محمد نور الدين أفاية: لا مجال للحديث عن ديمقراطية من دون ديمقراطيين /  حاوره أشرف الحساني

محمد نور الدين أفاية: لا مجال للحديث عن ديمقراطية من دون ديمقراطيين</p>مفكر مغربي يتساءل عما إذا كان هروب «بن علي» وإزاحة مبارك وقتل القذافي وتفجير سوريا… يدخل في باب النجاحات أم الكوارث؟
للمفكر المغربي محمد نور الدين أفاية قوة فكرية صلبة، وقدرة هائلة على التنقل داخل موضوعات ومفاهيم فكرية متنوعة من دون أن يصاب باختلال منهجي أو فقر معرفي، ما جعله اليوم في طليعة المفكرين المغاربة الذين اتسمت أعمالهم بنوع من الدقة في اختيار الموضوعات، مثل المتخيل والصورة والتواصل والفضاء العمومي وغيرها من الموضوعات التي تبدو أقرب إلى مشاغل الفلسفة المعاصرة، إلى جانب اهتماماته الكبرى بقضايا وإشكالات لها علاقة وطيدة بالمتخيل في علاقته بالآخر داخل الثقافة العربية منذ العصر الوسيط إلى الآن.

صدر له في هذا الصدد العديد من الكتب، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: «الديمقراطية المنقوصة»، و«أسئلة النهضة في المغرب»، و«الغرب المتخيل: صور الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط»، و«صور الغيرية: تجليات الآخر في الفكر العربي الإسلامي»، و«الوعي بالاعتراف»، وغيرها.

وفي مناسبة صدور كتابه الجديد عن المركز الثقافي للكتاب «الصورة والمعنى: السينما والتفكير بالفعل»، تحاوره «الفيصل» حول الكتاب نفسه وعدد من القضايا التي انشغل بها طوال العقود الماضية.

● لنبدأ هذا الحوار بكتابك الجديد «الصورة والمعنى» الصادر حديثًا ضمن منشورات المركز الثقافي للكتاب. بداية كيف يمكن للسينما العربية اليوم أن تصبح تفكيرًا بالفعل، وهو العنوان الفرعي المتحول الذي جاء ضمن صيغة العنوان «الصورة والمعنى: السينما والتفكير بالفعل»؟

■ «كيف يمكن للسينما العربية اليوم أن تفكر بالفعل؟» سؤال متعدد الخلفيات والمقاصد بلا شك؛ لأنه يطرح قضية الإبداع باعتبارها قضية فكرية وتجليًا لمستوى متقدم للفاعلية النظرية، وهذا الانشغال لم يكن غريبًا عن السينمائيين العرب ولا سيما المصريين منهم منذ أواسط الخمسينات، أما جيل العقود الثلاثة من القرن العشرين وبدايات هذه الألفية فإننا نجد العديد من الأعمال التي تسكنها قضايا فكرية ووجودية وإنسانية تعبر عن مستوى راقٍ من التأمل والتفكير بواسطة السينما.

فالسينما، كما هو معلوم، فن صعب وإشكالي، والمؤكد أن إنجاز فلم هو انتصار على كل العوائق السياسية والمجتمعية، وهي قاسية في حالتنا، كما على المشاكل المادية والثقافية والنفسية التي تسعف أو لا تسعف الفاعل السينمائي في بناء سروده ورسائله؛ ومع ذلك وجدنا وما زلنا نفاجأ بسينمائيين عرب تمكنوا من صياغة أفكارهم ومواقفهم بالرغم من مختلف أصناف الرقابات والمحرمات. ومن ناحية أخرى تشكل السينما تفكيرًا بالفعل منذ الفكرة الأولى التي تراود صاحبها، إلى عملية بناء السيناريو، وهو أمر ليس سهلًا على الإطلاق، مرورًا بكل المراحل المادية والإدارية والتواصلية لبلوغ لحظتي التصوير والإخراج اللتين تعبران عن قدرات الفاعل السينمائي على الترجمة البصرية للرواية الفلمية، إلى المرحلة الحاسمة المتمثلة في تركيب ما سُجِّلَ من صور ولقطات ومتواليات ومشاهد.

