ورطة الدراما وخسائر النشر في مسلسل “كورونا” / شريف الشافعي

إلى أي مدى يؤثر تعليق الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية في مصر، في زخم المشهد الإبداعي وتطوراته المأمولة؟ وماذا عن الخسائر الاقتصادية الفادحة؛ الحاصلة والمتوقعة، بسبب هذا التوقف، خصوصًا في مجال نشر الكتب، وكذلك في الدراما التلفزيونية، في حالة الاستجابة “الرسمية الكلية” لمطالبات الكثيرين بتأجيل تصوير المسلسلات حماية للعاملين، ونحن على أعتاب الموسم الرمضاني (الشهر التسويقي الأهمّ على مدار العام)؟

تساؤلات كثيرة متشعبة تفرض نفسها بقوة في ظل توقف سائر الأشغال والملتقيات الثقافية والفنية ذات الطابع الجماهيري، الرسمية والخاصة والأهلية، وكذلك اتجاه غالبية المراكز الثقافية الأجنبية والمنابر المستقلة، إلى مجاراة قرار الحكومة المصرية وقطاعات وزارة الثقافة بتعليق التجمعات. ولعلها اللحظة الأخطر منذ سنوات، التي من الضروري أن تتلاقح فيها آراء مبدعين ومسؤولين ثقافيين لترصُّد مخاطر الأزمة، واستشراف حلول ومخططات لتجاوز الحصار، وتداعياته السلبية؛ فنيًّا واقتصاديًّا.

لو أن الأمر قاصر على تلك المهرجانات والاحتفاليات ذات الطبيعة الكرنفالية الدعائية لكان هينًا، لكن كورونا بدا أكثر قوة حتى هذه اللحظة، إذ طاول سائر التجمعات والملتقيات والمؤتمرات الرسمية والأهلية والموازية، المحلية والعربية والدولية، في أرجاء مصر، والأنشطة المتنوعة من دراما تلفزيونية ومسرح وسينما وفنون حركية وأدائية، والحفلات العامة، وغيرها، كما أن حركة نشر الكتب تضررت خلال الفترة القصيرة الماضية بشكل كبير ملموس، ولا يكاد يتصور مثقف أو مبدع أن يبقى الأمر على ما هو عليه وقتًا طويلًا.

وإذا كانت منافذ تمرير الإبداعات الثقافية والفنية يمكن أن تتحدى أي عزل في عصر المحتوى الرقمي والنشر الإلكتروني ومواقع الإنترنت والسوشال ميديا وقنوات يوتيوب وغيرها (وفق البرامج التقنية والاستراتيجيات المستحدثة التي أطلقتها وزارة الثقافة وبعض المؤسسات ودور النشر مؤخرًا لعرض الأنشطة الإبداعية المتنوعة، فيديويًّا عبر الفضاء الافتراضي، ونشر الكتب بصيغ رقمية، كحلول هامشية لشغل أوقات الفراغ وتحقيق رواج ثقافي نسبي)، فإن الخسائر المادية للمنتجين والناشرين ومسوّقي النتاج الثقافي والفني تتجسد كأزمة حقيقية كارثية في ظل القيود الراهنة، فلن يعوّض بث المحتوى الفني إلكترونيًّا تكلفة إنتاجه بطبيعة الحال، كما أن تسويقه بهذه الصورة أمر لا يزال غير مستساغ لدى القاعدة العريضة من الجمهور.

هل لا تزال الحكومة تعتبر نفسها مسؤولة عن دعم الثقافة ومساندتها لكي تمارس دورها التنويري، كقوة ناعمة يُرتجى إشعاعها الداخلي وتأثيرها الخارجي؟ لقد تبنت الدولة في الأشهر الماضية مشروعات من قبيل “مسرح المواجهة”، وأعلنت مطلع العام الجاري، عودة “مهرجان القراءة للجميع”، فهل تتخلى الدولة عن التزاماتها نحو قطاعات الثقافة الحيوية في ظل المحنة الحالية؟

الصورة تبدو أكثر قتامة في ما يخص الإنتاج الدرامي، وحتى هذه اللحظة لم يصدر قرار “حاسم قاطع” من نقابة المهن التمثيلية، برئاسة أشرف زكي، ولا من “اتحاد النقابات الفنية”، بتعليق تصوير المسلسلات الرمضانية بشكل إلزامي، لكن المطالبات بذلك تتسع يومًا بعد يوم، بما قد يدفع النقابات إلى تحويل “توصياتها العامة” من قبيل “تفعيل الإجراءات الطبية الاحترازية وتفادي الخطورة وتجنب مَشاهد الجموع قدر المستطاع وعدم السفر للتصوير في مناطق بعيدة”، إلى إخطار شركات الإنتاج رسميًّا بضرورة التوقف، وهذا ما تنادي به قوى ضاغطة وحملات متعددة في السوشال ميديا، ومنها حملة السيناريست مريم نعوم التي ترفض “تحقيق المكسب على حساب سلامة الآخرين”، وحملة المخرج يسري نصر الله التي تناهض “تعميق أزمة كورونا المَرَضيّة بالرقص على أنغام التيترات”.

