وحشة ما قبل “كورونا” وعزلة ما بعده / سامر القرنشاوي

في الظروف العادية، قد تقرر الانقطاع عن الناس لأيامٍ لسببٍ أو آخر، ربما لا تغادر خلالها بيتك. لكن هذا اختيارك، الشعور مختلفٌ تماماً حين يُفرض عليك الأمر. فما بالك إن كان السجان جرثومة لا تُرى!
عبر الإنترنت، تتكرر الشكاوى المريرة من “التباعد الجسماني” الذي فرضه انتشار “كورونا”. جحافل الباكين لا ترى التناقض: إن كنت معزولاً فلمن تبث شكواك؟ لمئاتٍ أو آلاف على صفحات “فايسبوك” مثلاً؟ في انتظار رد فعلهم؟ “وحدة” في قلب “مواقع التواصل الاجتماعي”؟ أنت لست راهباً في كهف ولا ناسكاً في غابة. ما حُجم أو مُنع هو التواصل المباشر، وجهاً إلى وجه مع الآخرين. في الظروف العادية، إن استطعت، قد تقرر الانقطاع عن الناس لأيامٍ لسببٍ أو آخر، ربما لا تغادر خلالها بيتك. لكن هذا اختيارك، الشعور مختلفٌ تماماً حين يُفرض عليك الأمر. فما بالك إن كان السجان جرثومة لا تُرى، قلبت الدنيا رأساً على عقب وأرت البشرية، ناهيك عنك أنت، عجزها ومحدودية قدرتها. البعد من الناس (بمعناه الحرفي هنا) يأتي مُهيناً بأكثر من وجه، ويضرب أول ما يضرب وهمنا بأن شيئاً لن ينزع منا سيطرتنا على حيواتنا.
لكن ما “التواصل” هنا حتى نعرّف ضده “العزلة”؟ كثيرٌ مما نأخذه مسلماً اليوم لم تعرفه البشرية إلا منذ زمنٍ قريب. الهاتف اختراعٌ يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. قبل ذلك، “الكلام” عن بعد لم يكن ممكناً إلا عبر الرسائل، لمن استطاع القراءة أو الكتابة. مع الهاتف أصبح بمقدورك أن تسمعَ صوت البعيد، ولو عبر قارات. اليوم، مع الانترنت، استغنينا تقريباً عن الهاتف القديم، أنت لا تسمع فقط، بل يمكنك أن ترى من تخاطب، عند أطراف أصابعك “تواصلٌ” يكاد يكون كاملاً. في البداية كانت تطبيقات التحدث المرئي هذه قصراً على أجهزة الكمبيوتر، لكنها اليوم في هواتف محمولة. تزامن ذلك مع توسعٍ مطرد في آلياتٍ وتطبيقاتٍ تخلقُ فضاءً إلكترونياً افتراضياً يشارك فيها من أراد مع من يشاء أخباره واهتماماته وصوره.

إذاً، قبل ما يقارب ثلاثة عقود بدأنا، عبر “الشبكة العنكبوتية العالمية”، كتابة رسائل وتلقي إجابات، وتصفح صفحات بمواد مختلفة، ثم وصلنا إلى التخاطب كتابةً، ثم سماعاً ورؤيةً، مع شخصٍ بعيد فيزيقياً عنك. اليوم، بتطبيقات مجانية أو زهيدة الثمن نسبياً يمكنك عقد اجتماعات ومؤتمراتٍ عبر الانترنت، مع أناسٍ في أماكن مختلفة. خلال هذه الفترة الوجيزة اكتسبت العلاقات البشرية قدرةً غير مسبوقة على التحررِ من قيود المكان، فمثلما يمكنك التواصل مع شخصٍ خارج بابك، يمكنك اليوم الحديث مع آخرين عبر القارات والمحيطات. بيدك الابتعاد من اللصيق والتواصل مع البعيد، في مجتمعاتٍ تشكلها اهتمامات مشتركة، أو تجارب اجتماعية حقيقية، سابقة أو حالية (كزملاء دراسة أو عمل سابقين أو حاليين). العالم هذا أفقي، عابر للمسافات وقيود المكان، لكنه أيضاً يبعدك، ولو جزئياً، عن “الرأسي” في وجودك، فما تمضيه من وقت على الانترنت متواصلاً مع بعيدين يعني حتماً وقتاً منفصلاً عن محيطك المباشر.
عضويتنا في “المجتمع” اختلفت، ليس فقط من حيث طبيعة التواصل بل أيضاً كثافته. اختراع الهواتف المحمولة، التي هي فعلياً أجهزة كمبيوتر مصغرة متصلة بـ”الشبكة العنكبوتية العالمية”، يعني أنك باستمرار في قبضة شبكة العنكبوت هذه. الهاتف المحمول منذ اختراعه اعتداء على خصوصيتنا، فهو يلاحقك حيثما كنت. اليوم مع الهاتف الذكي تطاردك تطبيقات اتصالٍ متعددة عبره، ناهيك بارتباط برامج الجهاز بمحيطك الجغرافي، ما يشعرك بأن هناك من يتتبعك دوماً ويقدم لك المعلومات بناء على ذلك (اللهم إلا إذا ألغيت هذه الخاصية، ما يعطل عدداً من تطبيقات الهاتف). قبل أن يهاجمنا “كوفيد 19″، كان هناك بالفعل ثلاثة بلايين ونصف البليون هاتف ذكي عبر العالم، تعمل بإصرار على سلب ما يقارب نصف البشرية أي خصوصية، فعن أي عزلة يتحدث اليوم من دخل شبكة العنكبوت هذه؟

هذا “الإغراق المعلوماتي” زاده “كورونا” حدة.

