الاتّحاد الأوروبيّ؟

_ كانت إدارة الصّين لمقاومة انتشار الوباء أنجح من غيرها من البلدان، بما فيها أوروبا وكندا والولايات المتّحدة، الّتي أصبحت في صدارة الدّول من حيث عدد الضّحايا والمصابين نتيجة تهور الرّئيس دونالد ترامب الّذي يتعامل مع الوباء، كما يتعامل مع كلّ الأزمات، بأسلوب رعاة الأبقار. ويرجع الفرق إلى أنّ الدّولة في الصّين هي الّتي توجّه الاقتصاد، وفق اختياراتها خلافاً للدّول الّتي تخلّت عن هذا الدور. وقد أبهر تعامل الحكومة الصينيّة مع الوباء الرّأي العام العالمي، ليس فقط على مستوى الإدارة الداخليّة، وإنّما أيضاً على المستوى الدوليّ. فقد ساعدت إيطاليا وصربيا وتونس والعديد من الدول الأفريقيّة، بل وحتّى فرنسا. وكما ذكرت لا يجب أن يُفهم من ذلك تفوّق الديكتاتوريّة على الديمقراطيّة، وإنّما هو تفوّق الدّولة المتحكّمة في اقتصادها وفي سياساتها الداخليّة على الدّول الّتي تركت قوانين السّوق تتحكّم في توجّهاتها.

  • وصلت إيطاليا إلى مستويات عليها في معدّل الإصابات بهذا الوباء وتجاوزت الصّين بعدد الوفيات وكانت قد طلبت المساعدة من فرنسا لكن لم تتمّ الاستجابة. أين هي شعارات الوحدة والمصير التّاريخيّ المشترك الّتي نادى بها الاتّحاد الأوروبي؟

_ إنّ عدم استجابة فرنسا وألمانيا لما تحتاجه إيطاليا – واليوم إسبانيا- من مساعدات هو نتيجة غياب جهوزيّة كلّ البلدان الأوروبيّة لمواجهة هذه الأزمة حتّى بالنّسبة لمواطنيها. كما أنّ تصاعد النّزعات الهوويّة والقوميّة الأنانيّة في كلّ البلدان، كردّ فعل على الليبراليّة الجديدة المعولمة، أدّى إلى تهديد كلّ التّضامنات داخل كلّ بلد، وعلى مستوى العلاقات بين الدول الأوروبيّة، كما بين الشّعوب.

إنّ ضعف التّضامن مع إيطاليا وإسبانيا، وغيرهما من البلدان، ليس أوّل مؤشّر على ما يتهديد الاتّحاد الأوروبي من عوامل التّفكك، نتيجة الفوارق بين الدّول المكوِّنة لهذا الاتّحاد سواء على مستوى نظمها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة والسّياسيّة أم على مستوى الاختيارات المستقبليّة. فثمّة تهديدات تتمثّل بصعود اليمين المتطرّف والشّعبويات المختلفة في الاتّحاد الأوروبيّ الّذي ما زال في طور البناء، ويمكن أن يعرف انتكاسات في ظلّ مثل هذه الأزمات.

  • برأيكم هل وباء كورونا أدّى إلى سقوط الشّرط الأخلاقيّ الّذي من المفترض أن يضبط العلاقات بين الدّول لمواجهة التّحديات المشتركة؟

_ في الواقع شرط الأخلاق لم يكن قط أساساً للعلاقات الدوليّة، ولا أدلّ على ذلك من التّعامل مع قضايا المجاعة والفقر، والمهاجرين والفارين من الحروب وضحايا الكوارث الطّبيعيّة، حيث توصد في وجوههم أبواب الهجرة ويموتون بالآلاف في الصّحراء والبحار. وكذلك التّعامل مع قضايا مثل القضيّة الفلسطينيّة وضحايا الإرهاب وعمليات التّطهير العرقيّ والطّائفيّ والقبليّ في كلّ أنحاء العالم، والحصار المفروض على بلدان مثل إيران، على الرّغم ممّا ينتج عنه من فقدان للغذاء والأدوية، وأوضاع مشابهة لا يحصى عدد ضحاياها.

إنّ المواقف الّتي عبّر عنها ترامب في  تعامله مع الأزمة الحالية، تتناغم مع القيم الّتي ما انفكّت الولايات المتّحدة تفرضها على صعيد العلاقات الدوليّة، منذ أن أصبحت سيّدة العالم غداة الحرب العالمية الثّانية، وهي القيم نفسها الّتي حكمت السّياسات الاستعماريّة من قبل، وما زالت تحكم مختلف التّعاملات بين غالبية الدّول.