ومن الواضح أن كتاب «الصورة والمعنى»، على هذا المستوى، يدعو إلى النظر إلى العمل السينمائي بوصفه حقلًا إبداعيًّا يتجاوز الاهتمام السينمائي التقني ليتشابك مع أسئلة الذات والفكر والتاريخ والوجود؛ كما يسجل أن السينما العربية بمقدار ما كثفت هموم المثقف وانشغالاته لم يولِها هذا الأخير ما تستحق من عناية، وهو ما أحدث انفصالًا شبه تام عما تقدمه الأفلام العربية، باختلاف اختيارات أصحابها وتنوع حساسياتهم الفكرية والجمالية. وفي كل الأحوال إذا كان الكتاب يتناول بعض أسئلة السينما العربية، فإن قارئه سيلحظ أنه يتناول موضوعات الجماليات والكتابة السينمائية والفكر النقدي في أبعادها النظرية العامة، كما يتعرض بالقراءة والتحليل لأفلام غير عربية.

● تعيش الجامعة المغربية ومختبراتها سلفية ثقافية قاتلة للفن والجمال من خلال المراهنة على موضوعات لن أقول إنه أصبح لها طابع كلاسيكي داخل منظومة الفكر العربي، ولكن ستبدو بعيدة عما يجري حاليًّا من اهتمام بموضوعات مثل الصورة والجسد والمتخيل والفضاء العمومي وغيرها من المفاهيم، التي أصبح لها اليوم طابع المحورية في التناول والتداول. لماذا في نظرك عزوف هذه المختبرات عن مثل هذه المجالات المعرفية والفنية؟

■ أن تلحظ أن الجامعة المغربية تم تسييجها بنزعات أصولية وسلفية فذلك ما يدخل ضمن المعاينة الواقعية، ليس فقط على صعيد محاصرة الاهتمام بالإبداع والجمال، وإنما بالتغلغل التدريجي والمفكر فيه من طرف الجهات التي حركت هذه النزعات طيلة العقود الثلاثة الأخيرة ووطنتها في جل مستويات التفكير والسلوك واللغات والمواقف. هناك مقاومات دائمة لذلك ومناقشات حامية، والأمر ليس محسومًا على كل حال. وإن كنا نعاين هذا الواقع فذلك لا ينفي كون هذه الجامعة اهتمت بقضايا الفن والأدب والإبداع والنقد منذ ستينيات القرن الماضي، وشكل هذا الاهتمام مدخلًا من مداخل الانتهال من الفكر الحديث، سواء تحت تأثير الاجتهادات النهضوية العربية أو بواسطة الاحتكاك المباشر بممثلي التيارات الأدبية والنقدية الأوربية. ولا تنسَ أن أساتذة كبارًا مروا بالجامعة المغربية من العرب وغير العرب، وأن رولان بارت درس، ولو بشكل محدود، بجامعة الرباط، وأن مفكرين كانوا يزورونها من أمثال تودوروف ودريدا وغيرهما.

علينا الإقرار بكون الانشغال بالفكر البصري كان من بين انشغالات المفكرين المغاربة، ومنهم عبدالله العروي وبخاصة عبدالكبير الخطيبي الذي نشر دراسات عديدة في موضوعات الرسم والأبعاد البصرية للثقافة الشعبية، وألف بحوثًا لا تزال تشكل مراجع بالنسبة للمشتغلين بهذه الحقول. كما تشكلت منذ سبعينيات القرن الماضي نخبة للتفكير في قضايا الصورة والإبداع والجسد. أما عملية إدماج الجماليات في شعب الفلسفة فلم تبدأ، مؤسسيًّا وبرنامجيًّا، إلا في أواسط تسعينيات القرن الماضي في كليتي الآداب والعلوم الإنسانية في الدار البيضاء والرباط، وهو إدماج ساهم، وإن بشكل متواضع، في إطلاق بحوث ومناقشات انخرط فيها عدد لا بأس به من الشباب الباحثين والنقاد.

● هل بالفعل هنالك مشروع سينمائي عربي يتأتى للباحث من خلاله اجتراح مشروع فكري يقوم في منطلقاته المعرفية والمنهجية من السينما ليتشابك مع قضايا ومفاهيم فكرية كبرى تجد صداها أكثر داخل الفكر العربي؟

■ يصعب الحديث عن «مشروع سينمائي عربي» بهذه العمومية؛ لأن لكل بلد عربي سياساته في هذا المجال؛ وتبين الوقائع العربية مع تفكك ما يسمى بـ«النظام الإقليمي العربي» مدى صعوبة توافر أي شكل من أشكال التعاون والتكامل على صعيد الصناعة السينمائية. نشهد سينمات تتراجع وتتدهور دورتها الإنتاجية، كما هو حال السينما المصرية والجزائرية، وسينمات تتنامى، على الأقل كميًّا، كما هو شأن السينما المغربية، وبدأنا نعاين بدايات أعمال تجريبية خليجية سواء على مستوى الإخراج أو على صعيد تأسيس بعض صناديق دعم الإنتاج السينمائي، لكن الحديث عن مشروعات مشتركة فهي مع الأسف الشديد منعدمة أو قليلة الحصول.