لقد استجابت بعض الشركات الإنتاجية بالفعل لهذه الحملات الضاغطة، منها شركة “سينرجي” التي أوقفت التصوير عشرة أيام مبدئيًّا، فيما لجأت شركات أخرى إلى ضغط ساعات العمل اليومية وتكثيفها لمحاولة إنهاء التصوير باكرًا، على اعتبار أن الإنتاج الدرامي شأنه شأن المرافق الحيوية في الدولة، ووجه من وجوه السيادة، وبالتالي فهو يخضع للتقنين وإجراءات السلامة قدر الإمكان، لكن ليس للتعطيل الكامل. فبماذا سينشغل ملايين المصريين المعزولين في منازلهم، حال امتداد حصار كورونا إلى رمضان؟ لقد تخطى الأمر حدوده الفنية، إلى اعتبارات اجتماعية وسياسية واستراتيجية وأمنية.

ومن الوجهة الاقتصادية، فالخسارة ستكون فادحة بالتأكيد بالنسبة لشركات إنتاج المسلسلات حال توقفها نهائيًّا، بل لعلها الخسارة الأكبر على أعتاب افتتاح الموسم الرمضاني والماراثون الإعلاني الأضخم على مدار العام، إلى جانب أزمة إضافية حال التوقف، هي التضرر الكبير للعاملين في هذه المسلسلات من الناحية المادية في هذه المرة، وليس من الناحية الصحية.

أما في حالة تفاقم أزمة كورونا، وتضاؤل فرص وقف انتشار الفيروس خلال الأيام المقبلة، فلن يكون هناك خيار أمام النقابات الفنية، سوى استخدام كافة “سلطاتها الطبيعية” لوقف تصوير المسلسلات التي يشترك فيها ممثلون ومخرجون وكتّاب وموسيقيون وعمّال وغيرهم، ولعله سيكون مناسبًا عندئذٍ أن تتحمل النقابات وشركات الإنتاج معًا مسؤولية تعويض العاملين في هذه الأعمال الدرامية عن أجورهم التي لن يتقاضوها كاملة في ظل التوقف.

ومن حلقة “الدراما الرمضانية” إلى حلقة أخرى في مسلسل “خسائر كورونا” الأكثر مأسوية في 2020، هي حلقة “صناعة النشر”، تلك الصناعة التي تضررت على نطاق واسع، خصوصًا بعد إلغاء كل المعارض المحلية والعربية والدولية، ومنها معارض بغداد وتونس وأربيل والبحرين والكويت وأبوظبي، ومعارض مصرية كثيرة اعتادت الهيئة العامة للكتاب ودور نشر محلية إقامتها خلال السنوات الماضية، ما يعني أزمات مادية طاحنة للناشرين، وضياع فرص ترويجية وتسويقية سنوية وتبديد اتفاقيات اقتصادية مهمة كانت منتظرة.

في مواجهة هذه الأزمات الكبرى، أقدمت دور نشر على تخفيضات بالجملة لتخطّي حالة الكساد، ومبادرات عديدة، منها “خليك بالبيت”، لتوصيل المطبوعات الورقية إلى القرّاء في منازلهم، بأسعار رمزية واشتراكات شهرية زهيدة، إلى جانب منحهم هدايا تحفيزية تتمثل في كتب مجانية، ورقية وإلكترونية.

وفي ظل هذه الأوضاع، يثار من جديد الحديث عن دور الحكومة الحقيقي في دعم الثقافة، فيصير من بين الحلول المطروحة أن تشتري الدولة من الناشرين عددًا مقبولًا من الكتب من كل دار، فبذلك يمكن تخفيف الخسارة، خصوصًا أن في مصر قرابة خمسائة مكتبة عامة تشمل مكتبات قصور الثقافة ووزارة الشباب، يمكنها أن تتسع لهذه الإصدارات بسهولة.

إن الآثار السلبية المترتبة على تعليق الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية ليست فقط الخسارة المادية، بل لعل الخطورة الفعلية هي تلك الخسارة المعنوية بسبب تراجع مؤسسات إنتاج القوى الناعمة، بتمثلاتها وتجلياتها المتنوعة، الأمر الذي يشي بتفريغ إضافي للعقول والقلوب، وإغلاق مسارات كان بوسعها أن تقود إلى المستقبل.

عن المدن

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This