ألمانيا السّوداء

“أنت شديد السّواد كالخراء… أنت لم تكبر على نحو سويّ” ص 31

تلخص هذه الجملة، الّتي سمعها وهو طفل في المدرسة، المسار الحياتي، والنّفسي، للصّحفي الألمانيّ الأسود مارفن أوبونغ، الّذي وُلِد لأب من غانا وأمّ ألمانيّة، ولا يعرف سوى ألمانيا بلداً له. بشرته السّوداء ستكون العلامة الفارقة الّتي لا يمكنه التّنصل منها، مهما حاول أن يفعل. إنّها شيء لا يمكن التّخلص منه، لا جسدياً ولا نفسياً، وما عليه سوى التّأقلم، والقبول والاستسلام، وربّما كان هذا الأمر، هو الّذي جعله يختار عنواناً، لكتابه الصّادر حديثاً، يعكس وضعاً ميؤوساً منه، “الآخر الأبدي، صحفي ألماني أسود”.

قد لا يحمل موضوع الكتاب، في طيّاته أمراً جديداً، عن العنصريّة في ألمانيا، فالقضيّة كانت، وما زالت من البديهيات في الحياة اليوميّة للمجتمع الألمانيّ. وفي نفس الوقت، على المرء أيضاً أن يبقى حذراً، وألاّ ينجرف وراء يقين مشبوه بعنصريةّ ثابتة لا تتزحزح لأيّ مجتمع من المجتمعات، خاصّة أنّ موجة اللّجوء الّتي اجتاحت ألمانيا خلال السّنوات الماضية تحمل إمكانات التّغيير، رغم ما قوبلت به، لاحقّاً من رفضٍ شعبيِّ عارم، أفرز حزباً متطرّفاً، هو حزب البديل من أجل ألمانيا، الّذي اُعترف به في الحياة السّياسيّة الألمانيّة، كباقي الأحزاب الأخرى. رغم وضوحها الفاقع حقّاً، لا تبدو العنصريّة، أو التّفوق العرقيّ أو الدينيّ، خللاً يقتصر على المجتمع الألمانيّ، أو الأوروبيّ عموماً، بل إنّ مظلّتها البائسة، تكاد تظلّل الكثير من المجتمعات البشريّة الأخرى، حتّى تلك الّتي قدم منها لاجئون يبحثون عن ملاذ آمن هرباً من موت وشيك. وضحايا التّمييز العنصريّ، الّذين يُفترض بهم، أن يكونوا أكثر رأفة وتسامحاً مع غيرهم من ذوي الأعراق المختلفة، يمارسون في الواقع، ذات العنصريّة تجاه أناس آخرين.

ولد الكاتب في مدينة مونستر الألمانيّة. كانت طفولته سعيدة مع أبويه، لم يعكر صفوها سوى لونه الأسود، الأمر الّذي جعله يشعر بغربة دائمة، ومزمنة. إذ كان الطّفل الأسود الوحيد في الرّوضة، ولاحقاً في المدرسة، كان الطّالب الوحيد من بين 850 طالب أبيض، ما جعله أحياناً، ينسى أنّه أسود البشرة، بين هذا الكمّ الهائل من الطلاّب البيض.

العنصريّة ليست موقفاً لشخص أو مجموعة، بل هي نظام متكامل تتضافر فيه عوامل عديدة معاً، اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة، لتمثّل واجهة المجتمع العنصريّ. في هذه الحالة يدخل فوراً الوجود الفيزيائي للشّخص “الأسود” مثلاً، في دائرة مغلقة من الأحكام المسبقة، ويُجابَه بمنظومة من التّصرّفات وردود الأفعال المباشرة الّتي تعكس تبنّي، ابن البلد، للقيم العنصريّة. هو لا يحتاج حتّى إلى أن يتكلّم، يكفي لون شعره وعينيه، وملامحه. ولذلك من البديهي أن يُسأل رجل أسود في ألمانيا من أين أتى، فمن غير المعقول للألمان أن يكون هذا الرّجل ألمانياً، حتّى لو وُلد حقّاً في ألمانيا. ولو قال أنّه ألماني، لسمع السّؤال التّالي سريعاً، ولكن “من أين أتيت حقّاً؟” أو “ما أعنيه هو جذورك”. اللّغة الألمانية صعبة، وهذه الصّفة تُستخدم كنوع من التميّز عند بعض الألمان، تميّز يدعم فرادة عرق وهمي. فيُقال للأجنبيّ غالباً من قبيل المديح والمجاملة، أنّ لغته الألمانية جيّدة، ولكن حتّى الكاتب الّذي ولد في ألمانيا ولغته الأمّ هي اللّغة الألمانيّة، تُقال له هذه الملاحظة، مراراً وتكراراً، وكأنّ واقع الحال يقول خلاف ذلك، “فالأسود يأتي من الغابة، وفي الغابة لا يتحدّث المرء اللّغة الألمانيّة ” ص 15

“غالباً ما أُخاطب باللّغة الإنكليزيّة، لأنّ النّاس يعتقدون أنّني لا أفقه الألمانيّة، بالرّغم من أنّني أتقنها أفضل من كثير من الألمان” 16

كابوس العنصريّة يلاحقه، في حياته اليوميّة وفي أدقّ تفاصيلها، في المدرسة والجامعة وفي العمل ومع الجيران، نفس النّظرة الاتهاميّة المبنيّة على لون البشرة فقط. هو مضطر دائماً، لسماع نفس الملاحظات، عن شعره الأجعد كلّما ذهب إلى الحلاّق أو إلى المرقص. السّود بارعون فقط في الرّياضة والغناء والجنس، والرّجل منهم يملك قضيباً كبيراً كالحيوان. “مجمل تاريخ العنصريّة والرّق مليء بالذّل. يعامل ذوي البشرة السّوداء كالحيوانات، بالمناسبة يعرضون في حديقة الحيوان في هامبورغ، كالحيوانات. ويتمّ تصوير ذوي البشرة السّوداء في العديد من الصور كالقرود ما ينطوي أيضاً على ذلّ” ص 25.