أما بخصوص الشق الثاني من سؤالك المتعلق بمدى تفاعل الفكر بالسينما فيمكن القول إننا نجد قراءات ومتابعات نقدية، ونعثر على عروض لتيارات السينما العالمية، كما نلقى كتابات تأملية تحكي غرامها بالسينما، وترجمات. غير أنه إذا كانت السينما لم تحظَ بما تمتعت به حقول الإبداع الأخرى من طرف المفكرين العرب، فإن نقادًا وباحثين جعلوا من السينما موضوعًا دائمًا لتفكيرهم وكتاباتهم ومؤلفاتهم. هم قلائل بدون شك قياسًا بالعدد الكبير من «النقاد السينمائيين» الذين يكتبون في صحف ومجلات ومواقع، لكون من يمارس النقد بخلفية فكرية وجمالية مشتتين وتجد كتاباتهم صعوبة في الوصول إلى العديد من الأقطار العربية.

فكر يتجاوز الحدود
● اتصالًا بموضوع الفكر العربي، فاز كتابك «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية» عام 2015م بجائزة أهم كتاب عربي، التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي ببيروت. هل أنت ممن يوافقون على هذا التقسيم الذي قد يراه بعض الكتاب «تعسفيًّا» على صيغة فكر عربي وآخر غربي؟ أم أن المسار الذي يحفره التفكير بشكل عام له أبعاد كونية لا تتقيد لا بالحدود الجغرافية ولا حتى بالسياقات التاريخية، التي قد تفرزها طبيعة تحولات ما داخل هذه المجالات الجغرافية التي قد ينتمي إليها فكر ما؟

■ سؤالك إشكالي وتصعب مقاربته باستعجال، ذلك أن الفكر المبدع هو فكر إنساني، كيفما كان مكانه وزمانه والثقافة التي انبثق منها، قد يكون له منشأ ومؤلف وسياق ولكن بُعده الإبداعي يجعله يتجاوز الحدود وينتقل من لغة إلى أخرى ومن نص إلى آخر. هناك فكر أوربي له تاريخ وأعلام ومتون كبرى، وشهد تطورات وقطائع، وامتد إلى أرجاء واسعة من العالم؛ لأنه كان يحمل انفتاحات فكرية جديدة كبرى؛ كما يمكن القول: إن هناك فكرًا روسيًّا أو صينيًّا أو أميركيًّا لاتينيًّا، أو عربيًّا لكن شريطة تفادي السقوط في نزعة جوهرانية تمنح هذا الفكرَ أو ذاك خصوصية لا تشبه أحدًا. فالفلسفة الأوربية الحديثة، بشهادة العديد من الدارسين النزهاء، انتهلت من العطاءات الفلسفية العربية الوسيطة ومنها استلهمت بعض أفكارها ونمط أسئلتها. لذلك فإن إقامة حواجز جغرافية أو فواصل نظرية في مجال إنتاج وتداول الأفكار ما بين القومي والكوني عملية غير منتجة.

● أتذكر جيدًا نقدك الصارم والمؤسس علميًّا لكتاب عبدالله العروي «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» ذات ندوة بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء على خلفية عنوان الندوة، التي ارتأى منظموها أن تكون حول الآفاق المستقبلية وتأثير الكتاب في الفكر العربي المعاصر، في الوقت الذي يرى فيه العروي في أكثر من مناسبة أن كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» أسيء فهمه، مع العلم اني أرى شخصيًّا العروي في كتابه، لم يخرج عن منطق التحليل إلى فضاء التنظير داخل أقسامه، مقارنة بأحد كتبه الأخيرة «الفلسفة والتاريخ». ما رأيك؟