  • كشف هذا الوباء عن هشاشة الوضع البشريّ؛ ما هي الدّروس المستفادة؟

_ هشاشة الوضع البشريّ ليست جديدة، ولا تفعل الأوبئة والكوارث الطّبيعيّة والحروب سوى تذكيرنا بهذه الهشاشة الّتي سرعان ما ننساها، أو نتناساها، لنعود إلى التّكالب على الاستهلاك المحموم والسّلوكيات الّتي تهدّد المناخ والبيئة، وكلّ محدّدات الوضع البشريّ، دون مراعاة لما نتركه للأجيال القادمة. وإذا أردنا فعلاً أن نتّعظ من هذه الأزمة، فلا بدّ من مراجعة كلّ سلوكاتنا الفرديّة والجماعيّة وكلّ السّياسات الاقتصاديّة للحدّ من هشاشة الوضع البشريّ، وذلك من خلال تقليص حجم الاستهلاك الّذي لا يقتصر على ما ننتجه بل يتجاوزه إلى استهلاك الطّبيعة ذاتها ومقوّمات وجودنا.

  • ما هي التّداعيات الاقتصاديّة المترتّبة على هذا الوباء؟ وإلى أيّ حدٍّ تشكّل ضربة قويّة للأنموذج الاقتصاديّ الرأسماليّ؟

_ لا شكّ أنّ هذا الوباء له تداعيات اقتصاديّة محليّة وإقليميّة وعالميّة؛ فعولمة المآسي النّاجمة عن عولمة الليبراليّة الجديدة والرأسماليّة المتوحّشة، تؤدّي حتماً إلى عولمة الأوبئة الّتي تتهدّد الجميع، وإن بدرجات متفاوتة: القوي والضّعيف، الأثرياء والفقراء، النّساء والرّجال، على اختلاف توجّهاتهم الجنسيّة ولون بشرتهم وأصولهم العرقيّة والثّقافيّة وانتماءاتهم الدينيّة. فالأوبئة لا تنظر إلى هذه الفوارق، وتذكّرنا بأنّنا متساوون أمام ما يتهدّدنا من أمراض فتّاكة، وبأنّنا – شئنا أم أبينا- نشترك في كوننا ننتمي إلى النّوع نفسه من الكائنات، ولنا المصير نفسه، ما يحتّم علينا التّآزر والقطع مع أوهام الخلاص الهوياتيّ، في إطار ما نعتقده من إنتماء لهويّات متنافرة إلى حدّ التّناحر.

لا بدّ من وضع حدٍّ للسّياسات الاقتصاديّة المحكومة بقوانين السّوق الّتي تتنافى مع متطلّبات ضرورة العيش معًا من تضامنات؛ ولا بدّ للدّولة أن تسترجع دورها في توجيه الاقتصاد نحو تحقيق المطالب الأساسيّة للإنسان، وتوفير الخدمات الضّروريّة في مجالات الصّحة والتّعليم والحدّ من الفوارق المهدّدة للرّوابط الاجتماعيّة.

  • كًتب الكثير من النّصوص الفلسفيّة حول الأزمنة الصّعبة التي مرّت بها البشريّة على مدار تاريخها. ماذا تعلّمنا الفلسفة في زمن وباء كورونا؟

_ تعلّمنا الفلسفة أن لا ننسى اعتبار الإنسان غاية ومقياساً لكلّ شيء. والإنسان هو إنسان بغض النّظر عن جنسه أو لونه أو دينه؛ واعتباره غاية ومقياساً يعني أنّ هويّتنا بوصفنا بشرا هي فوق كلّ الأبعاد الأخرى. ولا يعني ذلك نفي هذه الأبعاد أو الانتقاص من أهميّتها أو تجاهلها، وإنّما التّعامل معها في إطار كونيّة الإنسان وكونيّة حقوقه، وليس باعتبارها منافية لتلك الكونيّة. كما أنّ اعتبارَ الإنسانِ غاية وأساساً لكلّ شيء يقتضي تجديد السّياسات، في كلّ المجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، محليّاً وإقليميّأ وعالميّاً، بعيداً عن كلّ أنانية فرديّة أو قبليّة أو عرقيّة أو قوميّة أو دينيّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This