ترتبط كلمة أسود في اللّغة الألمانيّة، كما في العديد من اللّغات الأخرى، بكثير من الظّلال السلبيّة، وهي تعني في القاموس “الأصل غير الواضح” 102، مع أنّه ليس هناك ما هو أوضح من سواد المرء بين مجموعة من البيض.

وبهذا المعنى يكون الخروف الأسود (Schwarzes Schaf)، هو المنبوذ الّذي لا ينتمي للمجموعة ويُطرد خارجها. والعمل الأسود (Schwarze Arbeit)، هو العمل من خارج الأنظمة القانونيّة والماليّة، بقصد التّهرب من الضّرائب، ويحاسب صاحبه حساباً شديداً. والكتاب الأسود (Schwarzbuch) هو الّذي يضمّ بين دفّتيه، جميع السّلبيات الخاصّة بمرحلة مّا. والسّفر الأسود (Schwarzfahren)، لمن لم يدفع ثمن التّذكرة في المواصلات العامّة. وطبعاً تطوّرت اللّغة الألمانيّة في هذا المجال فلم يعد ممكناً استخدام مفردة من قبيل زنجي (Negro) لأنّها غير مقبولة، بل يُعاقب عليها القانون الألماني، لأنّها تُعد من قبيل الإهانة. وباتت صفة ملوّن (farbig)، أو صاحب بشرة داكنة (dunkelhäutig)، أخفّ وقعاً، وأكثر قبولاً.

العنصريّة لا تعبّر عن نفسها بالتّصريح الواضح بالكلمات فقط، بل قد تتّخذ أحياناً أشكالاً أخرى، خاصّة في مجال العمل، من ناحية قبول، أو رفض، توظيف الشّخص، لكونه أسود البشرة، أو أجنبياً، أو حتّى من ناحية فرص الارتقاء والتّطور في العمل، وأيضاً العلاقة مع باقي العاملين. وقد خلصت إحدى الدّراسات، الّتي تناولت واقع التّمييز العنصري في سوق التّدريب المهني في ألمانيا، في عام 2014، إلى أنّ “الشّباب من ذوي الخلفيات المهاجرة تبقى فرصهم أقلّ، في الحصول على مقعد للتّدريب المهنيّ، حتّى لو كانوا يمتلكون الكفاءات المطلوبة” ص 136. ولكن ما هو وضع العنصريّة في الوسط الإعلاميّ والثّقافيّ الّذي ينتمي إليه صاحب الكتاب؟ تجربته المهنيّة، تثبت أنّ العنصريّة موجودة، وإن كانت أقلّ حدّة، وبروز من بقيّة مجالات العمل الأخرى، “ماذا يعني أن تكون صحفياً أسود؟ كأسود يجب أن تكون دائماً أفضل قليلاً من الآخرين حتّى تحصل على نفس الفرص، كما يقول البعض. … في مجال الصّحافة هناك الكثير من العنصريين الّذين يصولون ويجولون هنا، مثلهم مثل الآخرين، ربّما أقلّ قليلاً” ص 147

أضافت هجمات 11 أيلول 2001، معاناة جديدة على كاهل الصّحفي الأسود، لا تخلو من طرافة مريرة، تعكس واقع الحال. فهو لم يعد، بعد هذا التّاريخ، ذلك الشّخص الأسود فقط، بل صار يُنظر إليه كمسلم أيضاً، رغماً عنه، مع أنّه مسيحي. “من السّيء أن تكون مسلماً [في ألمانيا]، ولكن الأسوأ، هو أن تكون مسلماً من شمال أفريقيا، بعد أحداث محطّة القطارات في كولن” ص 212. وربّما درءاً لهذه المعاناة المضاعفة، يضع الكثير من اللاّجئين الأفارقة صليباً بارزاً على الصّدر ليدفعوا عن أنفسهم شبهة الإسلام. ولكن هيهات.

العنصريّة هي وجه سلبي ظاهر في المجتمع الألمانيّ، الّذي يضمّ أيضاً، وجوهاً إيجابيّة كثيرة أيضاً، لا يجدر إغفالها. وما أورده الكاتب في سياق كتابه، من أمثلة وحوادث عنصريّة، واجهته في حياته، أثقلت الكتاب، وأبعدته عن التعمّق في تناول ظاهرة مجتمعيّة، لا يكاد يخلو منها مجتمع إنساني. العنصريّة تحتاج إلى الكثير من التّحليل، لمعرفة آلياتها، وتفكيك شيفراتها، وتبيان الجذور الدّاعمة لها.

******

Ewig anders :Marvin Oppong, Verlag JHW. Dietz Nachf. GmbH, 2019.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This