■ عبدالله العروي أنتج مؤلفات مرجعية لا جدال في ذلك، وتلتقي كلها حول حاجة الفكر العربي إلى استيعاب مقومات الحداثة والانتماء إلى زمن العالم. وهو مفكر جسور، ظهرت قوته النظرية والسجالية منذ «الأيديولوجية العربية المعاصرة» الذي نُشر أولًا بالفرنسية سنة ١٩٦٧م، إلى آخر كتاب له حول «الفلسفة والتاريخ». يصعب وأنت تقرأ نصوصه ألا تستوقفك أسئلته ونمط تحليله للقضايا الفكرية والتاريخية والسياسية التي يعالجها؛ كما نجد في سلسلة «المفاهيم» (الأدلوجة، الحرية، الدولة، العقل، التاريخ) انفتاحات نظرية في منتهى العمق والأصالة. فالرجل ترك وسيترك آثارًا لن تمحى في الفكر المغربي والعربي، على الرغم من إحساسه شبه التراجيدي بأنه مفكر «غير مفهوم»، أو يحصل بين كتاباته ومن يكتب عنها ويناقشها «سوء فهم» مستديم. وهذا ما حاولت، أكثر من مرة، تبيانه عند مواجهتي نصوصه وكتاباته، سواء في كتابي «في النقد الفلسفي المعاصر، مصادره الغربية وتجلياته العربية»، أو في «النهضة المُعَلقة» الذي سينشر في الأسابيع القادمة ببيروت.

● تستمد كتابات عبدالله العروي قوتها من وقوفها على أرضية التاريخ، فهو لا يعترف في مجال العلوم الإنسانية إلا بهذا العلم الجامع، الذي يستمد منه كل مقارباته وتحليلاته، مقصرًا في المقاربة الأنثروبولوجية التي تنشأ من خلال ظواهر هامشية قد تسعفنا إلى فهم طبيعة التحولات التي تشهدها بنية العقل العربي. لماذا ذلك في نظرك؟ هل المقاربة التاريخية وحدها تكفي لفهم ما يجري داخل مسار التاريخ العربي؟

■ العروي مؤرخ مسكون بضرورة إدماج التاريخ في نظرتنا إلى الذات، إلى الآخر وإلى العالم، ولكنه لا يكتفي بالتاريخ لمعالجة القضايا النظرية أو الظواهر السياسية، وإنما يرى، كما أكد على ذلك في كتاب «الفلسفة والتاريخ»، أنه يمشي على رِجْلَين: التاريخ والفلسفة. والقارئ لكتاباته سيلحظ أنه لا يقتصر على هذين الحقلين المعرفيين، وإنما بحكم ثقافته الواسعة، يستدعي الرواية والسينما والشعر وعلم السياسة وغيرها من المجالات التي يستلهمها لتعزيز بنائه التحليلي أو نمطه الإقناعي. أما تحفظه الواضح من بعض الحقول البحثية، كما هو شأن الأنثروبولوجية، فيبدو أنه يجد تفسيره في احتكاكه الكبير بالأدبيات الاستشراقية والاستعمارية، وتبرمه الواضح مما يسميه بـ«الفلكلور» أو الثقافة الشعبية، أو بلغة الفلسفة من تهويمات «الحس المشترك».

● يرى الخطيبي أن فكر العروي يقدم توليفًا بين أيديولوجية ماركسية مبسطة أسماها العروي
بـ «الماركسية الموضوعية» ثم الأيديولوجيا القومية، وهما أيديولوجيتان في نظر الخطيبي تمتحان أبعادهما الفكرية من «تقليد ميتافيزيقي، أخلاقي وفكري، يحتاج بناؤه المفاهيمي إلى مساءلة وتوضيح جذري».
كيف يمكن أن نقرأ ذلك في نظرك اليوم عربيًّا أمام كل هذه التحولات التي شهدتها المنطقة العربية منذ 2011م إلى الآن؟

■ للاقتراب من سؤالك يتعين الانتباه إلى أن فكر العروي يتموقع ضمن التقليد الجدلي في الفلسفة الألمانية، ولا سيما في تعبيراتها الهيغيلية وكتابات ماركس الشاب؛ وخصوصًا ما يتعلق بأدوار الدولة في صنع التاريخ واستنبات مقومات الحداثة. في حين أن الخطيبي، وإن كان يقر بتأثره بالماركسية، إلا أن قاعدته النقدية استمدها من فلاسفة الاختلاف الفرنسيين، ومن دريدا بشكل أخص؛ فضلًا عن أن العروي وبحكم اقتناعه الراسخ بأهمية المعرفة العلمية في أي مشروع نهضوي كان يستبعد كل إحالة على المتخيل الجمعي أو الثقافة الشعبية، عكس الخطيبي الذي كان يرى في هذه الأخيرة خزانًا إبداعيًّا وتجليًّا للخيال وحقلًا خصبًا للتعبير عن الاختلاف والتعدد. لهذه الأسباب وغيرها كان من الطبيعي أن يحصل هذا الاشتباك النقدي بين المفكرين، وإن كانا مقتنعين، معًا، بالحاجة التاريخية إلى الفكر العصري وبإدماج قيم الحرية والعدالة والتقدم.