وفي بيت العنكبوت هذا، نحن عرضة لكمٍ هائل من المعلومات، يختلط فيه القليل الثمين بالكثير الغث. عدا مواقع الأخبار والصحف، التي بداهةً يستحيل الثقة بكل ما تورده، وما تتم “مشاركته” منها عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، هناك عادة كمٌ هائل من نظرياتٍ و”أخبار” ونصائح عن المنطق والواقع تتراوح عادةً بين الضعف والتناقض. يتضافر أثر الانترنت مع وسائل اتصال سابقة مثل الراديو، ثم التلفزيون الأرضي ثم عبر الأقمار الصناعية، ليجعلنا صرعى سيل متواصل من “لوافت الانتباه” (stimulants). لا عجب في أن كثراً منا يعانون صعوبةً في التركيز وأن التواصل المبكر مع الوسائط الإلكترونية يؤثر سلباً في قدرات الأطفال التعليمية.
هذا “الإغراق المعلوماتي” زاده “كورونا” حدة. في الأسابيع الماضية، كغيري، أتتني مئات الرسائل، أعدت إرسال القليل (العشرات) منها التي تحتوي معلومات أو بيانات قيمةٍ عن، آثار كوفيد-19. من جملة ما أتاني، مثلاً لا حصراً، أن الطبيب الصيني الذي اكتشف الفايروس الجديد اكتشف علاجه: الشاي. الخبر، بحسب ما وردني، نقلته صفحة شبكة “سي ان أن” الأميركية الشهيرة، التي لم تلاحظ أن الآلاف ماتوا في الصين، حيث اكتُشف الشاي، وأن مئات أيضاً ماتوا في بريطانيا حيث الشاي مشروب قومي. نصيحة أخرى تحدثت عن الغرغرة بالماء المالح والليمون كعلاج أساسي ناجع، مع الأسف هذه النصيحة لم تصل لعشرات المعامل التي تكد ليلاً نهاراً للوصول إلى علاج. “خبر” آخر ترجم حديثاً في مؤتمرٍ صحافي في البيت الأبيض عن تطوير آلاتٍ لاختبار الإصابة بكوفيد-19 على أنه اعلان عن علاجٍ للمرض الجديد، ودليلٌ على أن الموضوع كله مؤامرة أميركية خبيثة (الخطأ الفاضح في الترجمة لم يلاحظه أكثر من شخص أرسل لي الفيديو). آه! نسيت “الدلائل والبراهين” التي تثبت أن الصين هندست هذه المصيبة لتشتري أسهم الأجانب في الشركات العاملة في الصين بثمنٍ بخس، معلومة حصل عليها الألمعي صاحب التفسير دون غيره في أي وسيلة إعلام ذات صدقية، يفترض أن تتم صفقات بمئات المليارات في الخفاء. هذا ليس سوى غيض من فيض الهرائيات (نسبة إلى الهراء) التي أغرقتنا في الأسابيع الماضية، ونحن في “عزلتنا”. الطنين الآتي من الانترنت، الذي يكاد يحرمنا من سماع أنفاسنا وأفكارنا، ازداد حدة مع كوفيد-19. هذا ليس ألماً من العزلة، بل صراخ من العجز عنها.

بقية البشرية، الغالبية الكاسحة منها، لا تملك ترف الحجر المنزلي.

في شكاوى المتأففين بُعد أساسٌ غائب: من يملك رفاهية الاعتزال في بيته خوفاً من مرض، بلا وظيفة تسمح طبيعتها بذلك، يملك فائضاً مالياً أو هو تحت شبكة أمان تحميه. بقية البشرية، الغالبية الكاسحة منها، لا تملك هذا الترف، علماً أنني لا أتحدث هنا عن دولنا الفقيرة وحسب، بل أيضاً عن الفقراء في دولٍ غنية: في الولايات المتحدة، الاقتصاد الأكبر في العالم، يرزخ حوالى 40 مليوناً من الأميركيين تحت خط الفقر (إجمالي عدد سكان الولايات المتحدة 330 مليوناً، أي أن النسبة تتخطى 12 في المئة، علماً أنه، مع غياب دولة الرفاه هنا تغيب أيضاً منظومة الرعاية الصحية الحكومية الشاملة التي تعرفها دول العالم الأول عدا الولايات المتحدة). فما بالك ببلادنا حيث، في مصر مثلاً ثلث السكان تقريباً، بحسب إحصاءات رسمية، تحت خط الفقر، أو في الأردن حيث ثمن السكان (حوالى 15 في المئة) تحت خط الفقر؟ لا أحد من هؤلاء سيعرف “العزلة” اختياراً، امتلك هاتفاً ذكياً أم لا، وإن أجبر على البقاء في البيت قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار بين مواجهة “كورونا” أو التضور جوعاً. ترى، هل أعمى خليط واقعنا الطبقي و”عالم” الإنترنت بعضنا عن واقعنا المحيط إلى الحد الذي لا نهتم فيه لواقعٍ كهذا؟

بالنسبة إلى من لديه رفاهية البقاء في المنزل ويملك عند أطراف أصابعه وسائل التواصل الاجتماعي، حديث العزلة اليوم يؤلم لا لأنه يأتي بجديد، بل لأنه يؤكد ما هو قائم، ينقله من خيارٍ أدمناه، إلى جبرٍ صريحٍ لا خيار فيه، وهو تعبيرٌ عن عجزٍ عن العزلة، وعما قد تجلبه من هدوءٍ وسكينة، فكما كل ممنوعٍ مرغوب، جُل المفروض مكروه.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This