الفكر العربي والربيع العربي
● في السياق نفسه، تبدو المشروعات الفكرية العربية اليوم عاجزة أمام هذه التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي طالت العالم العربي، وبخاصة بعد ما سمي بموجة «الربيع العربي» داخل بعض الأدبيات الفكرية. كيف ترى وتشخص من موقعك كمفكر طبيعة الكتابات الفكرية المغربية، التي تناولت وقاربت «الربيع العربي» سواء بالسلب أو بالإيجاب؟

■ لا جدال في أننا نشهد اضطرابًا غير مسبوق في السياسة والتاريخ، وفوضى فكرية تشوه فعالية الفكر وتشوش على الاستعمال الأمثل للأفكار والمفاهيم، وبناء عليه كيف يمكن الحديث عن عجز أو قصور أو قوة ونجاعة «فكر عربي» اليوم؟ وانطلاقًا من أي موقع نصدر هذه الأحكام؟ هل يحصل ذلك اعتبارًا للتطور الداخلي للفكر العربي المعاصر، من حيث مرجعياته ومفاهيمه ومناهجه؟ أم نحكم عليه قياسًا إلى ما تشهده الساحات العربية من تفكك وانهيارات وتراجعات؟ لذلك يبدو لي من الأليق التزام درجة من الحذر والنسبية في الحكم على «المشروعات الفكرية العربية»، ولا سيما بعد ما حصل في أغلب الأقطار العربية بعد ٢٠١١م. وأنا مقتنع أن ما جرى ويجري حدث تاريخي كبير في منتهى التعقيد والتشابك بين إرادات وإستراتيجيات دول وجهات ومصالح ضخمة كانت وما تزال الجغرافيا العربية ضحيتها، تشكلت تعبيراتها الأولى بزرع الكيان الصهيوني في قلب الجغرافيا العربية، مرورًا بالثورة الخمينية سنة ١٩٧٩م، وحرب الخليج الأولى، ثم الثانية إلى الاحتلال الأميركي المباشر للعراق. ولعلك تعرف أن ما جرى للعراق من انهيار لدولته وتفكك بنيانه الاجتماعي سمح لقوى إقليمية، مثل إيران وإسرائيل وتركيا، بأن تفعل في الجسم العربي ما تفعل فيه من احتلال واختراق وتفكيك للأنسجة الديمغرافية والمذهبية، ونهب لثرواته وتهجير لسكانه وتشويه لتعدده البشري والثقافي الغني والاستثنائي.

لذلك فإنه إزاء ضجيج السلاح وقوة المؤامرات ووحشية التعامل مع الكائن العربي والاستخفاف من العمل الفكري، من جهات داخلية بسبب التسلطية والاستبداد، أو خارجية بحكم المصالح التي تحرك أصحابها، ماذا يمكن أن تنتظر من المفكر أن يفعل مهما كانت صدقية المشروعات الفكرية التي يقترحها على أصحاب القرار للخروج من المآزق والانسدادات التي تشهدها الكيانات السياسية في الجغرافيا العربية؛ بل إن هذا الذي سمي بالعالم العربي تحول إلى فسيفساء من الدول الهشة التي رهنت وجودها في غالبيتها لقوى دولية أو إقليمية، وانخرطت في حروب وفتن لا أحد يمكنه التكهن بمآلاتها.

أما بخصوص ما كتب حول «الربيع العربي»، وهي تسمية تبرمتُ من استعمالها منذ بدايات الحراكات العربية في ٢٠١١م، وهو ما تجده واضحًا في كتابي «الديمقراطية المنقوصة»، فإنني ألحظ أن عددًا كبيرًا من المثقفين والمفكرين انجرفوا، في البداية، وراء حماس انتفاضات الشباب والنساء ضد الاستبداد العربي، وأطلقوا بشائر تقول بالقطيعة مع سياسات الإذلال والخروج من التسلطية؛ إلا أن الوقائع والمكايد أطلقت على الساحات المنتفضة بُعبُعًا يختبئ وراء الدين والمقدس كان يتهيأ للانقضاض على مقدرات الأمور، سواء باسم مسلسل الانتقال السلمي للسلطة أو بقوة السلاح والقتل. ولا شك أن كتابات وتحاليل غزيرة حُرِّرت منذ ذلك الحين تتفاوت صدقية أفكار أصحابها ومعايناتهم للارتجاجات الكبرى التي شهدتها ولا تزال تشهدها البلدان العربية.

● لماذا في نظرك لم ينجح الحراك المغربي في ذلك الإبان كما حصل ببعض البلدان العربية من خلال الثورة على جميع المؤسسات السياسية والاجتماعية، حتى وجدنا أنفسنا أمام حكومة تدعي أنها إسلامية، وتستعمل هذا الرأسمال الديني في منازعتها السياسية اليومية؟

■ لا أدري إلى أي حد يمكن الحكم على الحراكات العربية بالناجحة أو الفاشلة؟ هل هروب بن علي وإزاحة مبارك وقتل القذافي وتفجير سوريا… يدخل في باب النجاحات أم في باب الكوارث؟ لذلك يصعب عليَّ اعتبار حراك ٢٠ فبراير في المغرب بكونه لم ينجح. لا شك أن شبابًا ونساء وشرائح اجتماعية خرجت في مدن مغربية عديدة للاحتجاج والمطالبة بتغيير السياسات وإقرار نظام يضمن العدالة والحرية والكرامة. وهي ممارسات احتجاجية ليست جديدة في المغرب كما تعلم، فمنذ أواسط التسعينيات والمدن والبوادي المغربية تعرف إضرابات ومظاهرات واعتصامات يومية تدربت السلطات على كيفيات تسييرها ومحاصرتها وأحيان قمعها؛ لذلك حين انطلقت شرارات الاحتجاجات في تونس ومصر، وتشكلت حركة ٢٠ فبراير في المغرب اهتدت الدولة إلى كيفية امتصاص زخم هذه الاحتجاجات من خلال تدخل استباقي بالدعوة إلى وضع دستور جديد، وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، وتغيير الحكومة. وعليك ألا تنسى أن المغرب شهد منذ بداية الألفية انفتاحًا غير مسبوق في العالم العربي، كان من عناوينه محاكمة الحقبة السياسية السابقة على حكم الملك محمد السادس، الذي وجد «تناوبًا سياسيًّا» حصل فيه إدماج أهم حزب سياسي معارض للملكية، وانخرط في إقرار آلية «الإنصاف والمصالحة» لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي جرت في عهد والده، ودعا إلى وضع تقرير نقدي لسياسات التنمية البشرية، وإقامة مؤسسات للضبط والحكامة…إلخ. وهذه مقدمات ساهمت، بكيفيات مختلفة، في تحييد مخاطر الدعوة إلى تغيير النظام، كما حصل في بلدان عربية تميزت أنظمتها بكثير من الطغيان والتسلطية.

● إلى أي حد استطاع «الربيع العربي»، أن يؤثر في سياسات الأنظمة الدكتاتورية العربية، علمًا أن هذه الأخيرة لم تعرف أبدًا انتقالًا ديمقراطيًّا على الرغم من سقوط بعضها؟

■ الظاهر أننا نستعمل العديد من الكلمات من دون إدراك حمولاتها العميقة، ومنها كلمة الديمقراطية، أو الانتقال الديمقراطي؛ إذ لا مجال للحديث عن ديمقراطية من دون ديمقراطيين. والحال أن للديمقراطية ثقافة وتاريخًا ومرجعيات وتجارب، ولا يكفي الاتفاق على دستور وإجراء انتخابات، حتى لو كانت نزيهة، وضمان تداول على السلطة لادعاء الانتماء إلى نادي الديمقراطية؛ لأن هذه الإجراءات تدخل ضمن ما يسميه بعض فقهاء القانون بـ«الدستورانية» التي يمكن أن تسعف في إقامة أرضية ديمقراطية ولكنها غير كافية على الإطلاق لتحقيقها. فالديمقراطية تتبلور وتنضج بإقرار حقوق اقتصادية، بواسطة توزيع منصف للثروة، وسياسية من خلال توسيع دائرة الحريات والمشاركة، واجتماعية بإقرار عدالة اجتماعية، وثقافية بالاعتراف بالتنوع الثقافي الذي يعتمل داخل كل المجتمعات حتى لا تشعر بعض الفئات بالاستبعاد والظلم. ثم إن الديمقراطية هي حرية التعبير والنقد ومحاسبة المسؤولين. فالمسؤول في الديمقراطية هو الذي يُسْأَل عن نتائج سياساته سواء بالسلب أو بالإيجاب. هذا على الصعيد المبدئي؛ أما الانتقال فأمره أعقد؛ لأنه يستدعي توافقا وطنيًّا جامعًا للخروج من ثقل الاستبداد، وتحضير المرحلة التي تفضي إلى الديمقراطية المُوَطَّدة. وذلك ما يفترض قوى تحمل قيم المجتمع الديمقراطي وتناضل، حقًّا، من أجل استنباتها في الأذهان والوجدان والسلوك. وإذا استثنينا ما يجري في تونس من محاولات الانتقال العسيرة، فإن المشاهد التي نراها في مجتمعات الحراك، على اختلاف كيميائها السياسية والاجتماعية، تتفاوت ما بين مظاهر الخراب والتسلط، وما بين الارتباك والتحايل على الاستجابة لمطالب الحرية والعدالة والكرامة، وما بين الانتظارية والوعود المجهضة.

معضلة التعليم في المغرب
● يشهد المجتمع المغربي هذه الأيام سجالًا قويًّا حول بعض القرارات، التي التجأت إليها وزارة التعليم في بلادنا ومدارها الإشكالي حول «فرنسة» بعض المواد العلمية، التي كانت تدرس سابقًا باللغة العربية، وهو ما أثار غضبًا لدى بعض المثقفين المغاربة. هل في نظرك يشكل ذلك خطرًا على اللغة العربية داخل الأجيال القادمة؟

■ معضلة التعليم في المغرب ليست وليدة اليوم، وإنما شكلت منذ الاستقلال سنة ١٩٥٦م قضية حُشِرَت في خضم الصراعات السياسية على السلطة، وتحولت إلى حقل تنازعي حول الاختيارات الكبرى التي من خلالها يمكن إما الانخراط في النهضة والتقدم أو الارتكان إلى البنيات المحافظة لضمان استمرارية توازنات النظام. ويمكن القول، بدون تردد: إن المغرب أضاع فرصًا عديدة لوضع ميثاق تعليمي عصري، وهو يؤدي أثمانًا باهظة بسبب هذا الهدر، ولا يزال.

ولإنقاذ هذا القطاع الحيوي قررت الدولة، اعتمادًا على الدستور الذي وضع سنة ٢٠١١م بعد ما سمي بالحراك الاحتجاجي، تأسيس «المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي» لمباشرة وضع تصور جديد لإصلاح منظومة التعليم. وقد أنتج المجلس «رؤية إستراتيجية» تبدو لي أنها تشكل أرضية فعلية للارتقاء بالتعليم وبالناشئة المغربية، لكن المؤكد أن المشروع لم يوضع في الإطار المؤسسي الوطني الجامع المنتظر منه قياسًا إلى الرهانات الكبرى التي اقترحتها الرؤية على المجتمع السياسي والمدني المغربي؛ لأن الحسابات السياسوية والمزايدات الأيديولوجية للأغلبية الحكومية، وتخبط أصحاب القرار في تدبير هذا القطاع عومت جوهر الرؤية، وحَرفتها عن مقاصدها وأهدافها الأساسية، وذلك باختزال مشكلة التعليم في قضية لغة التدريس، والحال أن الأمر أعقد من ذلك. وتؤكد المشاحنات التي جرت حول هذا الموضوع محدودية تفكير النخب السياسية في الاتفاق حول المبادئ الكبرى للتعليم والتكوين، وإضاعة فرصة أخرى على المغرب لإقرار منظومة تعليمية تساعده على الخروج من الترتيب المتأخر في مؤشرات التنمية البشرية. وأحسب أنه من دون «تعاقد وطني كبير» حول التعليم، وتكوين قوي وسليم للجسم التعليمي، وإدارة تربوية ناجعة ومسؤولة، ومناهج وبرامج مستنيرة، وإقامة سِلْم مهني مستديم، لا يمكن التعويل على أي إصلاح حتى لو بعد المصادقة على «القانون الإطار». أما قضية اللغة والتربية فمقاربتهما تستدعي حديثًا مطولًا.

الفرانكفونية والهوية والحداثة
● هذا الأمر تزكيه وبشكل قطعي مقولة فرانسوا ميتران: إن الفرانكفونية ليست هي اللغة الفرنسية وحسب. وإذا لم نتوصل إلى الاقتناع بأن الانتماء إلى العالم الفرانكفوني، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، يمثل إضافة، فإننا سنكون قد فشلنا في العمل الذي بدأناه منذ سنوات أمام هذا المرض الذي استبد بالثقافة العربية. من هذا المنطلق، كيف يمكن أن ننخرط في الفرانكفونية وأن ننسج معها سجالًا معرفًّيا ونقيم فيها دون أن ننتمي إليها من الجانب الهوياتي؟

■ لا تنسَ أن فرنسا احتلت المغرب طيلة ٤٤ سنة بدعوى حماية نظام المخزن وإجراء إصلاحات؛ وقد تمكنت خلال هذه المدة من صُنع مجتمع جديد من حيث بنياته الاقتصادية، ومؤسساته الإدارية، ومنظومته التعليمية، ولغاته وثقافته وعلاقاته الاجتماعية. لا شك أن المجتمع المغربي ونخبه قاوما محاولات الاستلاب والمحو. لكن تمكنت فرنسا من خلخلة كل مقدرات الوجود المغربي، وشكلت الآخر والنموذج بامتياز- علمًا أن فرنسا تقاسمت السيطرة على المغرب مع إسبانيا حيث احتلت هذه الأخيرة شماله وجنوبه، مع فارق أن الاستعمار الإسباني كان يعد نموذجًا متخلفًا- وأنتجت بذلك شرائح اجتماعية وقوى ارتهنت بمصالحها.

ولذلك لا تزال اللغة الفرنسية مهيمنة في العديد من القطاعات الاقتصادية والإدارية، ولها حضور بارز على الصعيد الثقافي والتعليمي. فهناك أدب مغربي مكتوب بالفرنسية منذ أربعينيات القرن الماضي إلى اليوم، والعديد من الأفلام المغربية تستفيد من الإنتاج المشترك مع فرنسا، بل نلحظ في السنوات القليلة الأخيرة تهافتًا غير مسبوق من طرف بعض فئات الطبقة الوسطى على تعليم أبنائهم في مدارس البعثة الفرنسية. وتحولت هذه اللغة ليس فقط إلى غنيمة حرب، كما سماها الأديب الجزائري كاتب ياسين، وإنما إلى عنصر مكون للنسيج الثقافي والرمزي والنفسي في المغرب، وذلك رغم كل المقاومات التي تعرضت وتتعرض لها من طرف قوى سياسية وتيارات أيديولوجية كثيرًا ما تحسب على الصف المحافظ، حتى لو وجدنا بعض مناهضيها من هؤلاء يسجلون أبناءهم في بعثاتها. بل ترتب عن هذا الواقع تقاطبات ومزايدات بل أوهامًا تقضي بالقول بأن اللغة الفرنسية وثقافتها تفتح وتشجع على الانخراط في الحداثة، في حين أن التشبت بالعربية معناه المحافظة وتعزيز النزعات الثراثية ونشر الإسلام السياسي. هذا معطى مفارق في المغرب له أبعاد سياسية وإستراتيجية كبرى، وله انعكاسات هوياتية وثقافية لا شك في ذلك؛ وأرى أن الفاعل السياسي، منذ الاستقلال إلى الآن، يتحمل مسؤولية كبرى في التخبط اللغوي الذي يشهده المغرب، وفي غياب تهيئة لغوية سليمة وملائمة للتنوع الذي تعرفه اللغات الرسمية وغير الرسمية في البلاد. والظاهر أن لا شيء محسوم أو يراد له الحسم على هذا الصعيد؛ لأن ما جرى من مشاحنات وسجالات حول لغة التدريس في التعليم يثبت هذه المعاينة.

وفي كل الأحوال لا مجال للتعويل على القوى المحافظة ووكلاء الإسلام السياسي من أجل تطوير اللغة العربية أو المساهمة في إقامة تعليم عصري، وأكدت أغلب التجارب هذا الأمر، كما أن الحديث عن هيمنة اللغة الفرنسية لا يجب أن يمنعنا من الملاحظة بأن الثقافة العصرية بالعربية لها حضور وتأثير ظاهر، وأن مالكي ناصيتي اللغتين، العربية والفرنسية، المقتنعين بالحاجة إلى توطين تعليم عصري وعلمي أقدر من غيرهم، حسب ما يبدو لي، على معالجة هذه الإشكالية من دون تشنجات أو تخندق أيديولوجي أو سياسي.

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This